طرطوس-رشا سليمان:
تعتبر السياحة من أهم مصادر الدخل القومي في سورية، وتعد سورية من أهم البلدان التي تحوي مواقع سياحية وأثرية هامة، والمغاور من عوامل الجذب السياحي الهامة أيضاً، حيث تندرج ضمن ما يسمى السياحة البيئية، وخاصة سياحة العالم الجوفي، وتأتي أهمية هذا النوع من السياحة لما له من جمالية في اكتشاف باطن الأرض، ومن أهم المشاهدات فيها /الترسبات الكلسية/ ما يسمى بالصواعد والنوازل التي أخذت مئات وآلاف السنين كي تتكون وتأخذ أشكالاً متعددة وألوان الطيف، وتتضمن محافظة طرطوس العديد من الهوات والمغاور (بيت الوادي – الضوايات-الحدية-الدي-الجباب-…..)، ولكن غالبية هذه المغاور لم تحظ بالرعاية والاهتمام الكافي، ولم تدخل حيز الاستثمار السياحي ما يجعلها قبلة السياحة الداخلية والخارجية.
مغارة بيت الوادي
وتعد مغارة بيت الوادي من أبرز وأجمل المغاور في سورية، وتحديداً في محافظة طرطوس لما تمثله من ثروة تاريخية وطبيعة نادرة، صنعتها الطبيعة، وسحرت الزائرين بجمالها الداخلي والخارجي حتى سميت /جعيتا سورية/ تشبيهاً بمغارة جعيتا الرائعة في لبنان، تقع في بلدة دوير رسلان على بعد /18/ كم من مدينة الدريكيش و/3/ كم عن قرية دوير رسلان، وتستقر ضمن جوف صخري، كونته ملايين السنين نتيجة مرور نهر جليدي ضخم في تلك المنطقة، وتروي مغارة بيت الوادي لناظريها عظمة الطبيعة التي تمكنت بقوة الماء والجليد أن تحفر هذا الوادي وتلك المغارة، حيث تتوضع المغارة ضمن منطقة طبيعية خضراء، تكثر فيها الينابيع والأنهار، وتشتهر بالصواعد والنوازل، وتتنوع فيها التكوينات الكلسية التي تشكل أكثر من 70{844ffa2143412ea891528b2f55ebeeea4f4149805fd1a42d4f9cdf945aea8d4e} من مساحة المغارة، بالإضافة إلى تميزها من الناحية الأثرية والتاريخية والطبيعة الهدرولوجية والتكوينية والبيئية والنباتية والحيوانية، وتتميز بوجود مساحات وفراغات كبيرة داخلها، بحسب ما وصفها يزن الشيخ مدير السياحة في طرطوس، وأضاف: تتصف المغارة بثبات درجة حرارتها صيفاً وشتاء على/ 18° /، وتمتد على عمق /600-700/ م، وحدودها غير معروفة بشكل دقيق، وتمر بها مجموعة من السواقي والشلالات المائية الصغيرة، وترتفع عن سطح البحر نحو /540/م.
محطة تاريخية
وبيّن الشيخ أنه لوحظ أثناء القيام بالرفع الطبوغرافي للمغارة وجود بقايا فخارية مكسرة تعود إلى عصور قديمة (العصر الكالكوليتي 4500-3400 قبل الميلاد)، ولوحظ وجود بقايا عظام إنسان منثورة في أماكن عدة من المغارة، وكثرة الكتابات على الجدارن والصخور في وسط الصالات بعض منها غير مقروء، لذا تعتبر المغارة محطة تاريخية، وقد تكون هذه الكتابات مصدر اهتمام علماء التاريخ والاجتماع، ودليلاً للحقب التاريخية التي توالت على المغارة، ويستدعي وجود نبع ماء غزير يجري في المستوى السفلي للمغارة الاستكشاف بواسطة تقنيات الغطس، بالإضافة إلى الترسبات الكلسية التي أخذت آلاف ومئات السنين لتتشكّل وتأخذ أشكالاً وألواناً متعددة، إلا أن هذه الترسبات النادرة لا يمكن تجديدها عند تلفها، ما جعلنا نأخذ بعين الاعتبار ذلك أثناء دراستها، لأن أي استصلاح للمغارة سيؤدي إلى تغيرات لا رجوع عنها لبيئة المغارة المتوازية والهشة.
استثمار المغارة
ولفت مدير السياحة إلى أنه يجب المحافظة قدر الإمكان في الأعمال التحضيرية للاستثمار داخل وخارج المغارة على توازنها وتوازن العناصر الأساسية للمغاور من: (رطوبة، حرارة، تهوية، معدل ثاني أكسيد الكربون)، من أجل تدارك أي خلل قد يطرأ على نظام المغارة قبل حدوثه، وذلك من خلال توافر عوامل الأمان فيها، ومنها التهوية الكافية، ومنع تساقط الحجارة والانهيارات، وحدوث الهوات، وغيرها، أما خارجياً فإن أي استثمار للبيئة الخارجية يجب أن يعطى الأهمية نفسها من الداخل، لأنه يكمل العنصر الجمالي للمغارة، ويمنع حدوث أي تسرب تلوثي إلى طبقات المغارة السفلية والمياه الجوفية، وأضاف الشيخ بأنه يمكن لمغارة بيت الوادي، بما تمثّله كنافذة للعالم الجوفي، إذا استثمرت بطريقة علمية، أن تساهم بشكل كبير في لفت انتباه الرأي العام حول كيفية استثمار موارد هذا العالم الغامض في نطاق السياحة بطرق متبعة عالمياً تساهم في الوقت نفسه بالحفاظ على موارده ضمن إطار التنمية المستدامة، لذا قامت مديرية السياحة في طرطوس بعرض مشروع مغارة بيت الوادي في ملتقى الاستثمار الثاني 2006 ضمن شريحة العرض الترويجي، (داخلياً: طول مسار الزوار المقترح لعمق مغارة غير معروف /500/م، خارجياً: خدمات مكملة من مطعم، ومبيت، وأنشطة، وتنزه، وإدارة، وحجز، وألعاب).
وأعاد الشيخ أسباب عدم استثمار المغارة حتى تاريخه إلى كونها غير مدروسة بشكل علمي ومتكامل حتى الآن، وتم إغلاقها لعدة أسباب، منها الحفاظ على سلامة زوارها لعدم وجود مسارات آمنة للزيارة، وخوفاً من حصول انهيارات، أو تساقط للحجارة فيها، والحفاظ على مكونات المغارة من الداخل، والتي تعتبر موارد غير متجددة، فالترسبات الكلسية التي أعطت هذه الجمالية من خلال الصواعد والنوازل المميزة لا يمكن تجديدها عند تلفها، وللمغارة أيضاً نظام محدد من حيث الرطوبة، والحرارة، والتهوية، ومعدل /co2/، وإن أي خطأ ناجم عن استثمارها يمكن أن يؤدي إلى خلل في هذا النظام.
بانوراما طرطوس-البعث







