سياسة التدخل غير مجدية.. والحل بتخفيض تكاليف الانتاج

بانوراما سورية- عبد العزيز محسن:
لا اعتقد أن تطبيق سياسة التدخل الإيجابي في الأسواق تسير على خير ما يرام وخصوصاً في المجال الزراعي.. فهناك الكثير من التساؤلات حول بعض التدخلات التي يمكن وصفها بالقاصرة أو المشبوهة والتي يمكن أن تنطلي خلفها العديد من حالات التراخي والتهاون والفساد.. الأمر الذي يشكل تشويهاً وتفشيلاً لسياسة الحكومة ولأهدافها وسعيها لخلق حالة من التوزان في الأسواق وحماية المنتج والمستهلك على وجه التحديد… والأمثلة كثيرة على أرض الواقع ولا تحتاج الى الكثير من التفحيص أو التدقيق.. وسنتحدث اليوم عن مثال وتجربة في تطبيق هذه السياسة باستجرار بعض السلع الزراعية من الفلاح من قبل السورية للتجارة.. فقد اظهرت لائحة أسعار مبيع الخضار والفواكه الصادرة عن المؤسسة في مدينة دمشق فرقاً كبيراً تجاوزت نسبته المئة في المئة في اسعار العديد من الأصناف التي تشتريها المؤسسة من المزارعين وتبيعها للمستهلك عبر منافذها وصالاتها.. وتوضح لائحة الأسعار المذكورة على سبيل المثال سعر مبيع مادة البندورة ما بين ٧٠٠ – ٨٠٠ ليرة للكغ في حين تشتري المؤسسة الكيلو من الفلاح ما بين ٣٠٠- ٤٠٠ ليرة وبنسبة ربح مضاعفة وهو ما يشكل فارقاً كبيراً غير منطقي وبالتالي لا يمكن اعتباره تدخلاً إيجابياً ولا بشكل من الأشكال كون الاستجرار يتم دون سعر تكلفة الانتاج وهو بحدود ال ٨٠٠ ليرة للكغ المنتج ضمن البيوت البلاستيكية..

ويرى عدد من المزارعين إلى أن هذا الأمر ينسف صحة مقولة سياسة التدخل الإيجابي التي اعلنتها المؤسسة لصالح كل من المنتج والمستهلك كونه لم يُغير شيئاً على أرض الواقع وخصوصاً للمزارع بل زاد الطين بله عبر مساهمة هذا الإجراء في تخفيض وتثبيت سعر مبيع منتجاتهم المنخفض اساساً من قبل التجار والسماسرة وبالتالي استمرار استلام وشراء المادة بهذه الأسعار وطرحها وبيعها في الأسواق للمستهلك بأسعار اضعاف مضاعفة بحسب كل سوق في كل محافظة..

ويؤكد المزارعون بأن من يبيع منتجاته للمؤسسة يمكن أن يوفر فرق الكمسيون وسعر العبوات في بعض الأحيان إلا أن هذا الإجراء ليس أمراً مجدياً ولا كافياً كونه يتم على نطاق ضيق وفي مناطق محدودة ولا يحقق الغاية منه.. مضيفين بأن بعض المكلفين بعمليات الاستجرار من مندوبي المؤسسة يقومون في الكثير من الأحيان بشراء المنتجات من التجار وليس من المزارعين وقد وصلت شكاوى بهذا الخصوص الى الوزير شخصياً..
كل ما ورد آنفاً يؤكد فعلياً فشل تطبيق سياسة التدخل الإيجابي في موضوع الاستجرار المباشر من الفلاح.. إذ ليس من المقبول او المنطقي ان يصل فارق السعر ما بين الشراء والمبيع إلى المئة في المئة،وهذا طبعا بمثابة ربحاً مضاعفاً محققاً وبخلاف ما اشارت إليه المؤسسة بأن عملية الاستجرار والبيع تتم بلا أرباح!!، إلا إذا اعتبرنا بأن تكاليف النقل فقط تزيد سعر السلعة ١٠٠ % وحتى ضمن المحافظة الواحدة، وهذا طبعا غير صحيح ولا يدخل في باب المنطق وإن ثبت ذلك فعلاً فهو يشكل ملف فساد كبير يجب التدقيق والتحقيق فيه …
وفيما يخص المستهلك الحلقة الأضعف الأخرى… فجميعنا ندرك حجم ما تعانيه هذه الشريحة وخصوصاً من اصحاب الدخل المحدود في ظل تراجع القدرة الشرائية قياساً بمستوى الرواتب والأجور ومقارنة بأسعار السلع والمنتجات في الأسواق، ولكن في الوقت نفسه ولنكون منصفين فأن ارتفاع تكاليف الانتاج يشكل ايضا هاجساً مخيفاً للمزارعين وخصوصاً لمزارعي البيوت البلاستيكية والتي تزيد تكاليف الانتاج فيها الى أكثر من ضعفي الانتاج في الزراعات الحقلية التقليدية.. الأمر الذي يتسبب بحدوث فجوة كبيرة في عمليتي الانتاج والتسويق.. وبالتالي لا بد من البحث عن مسببات هذه القضية وإيجاد حلول مناسبة لها، والابتعاد عن إلقاء التهم على المزارع وتخفيض قيمة منتجاته الى ما دون اسعار التكلفة في الكثير من الأحيان قسراً وظلماً كما اوردنا… والأمر ليس بتلك البساطة التي اوردها وزير الزراعة حين اجاب على سؤال حول خسارة مزارعي البيوت البلاستيكية نتيجة ارتفاع تكاليف الانتاج بقوله وبما معناه بأن من يخسر لا يعيد الزراعة من جديد!! وكان الأجدى بدل هذا الاتهام المبطن أن يكلف سيادة الوزير جهة موثوقة بالتحقق على ارض الواقع ودراسة الموضوع بشكل كامل ودقيق وخصوصاً موضوع التكاليف واسعار المواد الأولية ومستلزمات الانتاج وصولاً إلى التسعير… مع التنويه بأن الجواب او الرد الذي ينطق به لسان حال المزارع على موضوع تكذيب خسارته بأن هذه الخسارة محققة فعلياً وتحدث لمحصول معين وانه غالباً ما يلجأ المزارع إلى تعويض الخسارة من انتاج اصناف اخرى يزرعها ضمن الموسم الواحد أو ربما يُدور خسارته وديونه على الصيدليات الزراعية من عام الى عام.. كما يمكن ان يلجأ الى بيع شيئاً من ممتلكاته لسد الخسارة او العجز وليس من الضرورة أن يعلن أفلاسه او ان يمتنع عن الزراعة! .. فالزراعة هي مهنة غالبية الناس وتوارثوها اباً عن جد وليس مقبولاً هنا التشكيك والمساومة والدفع نحو حافة الهاوية لمن يقدم غذاءً ويطعم الآخرين من تعبه وعرقه وجهده وما يرافق ذلك من معاناة إضافية نتيجة العوامل الجوية من عواصف وجليد وفياضانات.. وغير ذلك..

اخيراً لا بد من اللجوء إلى المقارنة كونها تسهم بإيصال الفكرة بصورة اسرع.. فالأسواق تعج اليوم بالمواد الغذائية المصنعة والاستهلاكية التي يحتاجها المواطن بشكل يومي وتباع بأسعار خيالية، ولم تنجح محاولات وزارة التجارة الداخلية حتى الآن في تخفيضها بالنسب المنطقية العادلة رغم صدور قانون حماية المستهلك ودخوله موضع التطبيق منذ حوالي الأسبوعين.. وطبعاً هنا نشير بأننا لم نسمع تلك الصرخة القوية من أحد ولم نلمس تلك الإجراءات الاستثنائية لنجدة المستهلك، ولم نرى سوى تحركاً إعلامياً شكلياً محدوداً حتى الآن عبر التواصل مع غرف التجارة والصناعة والتوسل إليهم بالمساعدة على حث التجار والصناعيين لتخفيض أسعارهم!!.. في حين أن السلع الزراعية والفلاح هما الحلقة الأضعف دائما،ً وسرعان ما يتم فرض اسعار تأشيرية بدون دراسة دقيقة لتكاليف الانتاج.. ويُفرض العمل بموجبها في اسواق الهال والتي سرعان ما يتلقفها التجار للعمل بها كونها تحقق مصلحة كبيرة لهم عبر الشراء بالسعر المنخفض والبيع بأعلى الأسعار وبلا حسيب ولا رقيب، وطبعا ذلك يشكل ظلماً وإجحافاً للمنتج وللمستهلك بآن معاً….
والحل الوحيد هنا هو العمل بجميع الطرق والوسائل على تخفيض تكاليف الانتاج وتحسين مستوى الدخل وضمان تطبيق سياسة سعرية متوازنة تضمن حقوق كل من المنتج والتاجر والمستهلك بآن معاً… وبغير ذلك لن تنفع اية محاولة للتدخل الإيجابي في الأسواق بل على العكس سيكون بمثابة التدخل السلبي!!!

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات