التلوث البيئي القاتل وغياب التخطيط الاستراتيجي الصحيح..

بانوراما سورية- عبد العزيز محسن:

تكشف الأحداث والقضايا المتلاحقة التي نمر بها بأننا لا نزال بعيدين جداً عن اسس ومعايير التخطيط الاستراتيجي الصحيح، وبعيدين اكثر عن الإدارة المؤهلة والقادرة على الاستجابة لمتطلبات وتداعيات الكوارث والأزمات…. وبغض النظر عن الاختلاف او التوافق على صوابية إطلاق صفة الكارثة على اية ظاهرة او حادثة صغيرة او كبيرة إلا أن النتيجة واحدة لجهة طريقة التعامل معها ومع تداعياتها، بصرف النظر طبعا عن الأهم وهو الحؤول دون حدوثها اصلاً…

خلال اسبوعين فقط كانت محافظة طرطوس مسرحاً لحدثين في غاية الأهمية والخطورة، والقاسم المشترك لهما هو التلوث البيئي.. الحدث الأول هو تلوث المياه الجوفية بمخلفات النفايات الصلبة من معمل وادي الهدة ومن مخلفات الصرف الصحي… والحدث الثاني كان تسرب كميات كبيرة من الفيول من احد خزانات محطة بانياس الحرارية وتلوث عشرات الكيلومترات على امتداد شاطئ البحر في طرطوس واللاذقية..

 

لم يشفع لمحافظة طرطوس الموقع الجغرافي المتميز على ساحل البحر المتوسط، وكذلك الطبيعية الساحرة التي وهبها الله لأهلها من غابات وينابيع عذبة وانهار دائمة الجريان وسهول وجبال خضراء جميلة واراض خصبة معطاءة…. فكل هذه المزايا اصبحت لا تساوي شيئاً في مقابل التلوث البيئي “المصطنع” المتفاقم الذي يقض مضاجع السكان ويسير بهم نحو المزيد من اليأس والغوص في ثنايا وخفايا المجهول.. فالمحافظة الصغيرة في المساحة ، وذات الكثافة السكانية المرتفعة تدفع اليوم ثمن الأخطاء في تخطيط وتنفيذ وإدارة معظم المرافق والمنشآت الموجودة فيها والأمثلة كثيرة من حولنا … فقد يكون وجود معمل للإسمنت ومصفاة للنفط ومحطة لتوليد الكهرباء هو حاجة لا بد منها للتنمية الاقتصادية في البلد ولتوفير فرص عمل للناس، وهذا حق وواجب وضرورة، ولكن ما كان مناسباً قبل ثلاثين او اربعين عاماً قد لا يكون مناسباً اليوم من ناحية التأثيرات والتداعيات والعواقب او الجدوى… فمعمل الإسمنت على سبيل المثال يُحدث اليوم الضرر البالغ بالصحة العامة لأهالي عشرات القرى من حوله نتيجة انبعاثات الغبار الكثيف من مداخنه ومقالعه.. ناهيك عن التراجع المتزايد للجدوى الاقتصادية من استمرارية تشغيله بسبب انتهاء العمر الافتراضي لخطوط الانتاج والآلات وبُعد اماكن استجرار المواد الأولية إليه لتصنيعها.. وهذا واقع يستوجب إعادة النظر فيه إما بنقله او توقيفه او تحديثه أو ايجاد حلول مناسبة تأخذ بالحسبان إبعاد الضرر عن الأهالي بالدرجة الاولى.. والأمر كذلك ينطبق على مصفاة بانياس والمحطة الحرارية لناحية التلوث والانبعاثات الغازية والدخانية التي يستنشقها الناس وتلحق الأذى الصحي بهم..

اما التلوث الصامت والأخطر فهو التلوث الناجم عن مخلفات الصرف الصحي.. حيث لا يزال غالبية الريف الطرطوسي بلا تخديم ويعتمد على الجور الفنية المحفورة بجوار كل منزل.. باستثناء بعض البلدات والقرى التي حظيت بمشاريع صغيرة لمد انابيب التصريف ولكن الى اين؟؟ الى الأنهار والأودية والمجاري المائية الجافة، ولتتراكم هذه المخلفات وتنفذ الى باطن الارض والى المياه الجوفية التي يشرب منها الناس!! او الى الانهار والبحيرات الخالية من اية محطة معالجة إلا على الورق والمخططات او غير المكتملة فنياً..

هذا هو باختصار شديد الواقع البيئي السيئ الذي تعيشه طرطوس يضاف إليه واقع تراكم النفايات الصلبة والذي تضيق به المحافظة ويضيق به معمل المعالجة والذي كان من الافضل عدم إقامته أصلاً في تلك المنطقة المأهولة بالسكان والبحث عن حلول افضل على المستوى البيئي والصحي والجدوى والقيمة التشغيلية لعقود طويلة وليس لعدة سنوات..

التخطيط السليم يؤدي حكماً الى نتائج صحيحة مع هوامش اخطاء بسيطة.. ومع الأسف نتأكد اليوم بأن ما تم التخطيط له لطرطوس منذ عقود لم يكن موفقاً.. ولم يراعي حجم التطور والنمو السكاني في محافظة محدودة المساحة ومرتفعة بالكثافة والنمو السكاني… ويبقى الحل الوحيد اليوم هو بإعادة دراسة الواقع دراسة علمية دقيقة واتخاذ قرارات وخطوات جريئة قد تكون مكلفة مادياً ولكنها بالتأكيد ستنقذ ارواح عشرات الاف من المواطنين من خطر التلوث القاتل الذي لا يرحم… ويبقى الخيار والقرار الأخير بيد حكومتنا والذي سيكشف مدى اهمية المواطن بالنسبة لها وبغض النظر عن أية اعتبارات او حسابات أخرى..

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات