رولا عيسى:
في لحظة مفصلية من مسار استعادة الدولة لسيادتها على أراضيها ومواردها الاستراتيجية، يعود ملف الطاقة إلى واجهة المشهد السوري كأحد أهمّ الملفات الاقتصادية.
ووسط تقدم الجيش العربي السوري والتحرّكات الشعبية في الرقة ودير الزور، تبدو شرايين الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها النفط والغاز، على موعد مع استعادة دورها الحيوي في دعم التعافي والنمو.
وفي هذا السياق، شكلت استعادة مجمع الثورة النفطي الاستراتيجي، إلى جانب مجموعة من الحقول المرتبطة به في الريف الجنوبي الغربي لمحافظة الرقة، وكذلك سيطرة الانتفاضة الشعبية على حقول استراتيجية في دير الزور، خطوة بالغة الدلالة، أعادت رسم جزء أساسي من خريطة الطاقة السورية، وفتحت الباب أمام أسئلة كبرى تتعلق بإعادة التأهيل، واستئناف الإنتاج، وقدرة الدولة على إدارة هذا الإرث الثقيل بعد سنوات من الاستنزاف، وسط تحدّيات تقنية ولوجستية وأمنية.
ومع انطلاق معارك التحرير في منطقة دير حافر بريف حلب الشرقي، وما رافقها من إدراك مبكر للأهمية الاستراتيجية لهذه الحقول، جرى التحرّك على أكثر من مستوى لضمان حماية المنشآت النفطية والحفاظ على بنيتها التحتية، وصولاً إلى استلام حقلي الرصافة وصفيان، ثمّ إحكام السيطرة الكاملة على مجمع الثورة النفطي، لتعود واحدة من أهمّ العقد الإنتاجية في البلاد إلى كنف الدولة، وسط تحدّيات كبيرة تتجاوز الاستعادة الميدانية إلى معركة إعادة التشغيل وبناء القدرة الإنتاجية من جديد.
مركز ثقل إداري ولوجستي
لا يُنظر إلى حقل الثورة كبئر منفصلة أو منشأة إنتاجية محدودة، بل يُعدّ مركز ثقل إداري ولوجستي يربط مجموعة من الحقول المتناثرة في عمق البادية السورية، ويشكّل عقدة تشغيلية وتنظيمية بالغة الأهمية ضمن منظومة الطاقة الوطنية.
ويضمّ المجمع عدّة حقول رئيسة، من أبرزها:
- حقل وادي عبيد: يُعدّ من الروافد الأساسية لمجمع الثورة، ويشكّل مصدراً مهماً لتغذية الإنتاج.
- حقل البشري: يقع في منطقة جبلية وعرة، وتكمن أهميته في ربط ريف الرقة بريف دير الزور، ما يمنحه بعداً جغرافياً ولوجستياً إضافياً.
- حقل صفيان (صفييح): يُعدّ نقطة ربط محورية لقربه من الطريق الدولي، ما يسهل عمليات النقل والترحيل.
ولا تنتهي العملية النفطية في هذه الحقول عند الاستخراج فقط، بل تمرّ بدورة لوجستية معقّدة لضمان صلاحية النفط للنقل والتكرير. وفي هذا السياق، تؤدي محطة العكيرشي دور “المصفاة الأولية” أو وحدة الفصل، حيث يحتوي النفط المستخرج من وادي عبيد والبشري على نسب مرتفعة من المياه والأملاح والشوائب، ويتمّ نقله إلى المحطّة لإجراء عمليات الفصل الفيزيائي والكيميائي اللازمة قبل الترحيل.
ونظراً لتضرّر شبكات الأنابيب خلال سنوات الحرب، أو لتقطّع أوصال السيطرة في مراحل سابقة، يجري الاعتماد حالياً على صهاريج النفط كحلّ لوجستي مرحلي.
ووفق الإحصائيات الرسمية للشركة السورية للبترول، كانت هذه الحقول تنتج في شهر كانون الأول 2024 نحو 2500 برميل يومياً فقط، وهو رقم يعكس حجم التراجع الكبير الذي أصاب القطاع نتيجة الحرب، والاستنزاف غير المنظم، والتخريب الممنهج للبنية التحتية، علماً أنّ الإنتاج الحالي للدولة يبلغ 10 آلاف برميل يومياً.
ويؤكد مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول، صفوان شيخ أحمد، أنّ تسلّم الحقول بكامل تجهيزاتها والحفاظ على بنيتها التحتية يشكّل أولوية قصوى، مشيراً إلى جاهزية فرق الشركة لإدارة حقول شرق الفرات بشكل كامل، وضمان استمرار الإنتاج وتغذية المحطات ضمن الإمكانات المتاحة والظروف الميدانية.
بين الواقع والطموح
في قراءة أعمق لأبعاد هذه الاستعادة، يوضّح الأكاديمي والمستشار الاقتصادي، الخبير في شؤون الطاقة، الدكتور زياد أيوب عربش، أنّ استعادة عدد من الحقول النفطية في دير الزور تحمل أهميّة بالغة على المستويين السيادي والاقتصادي، لكنّها في الوقت ذاته تفرض ضرورة قصوى لتأمين هذه الحقول أولاً، ثم الانتقال إلى إعادة تقييمها وإعادة هيكلتها بشكل علمي ومدروس قبل الحديث عن عودة فعلية للإنتاج.
ويقول عربش لصحيفة “الثورة السورية”، إنّ من المبكّر الحديث عن تحقيق إنتاج جوهري وسريع خلال فترة زمنية قصيرة لا تتجاوز أسابيع، وذلك لأسباب متعدّدة، في مقدمتها ضرورة اتضاح الصورة الأمنية والعسكرية بشكل كامل، وضمان عدم تعرض الحقول المستعادة لأيّ عمليات عسكرية أو تخريبية.
وبعد تثبيت هذا الواقع، يضيف الدكتور عربش، تبدأ المرحلة الفنيّة، حيث تقوم الشركة السورية للبترول بإيفاد ورش متخصصة لإجراء تقييم أولي، ثم تقييم تفصيلي، للمواقع والآبار والمؤشرات الفنيّة والبنى التحتية في مجمل الحقول.
ويوضح أنّ معايير استخلاص النفط، وفي بعض الحقول الغاز المرافق، تتطلّب أمثلية دقيقة لجهة الضخّ والترحيل، لافتاً إلى أنّ عدداً كبيراً من الآبار تعرّض خلال السنوات الماضية إلى استخراجات جائرة وغير فنيّة، جرى فيها استنزاف كميات كبيرة من النفط دون احترام قواعد الإنتاج المعتمدة، ما أدّى إلى فقدان الضغط الداخلي للآبار، وهو ما يستدعي اليوم إعادة تقييم الاحتياطي القابل للإنتاج فنياً واقتصادياً.
ويشير إلى أنّ هذه المرحلة تفرض بالضرورة إعادة هيكلة شاملة للبنية التحتية الخاصة بالترحيل، سواء عبر الصهاريج أو عبر الأنابيب الفرعية، بما يضمن سلامة العمليات وكفاءتها. وبعد الانتهاء من هذه المرحلة، يمكن الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تشمل توسيع العمليات الإنتاجية واستقدام شركات دولية متخصصة، بهدف زيادة كميات الاحتياطي القابل للاستخراج، وبالتالي رفع مستويات الإنتاج بشكل تدريجي ومدروس، وفق عربش.
ثلث النفط
يؤكد عربش أنّ استعادة مجمع الثورة النفطي وحقول دير الزور تشكّل خطوة حاسمة لتعزيز سيادة الدولة السورية ودعم الاقتصاد الوطني، لا سيّما أنّ هذه الحقول كانت قبل عام 2011 تنتج ما يقارب ثلث النفط السوري، أي نحو 130 ألف برميل يومياً. كما أنّ حقول المنطقة الشرقية عموماً تشكل نحو 70 بالمئة من الاحتياطيات النفطية السورية المقدرة بنحو 2.5 مليار برميل، ما يمنحها وزناً استراتيجياً استثنائياً في خارطة الطاقة السورية.
ويرى أنّ الأهمية الاقتصادية والسيادية لهذه الحقول تكمن في إعادة سيطرة الدولة على مواردها الاستراتيجية، وتقليص الاعتماد على الاستيراد، وتحسين الميزان التجاري بشكل ملموس، لا سيما في ظلّ التراجع الحادّ في قيمة الليرة السورية مقارنة بعام 2011. كما أنّ العائدات النفطية، إذا أُحسن إدارتها، يمكن أن تشكّل رافعة حقيقية لتمويل التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، بما يسمح نظرياً بتخفيف مستويات الفقر والبطالة.
تحدّيات مرتقبة
فيما يتصل بمتطلبات رفع الإنتاج، يلفت عربش إلى أنّ ذلك يتطلّب صيانة واسعة للبنية التحتيّة القديمة، واستثمارات فنية كبيرة، وإعادة تأهيل الآبار، محذراً من أنّ نقص التكنولوجيا، وتضرّر الشبكات اللوجستية بفعل الحرب، وإجراء تقييمات غير دقيقة أو غير سليمة، أو الاكتفاء بخطط تشغيلية لا تركّز على الحلول الإصلاحية وزيادة الكفاءة تدريجياً، سيؤدي إلى عدم الاستفادة المثلى من هذه الموارد.
لذلك، يشدّد على ضرورة صياغة خطّة محكمة ودقيقة، تركّز على أمثل الطرق الفنيّة للإنتاج، وتضمن رفع الكفاءة التشغيلية بشكل تراكمي ومستدام.
ويخلص عربش إلى أنّ استعادة حقول الرقّة ودير الزور ستنعكس بشكل مباشر على الميزان التجاري عبر خفض فاتورة الاستيراد، وتحسين سعر الصرف، وتحفيز القطاعات الزراعية والصناعية من خلال توفير طاقة أقلّ كلفة، فضلاً عن تحسين الحالة المعيشية للمواطنين عبر دعم الكهرباء والنقل والصناعة، شرط أن تُدار هذه المرحلة ضمن رؤية اقتصادية واضحة توازن بين السيادة والكفاءة والعدالة في توزيع العوائد.
الثورة







