
وسط مرحلة التعافي الاقتصادي التي تشهدها سوريا بعد التحرير، تبرز المدن الصناعية بوصفها محركات أساسية لإعادة تنشيط الإنتاج واستقطاب الاستثمارات المحلية والخارجية.
وتأتي المدينة الصناعية في حسياء بمحافظة حمص في مقدمة هذه النماذج، حيث تشهد حراكاً صناعياً متنامياً يعكس عودة الثقة ببيئة الاستثمار، وازدياد اهتمام الشركات ورجال الأعمال بإطلاق مشاريع جديدة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني، وتوفير فرص العمل، وتعزيز مسار التنمية المستدامة.
نظام استثماري متطور
قال رئيس دائرة الاستثمار في المدينة الصناعية بحسياء، سمير منصور، في تصريح خاص لصحيفة الثورة السورية: إن “عام 2025 يُعد نقطة تحول فارقة في تاريخ المدينة، حيث سجلت معدلات غير مسبوقة من الإقبال على الاستثمار والتخصيص، ويُعزى ذلك إلى عاملين رئيسيين هما تحقيق استقرار أمني وسياسي، وحزمة التسهيلات الحكومية الجريئة التي أطلقتها الدولة لدعم القطاع الصناعي”.
وأضاف منصور أن “أبرز هذه التسهيلات تتمثل في وجود نظام استثماري متطور، حيث تم تخفيض الدفعة الأولى المطلوبة من المستثمر للحصول على أرض صناعية من 25% إلى 5% فقط، إضافة إلى إعفاءات جمركية شاملة على استيراد الآلات وخطوط الإنتاج”.
وتظهر الأرقام حجم الديناميكية الجديدة، إذ يبلغ إجمالي المنشآت المنتجة حالياً، وفق منصور، 344 منشأة (335 صناعية و9 إدارية)، موضحاً أن العام الماضي شهد انخفاضاً ملحوظاً في نسبة المنشآت المتوقفة لتصل إلى 15% فقط من إجمالي المنشآت المنتجة، مقارنة بنسبة كانت تصل إلى نحو 30% في الأعوام السابقة.
كما قفز عدد المنشآت المخصصة (الجديدة) في عام 2025 إلى 71 منشأة، بعد أن كان صفراً في عام 2024، وهو مؤشر قوي على تنامي ثقة المستثمرين وبداية مرحلة تعافٍ حقيقية.
وأشار منصور إلى أن إدارة المدينة الصناعية عملت على تبسيط الإجراءات وجذب المستثمرين، حيث سمحت لهم بالبيع خلال ثلاثة أشهر من التخصيص في حال تعذّر عليهم الدخول في المرحلة الإنتاجية، إلى جانب تبسيط الإجراءات الإدارية التي كانت تُعد معقدة في السابق.
وحول ارتفاع وتيرة الاستثمارات العربية في سوريا، قال المهندس هشام شنو، ممثل مجموعة التيسير للكيماويات والأسمدة، وهي شركة سعودية رائدة في مجال الصناعات الكيميائية، في حديثه لصحيفة الثورة السورية: إن المجموعة بدأت دخولها الفعلي إلى سوريا منذ الشهر الخامس من العام الماضي، وشاركت في عدد من المعارض المتخصصة، وقدّمت منتجاتها الكيميائية والزراعية بأسعار تنافسية وجودة عالية أثبتت كفاءتها، وتشهد حالياً إقبالاً متزايداً في السوق السورية.
وأشار شنو إلى أن المجموعة تستعد لافتتاح مصنع جديد لها في المدينة الصناعية بحسياء على مساحة تُقدّر بنحو 30 ألف متر مربع، موضحاً أن المشروع يهدف إلى دعم السوق المحلية بمختلف أنواع الأسمدة الزراعية.
ولفت إلى أن خطوط الإنتاج ستشمل الأسمدة غير العضوية والكيماويات الأساسية التي تلبي احتياجات قطاعات استراتيجية، من بينها قطاع النفط وحفر الآبار، إضافة إلى شركات تحلية ومعالجة المياه.
وفي السياق ذاته، أكد الصناعي السوري مازن درويش، مدير شركة للصناعات المعدنية المتخصصة في تصنيع الهياكل والمكونات المعدنية، في تصريح لصحيفة الثورة، سعيه إلى توسيع عمل شركته الصناعية داخل سوريا.
وأشار درويش إلى أن منشآت الشركة تمتد حالياً في المدينة الصناعية بحسياء على مساحة 18 دونماً، مع وجود خطة توسع مرحلية تؤهلها لأن تكون واحدة من أبرز المنشآت الصناعية في قطاع الصناعات المعدنية الثقيلة والمتوسطة.
الخيار الآسيوي
في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، تتزايد الدعوات إلى تنشيط الاقتصاد الوطني وفتح مسارات جديدة للنمو، حيث أكد الباحث الاقتصادي علي الشوا أن حجم التحديات الاقتصادية التي تواجه سوريا كبير، إلا أن التجارب التاريخية تثبت أن الأزمات قد تكون نقطة انطلاق لنهضات كبرى.
واعتبر الشوا في حديثه لصحيفة الثورة السورية أن الخيار الأكثر واقعية اليوم هو تبنّي “الخيار الآسيوي”، القائم على تحويل سوريا إلى قوة تصديرية تعتمد على تصنيع سلع يدفع ثمنها المستهلك العالمي، بما يضمن تدفّق القطع الأجنبي وتمويل أجور العمال من الأسواق الخارجية، بدلاً من الاعتماد على ميزانية الدولة المرهقة.
وأوضح الشوا أن هذه الرؤية ترتكز على توطين صناعات التكنولوجيا المتاحة التي تشكّل نحو 75% من احتياجات السوق العالمي، عبر أربعة قطاعات رئيسية هي: المنسوجات والملابس، الصناعات الدوائية، الأحذية والجلديات، والألعاب والدراجات.
ووفقاً للباحث الاقتصادي، تمتاز هذه القطاعات بكثافة العمالة، وسهولة التصنيع، وارتفاع العائد، وانخفاض كلفة التجهيز، مع إمكانية توزيعها جغرافياً بما يستثمر المزايا التاريخية والصناعية للمحافظات والمدن الصناعية والأرياف.
دور الإعلام الحكومي في دعم الاقتصاد
يلعب الإعلام دوراً محورياً في دعم الاقتصاد الوطني، وهو ما أكده مدير الإعلام الحكومي في حمص سامر السليمان في حديثه لصحيفة الثورة السورية، لافتاً إلى أن الإعلام يسهم في تسليط الضوء على ما تقوم به المؤسسات الحكومية من إجراءات داعمة للصناعة، إضافة إلى نقل احتياجات القطاع الصناعي والتحديات التي يواجهها إلى الجهات المعنية.
وأشار إلى أن الإعلام الحكومي اليوم يشكّل حلقة وصل بين المواطن والمؤسسات الحكومية، ولا يقتصر دوره على نقل صورة الدولة، بل يتعداه إلى إيصال صوت المواطنين، سواء من خلال المتابعة الميدانية أو رصد ما يُتداول على وسائل التواصل الاجتماعي.
وأوضح أن الإعلام الحكومي لم يعد إعلام سلطة، بل إعلام مؤسسة يهدف إلى إظهار عمل المؤسسات بصورة واقعية، وبناء جسور الثقة بينها وبين الجمهور، بما يضمن تلبية احتياجات المواطنين بأسرع وقت ممكن.
كما بيّن السليمان أن مدينة حمص تُعد اليوم وجهة استثمارية واعدة، لما تمتلكه من بنية تحتية متقدمة، ولا سيما في المدينة الصناعية بحسياء، إضافة إلى موقعها الاستراتيجي في وسط سوريا وقربها من موانئ التصدير، ما يسهل عمليات النقل والتوزيع إلى مختلف المحافظات.
الثورة







