تخطى إلى المحتوى

إتلاف الليرة القديمة.. هل يؤثر في السيولة واستقرار العملة الجديدة؟

جاك وهبه:

في خطوة حساسة على صعيد الاقتصاد الوطني، شرعت سوريا في عملية نقل وإتلاف العملة السورية القديمة، ضمن إجراء يتطلب دقة عالية وإشرافاً متواصلاً من الجهات المعنية، إذ تهدف السلطات من خلال هذه الخطوة إلى تعزيز الاستقرار النقدي وضبط تداول الأوراق النقدية، وتحسين جودة النقد المتداول.

لكن العملية ما زالت تثير تساؤلات عديدة بين المواطنين والخبراء الاقتصاديين: كيف ستتم مراحل النقل والفرز والإتلاف؟، وهل ستؤثر على مستويات السيولة في السوق أو على قدرة البنوك في تمويل النشاط الاقتصادي؟، وهل ستبقى ثقة المواطنين بالليرة السورية صامدة أمام هذا التغيير الجوهري؟، وهل ستنجح سوريا في إدارة هذه العملية بدقة وشفافية كافية لضمان الاستقرار النقدي دون أن تهتز ثقة المواطنين أو تتأثر الأسواق بشكل مفاجئ؟.

وفي هذا الإطار، أوضح النائب الأول لحاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور مخلص الناظر، أن المصرف يعمل حالياً على المرحلة الثانية من مهمته، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى ركّزت على توزيع العملة السورية الجديدة إلى المؤسسات المخوَّلة على مستوى الجمهورية، بما في ذلك المصارف وشركات الصرافة والمنافذ المعتمدة.

وأضاف الدكتور الناظر: “نحن في الجزء الآخر من المهمة، الذي يشمل تخزين العملة القديمة بعد تسلمها من فروع المصرف المركزي، ونقلها إلى مدينة المعارض، وإجراء عمليات العد والفرز والإتلاف، ويشارك في هذه العملية الجهاز المركزي للرقابة المالية كأكبر جهة رقابية مالية على مستوى الجمهورية، ودوره حاضر في كل مراحل العملية تقريباً”.

مسار منظّم لإتلاف العملة

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور يحيى السيد عمر أن مرحلة إتلاف العملة تأتي ضمن حزمة إجراءات نقدية تستهدف تعزيز الاستقرار المالي والحفاظ على قيمة الليرة السورية، في مرحلة تتطلب إعادة ضبط دقيقة لأدوات السياسة النقدية.

وأوضح السيد عمر لصحيفة الثورة السورية أن هذه الخطوة تمثّل جزءاً من إدارة نقدية تسعى إلى تحسين جودة النقد المتداول، والحدّ من تداول الأوراق المتهالكة أو المشوهة، بما يقلل من مخاطر التزوير ويعزز ثقة المواطنين بالعملة الوطنية، شريطة أن يتم تنفيذ العملية بشفافية ودقة وفق جدول زمني محدَّد يضمن عدم اضطراب الأسواق.

وأضاف: “تنفذ عملية إتلاف العملة وفق مسار منظم ومتسلسل، يبدأ بجمع الأوراق النقدية القديمة من المصارف العامة والخاصة ومن التداول، ثم نقلها إلى مواقع مؤمنّة تخضع لإجراءات رقابية دقيقة لضمان عدم تسرب أي مبالغ، وبعد ذلك، تأتي مراحل الفرز والتدقيق الفني لتحديد الأوراق المستوفية لشروط الإتلاف، قبل الشروع في عملية الإتلاف المادي باستخدام وسائل آمنة تقنيّاً وبيئياً”.

الأمان والموثوقية

يقول السيد عمر: إن “الجهاز المركزي للرقابة المالية يضطلع بدور أساسي في متابعة جميع المراحل، بما يضمن سلامة الإجراءات، ويحول دون أي تلاعب أو انحراف، ويعزز مصداقية العملية على المستويين المؤسسي والاقتصادي”.

ولتوضيح دور الرقابة، أكد نائب رئيس الجهاز المركزي للرقابة المالية، وسيم المنصور، حرص الجهاز على متابعة عملية استبدال العملة السورية بكل دقة، وأوضح أن الجهاز يقوم بجولات ميدانية للتأكد من أن العملية تتم وفق الأنظمة والتعليمات المعتمدة من المصرف المركزي، بدءاً من تسلم العملة ووضعها في المستودعات المخصصة، مروراً بالتحقق من مطابقتها وتوثيقها وترحيلها إلى أماكن العد، ثم إلى المستودعات الخاصة بالإتلاف، وأخيراً المرور بآلات الإتلاف المخصصة، لضمان تنفيذ العملية بأقصى درجات الأمان والموثوقية.

الأثر المحتمل

يرى السيد عمر أن إتلاف العملة القديمة بحد ذاته لا يؤدي من الناحية النقدية إلى أي تراجع في السيولة المتاحة في الأسواق، إذ إن سحب أي كمية من الأوراق النقدية المتداولة يحدث بالتوازي مع ضخّ بدائل نقدية جديدة بالقيمة نفسها، ما يحافظ على التوازن النقدي في السوق.

وأضاف: إن الأثر المحتمل لهذه العملية يتركز في القطاع المصرفي؛ إذ يمكن أن يسهم في تحرير كتل نقدية كانت مجمدة أو خارج التداول الفعلي، الأمر الذي ينعكس على مستويات السيولة داخل البنوك وليس على الأسواق الاستهلاكية، ويعد هذا الأثر “إيجابياً إذا ما جرى ضبطه ضمن أدوات السياسة النقدية، بما يعزز قدرة الجهاز المصرفي على تمويل النشاط الاقتصادي دون خلق ضغوط تضخمية”.

وبيّن الخبير الاقتصادي أن هذه العملية تكتسب أهمية إضافية في ظل الحاجة إلى إدارة دقيقة للتوقعات النقدية؛ إذ يشكل وضوح التواصل الصادر عن البنك المركزي عنصراً حاسماً في تثبيت الثقة ومنع أي سلوكيات مضاربة أو طلب غير مبرر على النقد؛ فاستقرار السوق لا يرتبط فقط بحجم السيولة، بل بدرجة اليقين لدى المتعاملين حول قدرة المؤسسات النقدية على التحكم بالمعروض النقدي وضمان استمراريته.

تجارب دولية

لفت السيد عمر إلى أن التجارب الدولية تشير إلى أن عمليات استبدال وإتلاف العملة القديمة عادة ما تنجح حين تُرافقها خطط شاملة للتواصل مع الجمهور، وتدرج مراحل التنفيذ؛ فعلى سبيل المثال، نجحت الهند في استبدال الأوراق النقدية ذات القيمة الكبيرة في 2016م من خلال حملة إعلامية ضخمة، وبتوزيع تدريجي للنقد الجديد، ما أسهم في الحدّ من التزوير وتعزيز ثقة المواطنين بالنظام النقدي.

بالمثل، طبقت تركيا سياسات مماثلة لضبط التداول النقدي وإتلاف الأوراق القديمة، مع مراقبة دقيقة من قبل الجهات الرقابية، لتفادي أي آثار على التضخم أو السيولة.

وأوضح أنه يمكن لسوريا الاستفادة من هذه التجارب من خلال اعتماد خطط تدريجية، والتوزيع النقدي المتوازن، والمتابعة الصارمة من الرقابة المالية؛ لضمان نجاح العملية وتحقيق أهدافها الاستراتيجية.

تنظيم العلاقة

ومن منظور اقتصادي أوسع، بحسب السيد عمر، تشكل عملية إتلاف العملة القديمة جزءاً من إعادة تنظيم العلاقة بين الكتلة النقدية المتداولة والطلب الفعلي، وتحسين جودة النقد المستخدم في المعاملات اليومية؛ ما يعزز الاستقرار العام، ومتانة النظام النقدي، ويقوي الثقة بالمؤسسات المالية، وهي أيضاً إشارة قوية للمستثمرين والقطاع الخاص حول قدرة الدولة على إدارة أدواتها النقدية بكفاءة، ما يعزّز مناخ الاستثمار ويحدّ من المخاطر المالية المرتبطة بتذبذب السيولة أو فقدان الثقة بالعملة المحلية.

وأضاف: “يُظهر اهتمام الدولة، خصوصاً الجهاز المركزي للرقابة المالية، بمتابعة كل مرحلة من مراحل نقل وإتلاف العملة القديمة، مدى الحرص على ضبط العملية المالية بدقة وشفافية؛ ما يجعل هذه الخطوة ليست مجرد إجراء فنيّ، بل استراتيجية متكاملة لإعادة الثقة بالليرة السورية، ودعم الاستقرار النقدي، وضمان استدامة النظام المالي في مواجهة التحديات الاقتصادية الراهنة”.

الثورة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تابعونا على فيس بوك

مقالات