
محمود ديبو:
بات مصطلح الذكاء الاصطناعي كثير الاستخدام في الآونة الأخيرة، حيث أصبح متداولاً في كل مكان، وأصبح من أبرز المفاهيم التي شغلت العالم، باعتباره نظاماً قادراً على إدراك بيئته واتخاذ الإجراءات لتعظيم فرص تحقيق أهدافه بنجاح، بالإضافة إلى تفسير وتحليل البيانات بطريقة تتعلم وتتكيّف مع مرور الوقت.
وفي هذا السياق، يوضح مدير إدارة التواصل والعلاقات العامة في الجمعية السورية للمعلوماتية وسيم مسعد، لصحيفة “الثورة السورية”، أن السنوات الأخيرة شهدت بروز الذكاء الاصطناعي كقوة محورية تعيد رسم ملامح الاقتصاد العالمي، وتفرض نفسها على أجندة السياسات الاقتصادية للدول النامية والمتقدمة على حد سواء.
وفي سوريا، التي تخوض معركة التعافي وإعادة البناء بعد سنوات من الأزمات، أصبح الذكاء الاصطناعي ضرورة استراتيجية لتحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز مرونة القطاعات الإنتاجية والخدمية، ورفع كفاءة المؤسسات العامة والخاصة.
الزراعة الذكية
في القطاع الزراعي، يقول مسعد: إن الزراعة تُعد ركيزة الاقتصاد السوري وسلة الغذاء الأساسية للسكان، لكنها تواجه تحديات جسيمة من تراجع الإنتاج والجفاف وتدهور البنية التحتية. وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي كخيار استراتيجي لتعزيز صمود القطاع الزراعي وتحسين كفاءته، عبر تطبيقات الزراعة الدقيقة، وتحليل بيانات التربة، وتقدير الاحتياجات المائية، والتنبؤ بالمحاصيل والآفات.
ورغم الإمكانات الكبيرة، تواجه رقمنة الزراعة السورية عقبات مثل ضعف البنية التحتية، ونقص المعرفة التقنية، وصعوبة الوصول إلى الإنترنت في المناطق الريفية. ويؤكد الخبراء ضرورة الاستثمار في التدريب، وتحديث شبكات الري، وتوفير تطبيقات موبايل تعمل أوف لاين لتقديم توصيات زراعية مبسطة.
القطاع المالي والمصرفي
وفي القطاع المالي والمصرفي، يشير مسعد إلى أن التطورات الأخيرة شملت الشراكة الاستراتيجية بين مصرف سوريا المركزي وشركة “فيزا” العالمية، بهدف بناء منظومة متكاملة للمدفوعات الرقمية، وتعزيز الشمول المالي، وربط السوق المحلية بالاقتصاد الرقمي العالمي.
ويتيح الذكاء الاصطناعي للبنوك السورية تحسين إدارة المخاطر، وتحليل بيانات العملاء، وتقديم خدمات مخصصة مثل القروض الذكية، والتسعير الديناميكي، واكتشاف الاحتيال المالي في الوقت الحقيقي. كما يدعم التحول الرقمي جهود الشمول المالي، خصوصاً في المناطق الريفية والنائية، عبر حلول دفع إلكترونية متكاملة.
ومع ذلك، هناك تحديات تواجه تطبيقات الذكاء الاصطناعي في هذا القطاع، أبرزها ضعف البنية التحتية الرقمية، ونقص الكوادر المؤهلة، وصعوبة الوصول إلى التقنيات الحديثة بسبب العقوبات الدولية. ويؤكد مسعد أن نجاح التحول الرقمي يتطلب تطوير التشريعات، وتدريب الكوادر، وتوفير بيئة آمنة للمدفوعات الإلكترونية.
التجارة والخدمات اللوجستية
أما في قطاع التجارة والخدمات اللوجستية، فيشهد السوق السوري تحولاً متسارعاً نحو الرقمنة، مدعوماً بتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الكبرى، وأتمتة التسويق الذكية. أصبح التسويق الإلكتروني منظومة متكاملة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتحليل سلوك العملاء، وتخصيص العروض، وتحسين تجربة المستخدم.
ويشير مسعد إلى تطبيقات محددة مثل التسعير الديناميكي، وتحليل اتجاهات السوق والمنافسين لحظياً، بالإضافة إلى خدمة العملاء الذكية باستخدام روبوتات المحادثة (Chatbots)، وتحليل البيانات التنبؤية لتخصيص الحملات التسويقية وزيادة معدلات التحويل بما يصل إلى 40 بالمئة.
كما يتيح التعاون مع شركة “فيزا” ومصرف سوريا المركزي للشركات السورية قبول المدفوعات الرقمية، بما في ذلك العملات المشفرة، ما يفتح آفاقاً جديدة للتجارة الإلكترونية ويعزز ثقة العملاء بالسوق المحلي.
ومع ذلك، يواجه القطاع تحديات تقنية وبشرية، أبرزها نقص البيانات الدقيقة، وضعف البنية التحتية، وضعف الثقة بالأمان السيبراني، ونقص الكفاءات التقنية، ما يستلزم تفعيل الشراكات مع شركات التكنولوجيا المالية.
القطاع الصناعي
وفي القطاع الصناعي، قال عضو مجلس إدارة غرفة صناعة دمشق نور الدين سمحا، إن الذكاء الاصطناعي يساعد بشكل واقعي إذا جرى التعامل معه كأداة لتحسين الكفاءة لا كمشروع تكنولوجي ضخم.
ويسهم الذكاء الاصطناعي في خفض تكلفة الإنتاج عبر تقليل الهدر، وتحسين استهلاك الطاقة، ورفع جودة المنتج، خصوصاً في صناعات مثل النسيج والألبسة، ما يمكّن المعامل من إنتاج أكثر وبجودة أفضل ضمن الإمكانات المتوفرة، دون الحاجة لاستثمارات كبيرة أو استبدال اليد العاملة.
ويقول سمحا: إن الذكاء الاصطناعي يدعم بقاء المعامل ويعزز القدرة التنافسية للمنتج المحلي، ويساعد على تقليل الاستيراد وفتح فرص تصدير مستقبلية، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي أداة عملية ضمن التعافي الصناعي والاقتصادي في سوريا إذا استخدم بشكل تدريجي ومدروس.
الطريق نحو المستقبل الذكي
يشير مسعد إلى أن نجاح سوريا في التحول نحو اقتصاد رقمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي يتطلب إرادة سياسية قوية، وشراكة حقيقية بين جميع الأطراف، واستثماراً مستداماً في البنية التحتية والكوادر البشرية. ويؤكد: “المستقبل الذكي يبدأ اليوم، ويحتاج إلى حكمة البشر قبل ذكاء الآلات لضمان بناء مجتمع رقمي أكثر كفاءة وعدالة واستدامة”.
ويضيف مسعد أن ذلك يشمل: – تعزيز البنية التحتية الرقمية وتوفير الإنترنت عالي السرعة في جميع المناطق، خاصة الريفية والنائية.
تطوير التشريعات والأطر التنظيمية لحماية البيانات الشخصية وضمان أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي.
تدريب الكوادر البشرية عبر برامج متخصصة في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات والأمن السيبراني.
دعم المشاريع النموذجية والشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتعميم المشاريع الرائدة مثل “تبيان” في الصحة و”كلاسيرا” في التعليم.
نشر ثقافة التحول الرقمي وحملات توعية للمواطنين والمؤسسات، وتحفيز الاستثمار بالذكاء الاصطناعي، وتقديم حوافز ضريبية للشركات الصغيرة والمتوسطة.
تعزيز الأمن السيبراني وحماية البيانات من خلال استراتيجيات وطنية، وتدريب الكوادر على مواجهة التهديدات الرقمية.
قياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي عبر مؤشرات أداء واضحة لتقييم العائد على الاستثمار، وتحليل التأثير على الإنتاجية، والتوظيف، وجودة الخدمات.
بانوراما سورية- الثورة







