بالتزامن مع فقدان المصادات الحيوية.. الاحتكار والمزاجية بالتسعيرة يربك سوق الأدوية في طرطوس

ما إن بدأنا بالسؤال عن واقع الدواء ومدى توفره حتى علت الأصوات، فالمواطن غير راضٍ  بسبب ارتفاع أسعار الدواء مقارنة بدخله “الخجول” والصيدلي غير راضٍ عن الحال التي وصلت إليها سوق الدواء من فوضى وعشوائية وتخبط ولاسيما لجهة انقطاع زمر دوائية عديدة مترافقة مع خلل في التسعير والبيع، وغياب الفاتورة النظامية من أصحاب المعامل والمستودعات الذين لا يحصلون على كميات كافية من الدواء وبالتالي يسعّرون كما يشاؤون ويسعر الصيدلي كما يريد وسط فوضى عارمة وعدم وجود تسعيرة نظامية من وزارة الصحة التي تتأخر في إصدار نشرة الأسعار عند أي ارتفاع جديد في سعر الصرف…!

تخلوا عن أدويتهم!

غلاء الأسعار نتيجة غياب الرقابة جعل المرضى في حيرة، فمنهم من يؤجل شراء أدويته، ومنهم من يشتري بالظرف والقطعة، وكثيرون يستدينون من الصيدليات، والبعض ألغى أدويته بشكل نهائي تزامنا مع انقطاع العديد من الزمر الدوائية كبعض أدوية القلب ومرضى الأورام والصادات الحيوية والمراهم الدوائية حيث يمضون أياما في البحث من صيدلية إلى أخرى دون نتيجة…!

غياب الفاتورة النظامية

العديد من الصيادلة الذين التقتهم “البعث” أكدوا أن واقع الدواء غير مطمئن و سيء جدا لجهة انقطاع زمر دوائية بشكل كامل، وفي حال وجدت يحصل الصيدلي عليها بسعر حر “دون فاتورة نظامية” من أصحاب المستودعات مثل زمرة /أوغمنتين/، كما أن معظم المراهم الدوائية مقطوعة ولا بديل لها منذ أكثر من شهر مثل فوسيديك أسيد رغم أهميتها الكبيرة للجرحى والعمليات والانتانات، إلى جانب أن الصيدلي لا يستطيع تأمين الصادات الحيوية بشكل عام لا يستطيع كونها مفقودة بنسبة 95 % كـ / ليفوفلوكساكسين/ والسيرومات والسيتامول الوريدي، فالحقن منها غير متوفرة نهائياً رغم أهميتها لمرضى كورونا.

تأمين الدواء بالقطارة!

ويشكو الصيدلي سامر منصور من انقطاع العديد من الزمر الدوائية والخلل بالتسعير، وبيّن أنه يحصل على بعض الزمر الدوائية بالسعر النظامي ولكن بالقطعة / واحدة أو اثنتان/ كل أسبوعين، بينما بالسعر الحر يحصل على ما يريد، كحليب الأطفال علما أن الطفل يحتاج كل ثلاثة أيام إلى علبة، مشيرا إلى الارتفاع الكبير بسعر حليب الأطفال /نان/ فبعد أن كان بـ 8 آلاف قفز سعره وبيوم واحد إلى 12 ألف ليرة للعبوة.

وأضاف: من المفارقات الشديدة أن سعر زمرة الـ /سيفيم 400/ رسميا/ 5600 / ليرة وتباع للصيدليات بسعر حر /6600/ ليرة، والسعر النظامي لـ”وزدناد” صاد حيوي 5200 ليرة ويعرض على الصيدلي بسعر 6200- 7000 ليرة، كما أن سعر الـ /ماكسي سيلين/ كان وما يزال بألفي ليرة، و/ أوغما سيل/ كان سعره 1300 ليرة ليرتفع بشكل فجائي  ويصبح بـ 2600 ليرة، وبعد تلك الزيادة الكبيرة لم يتوفر لأن المعمل خسر كل المخزون، ما يدل على خلل كبير بالتسعير يبدأ من المعمل..!

ونوه منصور أن المنتجات ذات التركيبة النباتية يرتفع سعرها مباشرة من قبل وزارة التجارة الداخلية في حين أن الأدوية التي تسعر من وزارة الصحة تبقى شهر ليعدل سعرها وبالتالي المعمل لا يبيعها بانتظار عدالة الأسعار كي لا يخسر، بينما أصحاب المستودعات يخفون الزمر الدوائية لحين صدور القرار الجديد، متسائلا: لماذا التأخير بإصدار النشرة من قبل وزارة الصحة..؟ موضحا أن معظم المعامل توجهت لإنتاج المكملات الغذائية مثل الفيتامينات والأدوية النباتية على حساب الأدوية الصنعية لتعويض خسارتها.

وتساءل عن عدم تطبيق قرار “إعادة المرتجعات” والذي يسمح للصيدلي أن يعيد للمستودع ثلاث قطع من كل صنف فاقد الصلاحية..؟ لافتا  إلى عدم التزام شركات الضمان الصحي بالدفع للصيدليات وذلك منذ ثمانية أشهر مثل شركة /كير كارد/ وعليه توقف الصيادلة عن صرف الوصفات، مشيرا  إلى إصرار الطبيب على اسم تجاري دون غيره “حسب رضاه عن الشركة” وبالتالي يربك المريض والصيدلي لجهة جهل المريض بالتركيبة العلمية للدواء ما يجعله يبحث عن الموصوف، علما أن الدواء الأصلي والبديل لهما نفس التركيبة الدوائية وهما مرخصان من وزارة الصحة، وفقا للصيدلي منصور.

مرونة لجنة تحديد الأسعار

وبدوره الصيدلي حسان عبد الرحمن أشار إلى غياب الوصفات الطبية التي تتضمن الدواء الأجنبي بسبب تراجع فعاليته إثر سحب التراخيص الأجنبية من أصحاب المعامل نتيجة العقوبات وبات المصنع السوري يجلب مواده الأولية من أي بلد، لافتا إلى أن بيع الدواء بسعر حر مشابه لبيع الأدوية “تهريب”، مقترحا أن تكون لجنة تحديد الأسعار جاهزة فعندما يرتفع سعر الصرف تكون جاهزة ومرنة وبالتالي لا تسمح بالاحتكار.

غياب البديل يعزز “المهرب”

العديد من الصيادلة أشادوا بفعالية الدواء السوري، مشيرين إلى انخفاض جود الأدوية الأجنبية المهربة بسبب سعرها المرتفع مقارنة مع المنتج السوري وانعدام درجة أمانها، مبينين أنه يوجد تهريب للزمر المفقودة بالكامل مثل أدوية السرطان، لافتين إلى أن محاربة الدواء المهرب تبدأ من الطبيب الذي يصفها، وأشاروا إلى أن وجود الدواء المهرب نتيجة غياب المشابه السوري له مثل حقن / أوميبرازول/ سعر الإبرة 8 آلاف ليرة والمنتج السوري غير متوفر منذ أكثر من شهر..! كما إن زمرة فنتوئين /مضاد صرع/ و/ كارباتيك/ مضاد اختلاجات مفقودتان مع كل بدائلهما، وبذلك يلجأ المري لتأمينهما بشراء الأصناف الأجنبية أو بالسعر الحر..!

وشكا الصيادلة من موضوع ” التحميل على الأدوية” رغم وجود قرارات نقابية تمنعه، فرغم القطع القليلة جدا والتي لا تلبي الغرض يجبر الصيدلي بتحميل زمر دوائية كاسدة أو قريبة انتهاء الصلاحية مثل زمرة /فولتابين/ وكراتين من التاتش “المعقم” ومعقمات بوفيدون أو واقيات شمسية، منوهين إلى وجود أصناف نوعية مثل أدوية الصرع التي لا غنى للمريض عنها ولو اشتراها بسعر حر، وليحصل الصيدلي على قطعة منها يجب أن تكون طلبيته فوق الـ /100/ ألف ليرة.

ويرفض الصيادلة الدخول بالسوق السوداء التي انتشرت عند أصحاب المستودعات، ولفتوا إلى أن الوضع إن بقي على ما هو عليه الآن من تخبط وعشوائية بالتسعير فإن كل صيدلي سيبيع بشكل حر أو سيعتزل العمل وستفقد المهنة أخلاقياتها، وطالبوا بتمويل المعامل بالسعر الحقيقي للدولار ليبيع الصيادلة بشكل نظامي، والتدخل السريع من قبل وزارة الصحة للضغط على أصحاب المعامل وأصحاب المستودعات لتمنع الاحتكار.

البعث” تواصلت مع بعض أصحاب المستودعات، وتبين أن المعامل لا ترسل الأدوية للمستودعات، وأن تسعير الدواء حاليا على سعر صرف 1250 ليرة، وأصحاب المعامل بدورهم لا يبيعوا بسعر الصرف القديم حتى لا يقعوا بخسارة، وأن الحل يبدأ من الوزارة والمعمل، فإما أن يوقف المعمل أو يبيع بسعر حر فلا خيار ثالث…!

صعوبات الصناعة الدوائية

زيادة كلف المنتجات الدوائية أدى بحسب عضو المكتب التنفيذي المختص بمحافظة طرطوس والصناعي جورج حنا إلى عدم استقرار واقع الدواء بسورية عموما، إضافة إلى زيادة كلف المادة الخارجية من كرتون وعبوات، كذلك زيادة أجور العمال وارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء وزيادة كلفة الشحن، حيث كانت كلفة الحاوية من الصين ثلاثة ملايين ليرة واليوم خمسين مليون ليرة. ولفت حنا إلى صدور قرار منذ ثلاث سنوات بإيقاف صناعة المتممات الغذائية ولم يعدل، مشيراً إلى الروتين الذي يعطل العمل لجهة نقل البضاعة من محافظة لأخرى .

 وفي إطار الحلول الممكنة اقترح الصناعي حنا إعادة دراسة الكلف بشكل منطقي بدءا بالمادة الأولية والأجور مرورا بكلف الإنتاج  إلى نفقات النقل وأجول العمال التي ارتفعت اليوم لتصل إلى 300 ألف ليرة، وإعادة فتح صناعة المتممات والسماح بالتصدير الجزئي لحدود 20-30 % لتغطي المعامل جزءا من خسارتها.

غير جيد 

رئيس فرع نقابة صيادلة طرطوس الدكتور حسام أحمد وفي حديثه لـ “البعث” بين أن وضع الدواء غير جيد وغير مطمئن في حال طالت أزمة فقدان العديد من الزمر الدوائية، وإن النسبة التي يغطيها الدواء السوري في السوق المحلية نسبة ممتازة حيث يغطي حوالي 80 % من الاحتياج، ونسبة الفقد تتجاوز الـ 50% من الزمر الدوائية الرئيسية كالصادات الحيوية وأدوية الأمراض المزمنة، أما حاجة المحافظة الفعلية من الدواء فأشار أحمد إلى عدم القدرة على تقديرها بدقة لأن الأدوية توزع للمراكز الصحية إضافة إلى وجود مستودعات من خارج المحافظة تقوم بالبيع ضن طرطوس كحمص وحماه واللاذقية.

وعزا أسباب ارتفاع أسعار الأدوية وانقطاع العديد من الزمر الدوائية إلى ارتفاع أسعار الدواء عالميا عدة أضعاف كمادة أولية وتحديدا بعد أزمة كورونا، علاوة على قانون قيصر الذي يعوق إرسال الحوالات المالية إلى بلد المنشأ إلا عبر وسطاء، وارتفاع تكاليف التعليب والتغليف والطباعة والشحن والفيول المشغل للمعامل وارتفاع تكاليف حوامل الطاقة من كهرباء ومازوت ووسائل النقل الخاصة بالشحن إلى المحافظات.

 وأوضح أحمد أن أسباب عدم توفر الدواء بسعر نظامي هو الشح الحاصل في الكمية المنتجة والفرق بين تكلفتها وقيمتها المسعرة وزيادة الطلب للمنتج بسبب الجائحة، وأشار إلى أن قرار “إعادة المرتجعات” لم ينفذ لصالح الصيدلي باستثناء قلة من المعامل التزمت بالقرار ولفترة قصيرة وبكمية محدودة جدا من القطع الدوائية، مؤكدا أن بعض شركات الضمان الصحي لم تدفع للصيادلة القيم المادية للمصروفات الدوائية منذ حوالي ثمانية أشهر، وأن النقابة تقوم ببعض المطالبات لبعض الشركات لكن يوجد تأخر بالاستجابة، مبينا أن مشكلة تحميل الأصناف الدوائية مشكلة كبيرة يعاني منها الصيادلة، حيث أن الأدوية المحملة غير الصالحة للبيع تفوق قيمتها قيمة ربح الصيدلي على مدار العام. وأردف: تحاول الوزارة التوفيق بين القدرة الشرائية للمواطن والتكلفة على الصناعي ليستمر بصناعته، وهنا تكمن الهوة الكبرى والتي تحتاج إلى عدة إجراءات وبإشراك عدة جهات لحل هذه المعضلة المعقدة، ولا دور للنقابة بتسعير وتوفر الدواء. وبين رئيس الفرع  أن عملية الرقابة على الصيدليات والمستودعات مستمرة وهناك جولات مشتركة بين النقابة ومديرية الصحة، وهناك العديد من الضبوط والمخالفات تم اتخاذها من خلال متابعة الفواتير والكميات التي يشتريها المستودع مع مراقبة الفواتير الصادرة وكمية الحصص الموزعة على الصيادلة الذين وصل عددهم في المحافظة إلى / 3000/ صيدلي وصيدلانية.

دارين حسن

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات