الدخول تتآكل على عتبات الأسواق من جنون الأسعار وجشع التجار.. قوة الرقابة التموينية الضاربة ما تزال دون المستوى في نصرة المظلومين وردع الطمّاعين

على الأرجح .. بل وبما لا شك فيه .. هناك تجار كثيرون يمارسون الجشع بطبعهم، من شدة حرصهم على هذه الدنيا التي لن تدوم لهم ولا لغيرهم، ويفرضون طمعهم على الناس بطريقة غليظة وفجة، وبعيدة عن الرحمة والتعاطي الإنساني المعقول الذي من المفترض أن يكون من أهم أولويات المعاملة بين الناس.

وعلى قاعدة الجشع والطمع وشدّة الحرص الفارغ في النهاية، لا يهم أي تاجر من هذا الصنف إن كانت مساهمته بليغة في تردّي أوضاع الناس، وظلمهم والافتراء عليهم، ومختلف التبعات والصدمات التي يتلقونها منهم، والتي تظهر على صورة ارتفاع الأسعار في الأسواق واشتعالها جنوناً لتطير فوق قدرة المستهلكين وطاقاتهم على تأمين أدنى أساسيات الحياة.

هي مشكلة .. لا بل مصيبة تجتاح أسواقنا في هذه الأيام، في ظل هذا الدخل المتردّي الذي وإن بدا معقولاً فهو يتآكل عن عتبات الأسواق بالنيران المنبعثة من أسعار السلع والمواد قبل التجرّؤ والولوج إلى داخل هذا السوق أو ذاك، فقد وضعنا أولئك التجار في حالة غير مسبوقة من التضخم الذي سيرتدُّ بآخر المطاف عليهم، لأن هذا الجشع الذي لا يكفّون ولا يرتدعون عن ممارسته، يجزم أنهم يمتازون بغباءٍ شديد أكبر بكثير من حجم الذكاء الذي يعتقدون واهمين بأنهم يتّصفون به، لأنّ مساوئ أعمالهم – إن استمرّت على هذا المنوال – ستعود عليهم بارتداداتٍ شنيعةٍ بعد حين، وهم بذلك يعتقدون أنهم يربحون ويكدّسون الأموال، في حين أن الأمر ليس كذلك أبداً.

إنّ المضي بهذه الطريقة اللاأخلاقية في التجارة سيؤدي بطبيعة الحال إلى تناقص المستهلكين من خلال استغنائهم عن شراء الكثير من الاحتياجات، وقد بدأ الكثير من المستهلكين فعلياً بالاعتماد ما أمكن على أنفسهم عبر إيجاد بدائل ذاتية يمكن لكل شخصٍ أن يقوم بها بدلاً من أن يتّكئ على السوق والاستهلاك بالكامل، ولاسيما من كان يمتلك أرضاً، حيث راح الكثيرون يلجؤون إلى زراعة ما أمكن من احتياجاتهم ليكونوا منتجين لها بدلاً من الاقتصار على الاستهلاك، كما اتجه البعض أيضاً إلى تربية الدواجن وحتى بعض الخراف وإقامة مزارع الأسماك المنزلية، والاستغناء عن بعض الخدمات، واللجوء إلى صيانة الأشياء بدلاً من تغييرها واستبدالها، وهذا كله لسدّ الحاجة من الخضار والبيض واللحوم، والخدمات والأعمال التي لم تعد أسعارها تطاق.

إن الاتجاه نحو هذه الأعمال قادم لا ريب، غير أن تبلوره في الحياة العامة قد يبدو بطيئاً، فهو يأخذ بعض الوقت، كما أن المتردّدين في ذلك ينتظرون حتى يجدوا تجارب من بدأ بتجربته، فهذا ينتظر جاراً، وذاك قريباً ليروا النتائج على الأرض، فمثل هذه الأعمال تمرّ بمرحلة جسّ النبض قبل الوصول إلى مرحلة الانتشار.

مرحلة الانتشار

على الأرجح فإن هذه المرحلة لم تعد بعيدة، وسيرى التجار بعد حين كيف تمكّن جشعهم وطمعهم من فقدان أفواجٍ كبيرة من المتسوقين الذين استغنوا عنهم بإنتاجهم واعتمادهم على أنفسهم، وهذا في حقيقة الأمر من محاسن ذلك الجشع والطمع، فالأمور هكذا يجب أن تكون أصلاً من دون تلك المحرّضات التي فرضها التجار، إذ كلنا علينا الاتجاه إلى مرابع الإنتاج ما أمكن لنكون أكثر فاعلية في الحياة، فضلاً عن أن هذا الاتجاه يعتقنا من براثن الطمع والجشع، وهذا سيحصل فعلاً عند حدوث الانتشار المرتقب والذي سيؤدي في أوجه إلى فائض كبير في الإنتاج، وبالتالي عرضٍ وافر نتيجة انكفاء الكثيرين عن الأسواق، وبالتالي انخفاض الأسعار.

هذا هو الشكل النظري، الذي أكادُ أراه عملياً بعد حين، ولا شك بأن الوصول إلى هذه المرحلة من شأنه أن يُحدث كساداً بالعديد من السلع والخدمات ولاسيما تلك التي تم الاستغناء عن شرائها، بعد إنتاجها ذاتياً، وهذا سيؤدّي أيضاً إلى انخفاض الأسعار، وارتفاع قيمة الليرة، وإبطاء حركة البيع لمصلحة الإنتاج.

ولكن من الآن وإلى أن تتحقق تلك المعادلة كان لا بد من الرقابة التموينية من أن تأخذ دورها الفعّال والمُنصف دون التعرّض لظلم أحد، ودون ترك مجالٍ لأي مخالفٍ من الإفلات .. أو على الأقل قدر الإمكان، فالإمكانيات أكبر بكثير مما نراه على الأرض.

لا شك هناك عوامل عديدة أخرى ساهمت بارتفاع الأسعار، عوامل اقتصادية ونقدية إلى جانب العوامل الأمنية الحرجة التي نعيشها جراء هذه الحرب الجائرة على سورية، وهذه كلها لها خطط وبرامج وظروف معينة لها رجالها وقادتها، غير أن جشع التجار هو البرنامج الجاهز الذي على الرقابة التموينية أن تبادر لقطف ثماره دون إبطاء.

بانوراما سورية-سيريا ستيبس – علي محمود جديد

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات