الوردة الشامية… أغلى من الذهب

في 13 كانون الأول 2019 أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونيسكو) عن إدراج الوردة الشامية وما يرتبط بها من صناعات ومهن حرفية في قرية المراح بريف دمشق على قائمة التراث العالمي غير المادي، والمراح بلدة في مدينة النبك تشتهر بزراعة الوردة الشامية التي تنمو فيها بشكل طبيعي نظراً لملائمة التربة والظروف المناخية، وتشكل الوردة ومنتجاتها مصدر دخل لسكانها وأهالي منطقة القلمون بشكل عام.

الوردة الشامية وردة كريمة معطاءة توزع بهاءها وفوحها في كل الفصول، كنز دفين تحضنه بلادنا، وجدت في سورية منذ أكثر من ألفي سنة حيث اكتشف خواصها وفوائدها العطرية (ابن سينا) وهو أول من بدأ باستخراج الزيت العطري لهذه الوردة، ومن دمشق انتقلت إلى أوروبا وبقية دول العالم وكانت من السلع والمبادلات التجارية بين بخارى (مدينة ابن سينا) وبلاد الشام.

الوردة الشامية رمز عالمي وليس شامياً أو سورياً يصنع منها أغلى وأفخر العطور في العالم ثروة ثمينة وشبه ضائعة في بلادنا، وردة مرتبطة بالذائقة الجمالية والبصرية والحسية في المجتمع السوري، جمال يلامس الروح والنفس المتعبة والمضطربة من أثقال الحياة وارتكاسات الحرب الشرسة التي شنها وحوش الإرهاب على وطننا بكل مقوماته حيث يأخذنا عالم الزهور بعيداً ويسافر بنا إلى السكينة والأحلام حيث ترحل الروح إلى حضن الطمأنينة والأمل والهجوع على ضفاف الصفاء والجمال.

تنتشر حرفة استخلاص الزيوت العطرية من الوردة الشامية في العديد من الأماكن في ريف دمشق ويرافق استخلاص الزيوت العطرية منها منتج ماء الورد الذي يدخل في الكثير من الاستعمالات وهي وردة يقطفها الرجال والنساء ويفضل قطافها في الربيع في الصباح الباكر لتكون غضة طرية ندية لزيادة كمية الزيت المستخرج، والزيت العطري الناتج هو زيت طيار يستخدم لصناعة أفخر العطور في العالم وأغلاها، واستخلاص زيت الورد مهنة حساسة تحتاج للدقة وتراكم الخبرة ويتم الحصول على الزيت عبر طريقتين التقطير أو العصر بالمكبس عن طريق الضغط وزيت الورد الذي يطفو على السطح في الكلكة يخرج من فتحة أخرى ويتم تجميعه وتعليبه حيث يحتاج كمية 1 كغ من زيت الوردة الشامية إلى أربعة أطنان من الورد وله فوائد عديدة عطرية وطبية منها وقف النزيف الدموي ومعالجة أمراض الكلى والحصى والجهاز البولي، بينما كيلو غرام من الوردة الشامية ينتج 800 غرام من ماء الورد الذي يستخدم في صناعة المعجنات والتجميل وتنقية البشرة وإزالة التجاعيد إضافة إلى نكهة لذيذة محببة للحلويات والمشروبات.

الوردة الشامية زهرة لا تبخل علينا بجمالها وسحرها وعطرها، تزين حقولنا وحدائقنا وبوابات حاراتنا ومداخل بيوتنا في ربيع شبابها وموسم عطائها تهدينا أجمل أضمومة ورد من أكمامها المتفتحة وضوعة عطرها الذي يعتبر الأغلى ثمناً بين جميع أنواع العطور الأخرى ويتم منه تركيب أجود العطور الفاخرة حيث تتعدد استخداماتها الطبية والعلاجية للكثير من الأمراض كاللشمانيا والأكزيما والقلاع والكثير من الأمراض النفسية والعصبية والبدنية، إضافة إلى مستحضرات وكريمات تجميلية ويتم حالياً تصديرها إلى لبنان والعراق والأردن، وقد وصف الصينيون زيت الوردة الشامية بأنه أغلى من الذهب.

علينا ننشر ثقافة حب وتربية الورود والنباتات وتصنيع المنتجات منها ونشر وتعميم زراعة الوردة الشامية والتعريف بمنتجاتها (شراب الورد – ماء الورد – زيت الورد) والتأكيد على الهوية السورية لها وأصالتها عبر التاريخ والتوسع بزراعتها كونها تشهد إقبالاً متزايداً في جميع المناطق السورية وإقامة المعارض للورود ونباتات الزينة وتعريف الناس بالأسواق والدول المستوردة لها ومواصفات الجودة القياسية وأذواق المستهلكين في كل سوق.

نعمان إبراهيم حميشة

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات