تعطيل مشروع بحثي هام في جامعة طرطوس رغم جدواه الاقتصادية

* بشار محي الدين المحمد

كثيراً ما نسمع وزارة التعليم العالي وإدارات الجامعات تتغنى بالبحث العلمي وتتحدث عن أرقام مالية كبيرة لدعمه، ولكن عندما يجدّ الجد وتأتي الفكرة المناسبة أو البحث ذو الجدوى الاقتصادية، نجد تلك الجهات تتلكأ بالتنفيذ واضعة الحجج غير المنطقية، ولعل مشروع “قادرون” في جامعة طرطوس مثال واضح على ذلك، فالمشروع المذكور يسعى لإنتاج تجهيزات هامة قادرة على تغطية السوق المحلية والخارجية من بعض احتياجاتها من الأجهزة المتطورة، ورفد الاقتصاد الوطني بالقطع الأجنبي، لكن للأسف لا زال هذا المشروع الهام ينتظر موافقة “التعليم العالي” للبدء بتنفيذ أفكاره على أرض الواقع، وهنا نسأل متى تترجم شعارات النهوض بالبحث العلمي وتطبيقاته على أرض الواقع، أم سنستمر في سماع تلك العبارات الإنشائية كقدر محتوم لنا؟!.

فريق أكاديمي مستعد للإنجاز

يقول مدير المشروع الدكتور سعود كدة: إن المشروع انطلق عام 2019 من فكرة علمية يتم تدريسها ضمن منهاج السنة الأولى في الكلية وهي استخدام الطرائق الفيزيائية في فصل المركبات الكيمائية ليبدأ فيما بعد تصنيع أحد أهم الأجهزة في الاستخدامات المخبرية، وهو جهاز الماء المقطر منزوع الشوارد والحمض النووي مع تقنية التحكم عن بعد، ووصف الدكتور “كدة” الجهاز بأنه من الأجهزة التي يتم استيراد مثيله لصالح المخابر في وزارات التعليم العالي والبحث العلمي، والصحة، والتجارة الداخلية وحماية المستهلك، وحتى المخابر الخاصة، مشيراً إلى أن فريق عمل المشروع كان في البداية يضم13 طالباً وطالبة من كليات الفيزياء، والكيمياء، وعلم الأحياء، وتجاوز عددهم الآن الثلاثمائة.

ويضيف: بعد دراسة الأسس العلمية لتصميم الجهاز، وبعد التأكد من صحة التصميم تم تصنيع الأجزاء المختلفة له في ورشات متعددة في طرطوس ودمشق واللاذقية كل حسب الاختصاص، وتجميعها في مخابر كلية العلوم بطرطوس، مع إضافة منظومة التحكم الكهربائي والالكتروني التي صممت داخل الكلية، وبيّن مدير المشروع أن مرحلة التشغيل الأولى أظهرت صحة عمليات التوصيل والتصميم، وبعد انهاء العمل بمرحلة الإكساء الخارجي أخذ الجهاز شكل المنتج النهائي، وجرت مراعاة جودة التصميم وفق قواعد GMP الأوروبية، لافتاً إلى أن هيئة الطاقة الذرية بدمشق الجهاز اختبرت الجهاز عبر إجراء الدراسات الكيمائية والجرثومية وفق شهادات معتمدة على عينات الماء الناتج فكانت كفاءة الجهاز 99,97%.

عراقيل إدارية

وأشار”كدة” إلى أنه جرت مناقشة فكرة الجهاز مع العديد من الجامعات، من بينها جامعة “بريست” في جمهورية بيلاروسيا التي أبدت استعدادها للتعاون مع المشروع في هذا المجال، إلا أنه و-الكلام للدكتور كدة- لم يتم تفعيل الاتفاقية بين وزارة التعليم وجامعة بريست، ولا نعلم ما هو السبب حتى اليوم، وخلال معرض سايوس بدمشق طالبت عدة جامعات بالحصول على نسخ من الجهاز المنتج، وجرى تجهيز العرض المالي والفني، وإرساله إلى وزارة التعليم العالي لمخاطبة الجامعة التي أبدت قبولها للتصميم، إلا أنه لم تصدر أية موافقة لعدم وجود بند قانوني في التعليم العالي يتيح بيع الأجهزة!.

وتابع الدكتور”كدة”: بعد تلك الخطوات قام”مشروع قادرون”بالتعاون مع الشؤون القانونية برئاسة جامعة طرطوس بوضع خطة لإطلاق مشروع بحثي شامل تحت مسمى مركز التطبيق والاستشارات العلمية، وذلك بعد موافقة مجلس كلية العلوم في الجامعة، وبالفعل صدور قرار مجلس الجامعة بإحداث المركز، ورغم مضي أكثر من سبعة أشهر على رفع القرار إلى مجلس التعليم العالي وحتى تاريخ إجراء هذه المقابلة معكم لم تتم الإجابة، حيث تم إعلامنا أنه في مرحلة الدراسة القانونية!، كما حاولنا الحصول على موافقة وزارة التجارة الداخلية على براءة اختراع للجهاز المذكور آنفاً والذي ضاعت أوراقه ما بين أروقة التعليم العالي والتجارة الداخلية دون الحصول عليها وتسجيلها.

وكشف”كدة”أن لديهم مجموعة من الأجهزة الجاهزة للتنفيذ أبرزها: ساحبة الغازات الذكية للاستخدامات المخبرية “لومينار فلو” لاستخدامات الزرع الجرثومي، ومخططات لتصنيع الحمامات المائية، والخلاطات المغناطيسية، وهي أيضاً بانتظار الموافقة على إحداث المركز من قبل وزارة التعليم العالي، وأبدى الدكتور مع فريقه استعدادهم لتصميم أي جهاز وتنفيذه في حال توافر الإمكانات، واستعدادهم لتحقيق عائد يغطي نفقات المشروع مع أرباح.

ترفع التصنيف

ويرى الدكتور”كدة” أن مشروع قادرون يعزز العلاقة بين الطالب والمدرس، ويبتعد عن مفهوم التلقين السائد في العديد من الجامعات والكليات، بل على العكس أصبح الطالب منذ السنة الأولى يشارك في تجارب علمية عملية تفوق مستواه الدراسي وتشجعه على التحصيل بصورة كبيرة، وبتنا نلاحظ تـأخر الطلاب في الخروج من المختبرات حتى الساعة السادسة مساءً نتيجة الشغف الذي أوجدته التجارب العلمية، كما أن المشروع يهدف لتلبية متطلبات القطاعات الصناعية، والإنشائية بالتجهيزات، والاستشارات العلمية، وسيحقق عند الاهتمام به بشكل جدي الاستغناء عن الاستيراد بالكامل وتوفير القطع الأجنبي، وإحداث مركز التصنيع والاستشارات العلمية”مشروع قادرون”سيشكل مؤسسة منتجة بالتعاون مع جميع المنشآت والقطاعات الصناعية في سورية، ومشاركة في عملية التصنيع، كما أن باب استقبال الكوادر لن يكون محدوداً بل سيتم استقبال الراغبين من مختلف الجامعات والهيئات السورية، وهذا من شأنه إدخال جامعة طرطوس في مجال الصناعات العلمية، ورفع التصنيف العالمي للجامعات السورية بعد أن يتم الربط الحقيقي لمفهوم الجامعة والمجتمع.

مخالف لتنظيم الجامعات!!

عندما واجهنا وزارة التعليم العالي بالتساؤلات التي طرحها القائمون على المشروع لجهة عدم التجاوب مع مشروعهم، بيّن مدير الشؤون القانونية أحمد العجيل أن المشروع فكرة جديدة وجميلة، ولكنها لا تتماشى مع ما نص عليه قانون تنظيم الجامعات، مشيراً إلى أن القائمون على المشروع طالبوا بإحداث مركز علمي استناداً إلى فقرة إحداث المراكز العلمية، لكن المشروع ليس مركزاً علمياً رغم إقامة التجارب العلمية ضمنه كونه يهدف لتحويل النتائج إلى منتجات خدمية وصناعية، موضحاً أنه تم عقد لجنة مختصة في الوزارة لدراسة المشروع من كافة جوانبه العلمية والفنية والقانونية، وخلصت اللجنة إلى تحويل هذا المشروع إلى وحدة إنتاجية تابعة لجامعة طرطوس عملاً بأحكام المادة 22 من قانون تنظيم الجامعات والتي تنص على أنه يجوز بموجب مرسوم إحداث منشآت ووحدات إنتاجية جامعية ملحقة بالجامعات والكليات تخدم أغراضها التعليمية، كما فصلت المواد من 182-188 من اللائحة التنفيذية لقانون إحداث الجامعات مواصفات هذه المنشأة، وحسم العجيل نقاشنا له في بقية المحاور قائلاً: قررت اللجنة إعادة المشروع لجامعة طرطوس لموافاة الوزارة برؤيتهم بشكل مفصل وكامل وصريح للبت بالموضوع بشكل نهائي دون الرد على بقية استفساراتنا!.

مشروع ربحي!!

أيضاً لم تختلف وجهة نظر مدير البحث العلمي في جامعة دمشق الدكتور شادي العظمة عما سبق حيث أشاد بفكرة المشروع، لكنه أكد أن هذا مشروع ذو طبيعة ربحية، وهذه المشاريع لا تندرج ضمن وظائف الجامعات كونها مؤسسات علمية، ويمكن تبني مثل تلك المشاريع من قبل الجهات المعنية الأخرى كوزارة الصناعة باعتبار أن المشروع يعني بتصميم وتصنيع أجهزة، وبالتالي يثور الخلاف في الطبيعة القانونية للمشروع لا الطبيعة الفنية أو العلمية.

عود على بدء

إن المشروع يستند للمادة 16 الفقرة ج من قانون تنظيم الجامعات التي تسمح بإنشاء مراكز بحثية تربط الجامعة بالمجتمع، حيث يهدف المشروع لتصميم الأجهزة، وإنتاجها، وتصديرها للمستهلك دون إدخال وسيط (مستثمر) مما يعود على الجامعة، والعاملين فيها بدخل عالي يعزز قدرتهم و قدرة الجامعة في المجال البحثي، وذهب الدكتور سعود كدة إلى أن تعطيل مثل هذه الأفكار سيحول أبحاث الجامعة إلى حبر على ورق لا أكثر، ويعرقل كل غايات البحث العلمي، وللأسف دائماً تحتج وزارة التعليم العالي بعدم وجود مواد قانونية تتيح الجانب الاستثماري في الجامعات، والسؤال هنا حتى وإن صح ذلك لماذا لا يتم إضافة مثل تلك المواد إلى القانون ليتماشى على الأقل مع الواقع الاقتصادي الذي نمر به الآن، وحاجاتنا لتكثيف الإنتاج، وتقليل فاتورة الاستيراد من أجهزة تعتبر هامة للعديد من الجهات والقطاعات.

كما إن إدراج المشروع – والكلام لكدة- تحت بند وحدة إنتاجية تابعة للجامعة سوف يقيده عن عمليات الإنتاج النهائي، والاستثمار فلم يسبق لأية وحدة إنتاجية أن طرحت منتجات سواء في أسواقنا أو في أسواق دول الجوار، وهذا تعطيل غير مبرر للفكرة المبنية على غايات ومبررات رفع السوية العلمية والتطبيقية، والتأهيل الصناعي والأكاديمي، ودعم الاقتصاد الوطني.

بانورما سورية-البعث الاسبوعي

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات