هل نتعلم من دروس الحرب ؟ دعوات لتشكيل لجنة من نظيفي الكف للكشف عن الفساد واستقطاب الكفاءات والخبرات السورية المهاجرة

دمشق – غسان فطوم

قرابة الـ 11 عاماً مرت من عمر الحرب على سورية تجرّع خلالها المواطن السوري وما يزال مرّ المعاناة، وإذا آمنا بأن الحصار الاقتصادي والعقوبات تتحمل جزءاً من المسؤولية، لكن لا يمكن أن نغض الطرف عن الأداء الكلاسيكي العقيم للحكومات المتعاقبة وتحميلها جزءاً كبيراً من المسؤولية عن الأذى الذي تسبب في المعاناة وانحدار الوضع الاقتصادي والمعيشي إلى الحال الذي نحن عليه الآن، فالوقائع تشير إلى أنها (الحكومات) لم تنجح في تطويق الأزمات، أو إدارتها بالشكل المطلوب!.

أسئلة ساخنة!

أمام هذا الواقع الصعب الذي تاهت فيه بوصلة الحلول، وكثرت فيه الوعود والشعارات ثمة أسئلة تطرح نفسها منها: كيف كان يمكن إدارة ملفات الأزمة؟، لماذا غابت الحلول لجهة الإجراءات التي تسيطر على الخسائر في كل المجالات؟، ما هو المطلوب في المرحلة المقبلة لتطويق الأزمات والتعلم من الدروس القاسية؟.

غياب الحلول الإبداعية!

في علم إدارة الأزمات ومواجهتها هناك قاعدة تقول “عليك أن تكون مستعداً لما قد لا يحدث والتعامل مع ما حدث” وإذا ما نظرنا على سبيل المثال إلى الملف المعيشي نجد أن المعالجة لم تكن مرضية، بل محبطة، وبرأي الدكتور المهندس سليمان محمود أن الحكومات المتعاقبة تعثرت في إدارة ملف المواد المعيشية وتأمين متطلبات الناس، فمن وجهة نظره “كان يجب أن يدار بطريقة صحيحة .. لا أن تُترك الإدارة للتجار الذين تفننوا في رفع الأسعار والاحتكار للمواد الغذائية دون حسيب أو رقيب!”.

وحمّل الدكتور”محمود” غياب الحلول الإبداعية للأزمات المتتالية لأسباب كثيرة، أولها، غياب الآلية الصحيحة في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب وتفشي المحسوبيات والفساد الذي ينمو بشكل متسارع ومن دون خجل، وكذلك الإهمال في العمل الوظيفي وعدم توفر فن الإدارة الحديث لدى البعض في مفاصل القرار، حيث اكتفوا بالطرق الروتينية المتكررة في حل بعض القضايا المجتمعية دون توفر إرادة مخلصة لبعض الإداريين وما أكثرهم !!

المطلوب أشياء كثيرة!

ورغم كل آلام المعاناة يبدي الدكتور “محمود” تفاؤله بالمستقبل، مطالباً بتشكيل لجنة كبيرة من نظيفي الكف لمحاربة الفساد مرتبطة بأعلى مستوى في الدولة، مهمتها الكشف عن مواطن الفساد وتحويل الفاسدين إلى المحاكم الاقتصادية المختصة (بالمناسبة هذا مطلب جماعي لكل السوريين بعد أن ساد الفساد)، ولفت إلى أهمية تنظيف القضاء من الفاسدين ودعمه ماديا وإعطاءه سلطة مطلقة، وتعزيز دور السلطة التشريعية كدور مصوب لعمل الحكومة . وتكريس ثقافة طلب رفع الثقة عن وزير ما أو عن  الوزراء كافة، وعدم الاكتفاء بإعفاء المسؤول من منصبه إذا ثبت عليه الفساد وإنما محاسبته بأشد العقوبات والإعلان عن مظاهر فساده عبر وسائل الإعلام الوطنية، ونوه الدكتور سليمان إلى أهمية أن نرتقي بالتعليم بشقيه التربوي والعالي، معتبراً أن مرحلة إعادة الإعمار فرصة لذلك وتطوير التعليم وخاصة لجهة تحديث المناهج هو داعم أساسي في نجاح الاعمار، مع التأكيد على تحويل مادة التربية الدينية إلى مادة تربية أخلاقية.

 

لم تعد قادرة على التحمل!

يشعر السوريون اليوم بالثمن الباهظ لنفقات الحرب المدمرة الذي أدى في النهاية إلى أزمة اقتصادية خانقة، وهي أزمة مركبة تعود أسبابها برأي الدكتور شاهر الشاهر أستاذ العلوم السياسية إلى غياب المعالجات الصحيحة والإجراءات المناسبة، مما أدى لبروز الفساد بشقيه الإداري والمالي الذي لم تعد البلد قادرة على تحمله وتجاهل وجوده، موضحاً أن أسباب الأزمة الاقتصادية التي استمرت على مدار السنوات العشر الماضية وما زالت يعود إلى السياسات النقدية غير المفهومة والتي أدت إلى ضياع قسم كبير من احتياطي الدولة من العملة الصعبة عبر سياسات “الضخ” والعلاقة غير “الشرعية” التي كانت قائمة بين المصرف المركزي وشركات الصرافة، بالإضافة إلى ضياع مبالغ كبيرة على خزينة الدولة نتيجة لوجود المعابر غير الشرعية، إضافة للتهرب الضريبي الناتج عن هفوات قانونية معينة، أو بسبب فساد الرقابة وعدم وجود قانون عادل للضريبة ما جعل التكليف الضريبي قائم بشكل أساس على ذوي الدخل المحدود الذين بدؤوا يعيشون الفقر، وبيّن الشاهر أن أزمة فيروس كورونا زادت الطين بلة، كونها ترافقت بمستوى معين من الركود الاقتصادي نظراً لتراجع مستوى الإنتاج، فازدادت النفقات وارتفع مستوى الأسعار في ظل غياب الرقابة وعجز وتقصير حكومي لم يعد مبرراً، وبرأي الدكتور الشاهر أنه بات لزاماً على الحكومة أن تبتعد عن الجزئيات الصغيرة، فالعمل الحكومي أعم وأشمل، مؤكداً على ضرورة أن تعتمد التخطيط الاستراتيجي الذي يعني الإجابة بدقه على ثلاثة أسئلة: ما الذي نريد الوصول إليه؟ ما هي الآليات الواقعية والعقلانية المتاحة بين أيدينا والتي تسمح بذلك؟ وما هو المدى الزمني المناسب لتحقيق ذلك؟، مشيراً إلى وجود تحديات كبرى قادمة واستحقاقات هامة تحتاج لإدارة قوية وحكيمة ومبدعة.

التشخيص كان ضعيفاً!

إن حل أي مشكلة ومواجهتها  يعتمد على القدرة على تشخيصها بالشكل الدقيق وهذا يتطلب توفر أجهزة مؤهلة جيداً، وخبراء  يفقهون في استخدام هذه الأجهزة، وعلى نتائج رؤيتها تتم المعالجة، هنا يرى الباحث والمحلل الاقتصادي والسياسي نبيل نوفل أن تشخيص الجهات المعنية للأزمات التي تعرضنا لها خلال السنوات الماضية كان ضعيفاً، لأنها افتقدت الأدوات المناسبة للمواجهة لجهة تحديد الأسباب وطرق العلاج والاستفادة من الأخطاء، بمعنى لم تستطع الجهات التنفيذية إبداع حلولاً ناجعة، بل بقي التفكير التقليدي والمعالجة النمطية هي السائدة وهذه نقطة ضعف استغلها أعداء سورية في محاولة منهم لزيادة الشرخ بين الشعب وحكومته وإظهارها بالعاجزة عن مواجهة الأزمات المتلاحقة!، متسائلاً: لدينا جيش من الكفاءات الإدارية التي تم تأهيلها في المعاهد العليا للإدارة في سورية لماذا لا يتم استثمار طاقاتها، في إبداع حلول جديدة لمشاكلنا، علماً أنه تم تأهيلهم لهذه الغاية؟.

ويضيف نوفل: للأسف كانت هناك قرارات تخدم التجار والسماسرة وليس المواطن الصامد، لذا أقولها بصراحة أن المعنيين تعثروا في تحديد الأولويات ووصف الدواء من خلال  إدارة الظهر لمشاكل الناس الحقيقية بتجريب حلول غير ناجعة رغم توفر الإمكانات، لكن للأسف افتقدنا الإدارة الناجحة للمشكلات بمختلف أنواعها!.

ورداً على سؤال حول ما هو المطلوب للمواجهة وتجاوز الأزمة وبناء سورية القوية، أكد نوفل أن المهمة العظمى اليوم  أمام  أصحاب القرار هي معالجة الأمن الغذائي والاقتصادي، ومحاسبة الفاسدين، وبرأيه كان من المفروض أن تعمل الحكومة مع بداية فرض العقوبات وتشديد الحصار على إطلاق إستراتيجية الاعتماد على الذات لمواجهة الحصار الاقتصادي الغربي، وتخفيف معاناة المواطنين في الحصول على احتياجاتهم الأساسية، وتحقيق انفتاح اقتصادي جديد لتشجيع الاستثمار المشترك بين القطاعين العام والخاص، مقابل إجراءات صارمة تمنع التعامل بالعملات الأجنبية. وبرأي الباحث نوفل أن الاستمرار في تلبية حاجات المجتمع يتطلب: تعزيز دور القطاع العام  في قيادة الاقتصاد الوطني ، و(هذه مهمة وطنية، وقومية ،وأخلاقية، وإستراتيجية، لابد من تنفيذها)، واستنفار كل الطاقات لإنجاحها، لا سيما لجهة إصدار التشريعات التي تعطي المرونة والعمل بأريحية.

لا نتعلم من الخطأ!

ويؤكد نوفل أن الحرب قدمت لنا دروساً وعبر المفروض أن نتعلم منها حتى لا نقع بالخطأ مرتين، مشدداً على ضرورة تشكيل خلايا للأزمات في كل قطاع لتكون جاهزة للتصدي لآثار أي مشكلة تعترضنا حاضراً ومستقبلاً، مشيراً إلى أن المشكلات الزراعية (على سبيل المثال) كان بالإمكان تطويقها لو نُفذت الخطط والمشاريع التنموية أيام ما كنا نعيش في بحبوحة اقتصادية، فاليوم يعيش البلد في ظل أزمة اقتصادية صعبة لأننا لم نحسن استخدام الأساليب الحديثة للزراعة، وتربية الثروة الحيوانية التي تتناقص أعدادها بشكل مخيف!.

وطالب الباحث الاقتصادي وزارة الزراعة واتحاد الفلاحين بتطوير أساليب الإنتاج الزراعي وزيادته كماً ونوعاً من أجل توفير المواد الأولية للصناعة ورأس المال اللازم لعملية التنمية، فالزراعة هي قضية أمن وطني لذا المفروض أن تعمل الجهات المعنية وخاصة وزارة الزراعة على قدم وساق لتأمين احتياجات المحاصيل الزراعية الإستراتيجية كالقمح والزيتون وباقي المحاصيل الأخرى بأسعار مناسبة للمزارعين وحتى احتياجات مربي الثروة الحيوانية.

غياب الشفافية!

ويستغرب المهندس أكرم الخضر كيف كان يتم تعليق الإخفاقات على شماعة الأزمة، “كنا ننتظر حلولاً لمشكلات مزمنة، لكن للأسف استمر الأداء النمطي الرتيب، علماً أن هناك متطلبات إمكانات كانت متوفرة وبمتناول أصحاب القرار لجهة تأمينها، لكن لم يتعاملوا معها كما يجب!”.

ويرى حاتم خليل طالب /حقوق/ أننا افتقدنا خلال سنوات الحرب الماضية إلى القرار الجريء بالاعتراف بإخفاقاتنا وأخطائنا التي كان من المفيد أن نتعلم منها، مضيفاً، ليس مقبولاً أن نتعثر بالمطب مرات عديدة ونسوق الحجج للتبرير لخطط عشوائية خلفت لنا الكوارث!، فيما قال زميله أحمد إسماعيل نحن نريد أن تترجم الملفات الإصلاحية والتنموية والتطويرية والاجتماعية بشكل عملي على الأرض، كفانا وعوداً بالإصلاح لم يتحقق منها إلا القليل!.

أرقام مخيفة!

تشير الأرقام التي كشفت عنها الحكومة بأن التقديرات الأولية تشير إلى أن كلفة الأضرار التي لحقت بمؤسسات الدولة تجاوزت 45 ألف مليار ليرة سورية (87 مليار دولار)، حيث تعرض أكثر من 28 ألف مبنى حكومي للضرر ونحو 188 معملا وشركة صناعية حكومية للتدمير الكلي أو الجزئي، كما تعرضت 15 محطة توليد كهربائية للتدمير الكلي و10 محطات للتدمير الجزئي من بين 39 محطة كانت موجودة قبل بدء الأزمة، وتضرر أكثر من ألف موقع وبناء نفطي منذ بداية الأزمة، عدا عن تعرض القطاع الزراعي الذي حقق على مدار العقود السابقة اكتفاء ذاتياً لضرر كبير نتيجة لتخريب المساحات المزروعة وحرقها وتهريب إنتاجها إلى الخارج.

بالمختصر، كان بالإمكان أفضل مما كان، ولعل أهم ما غاب خلال سنوات الحرب الماضية في تعامل الحكومة مع المواطن هو الشفافية والوضوح، للأسف كل شيء كان غامضاً على مختلف الصعد، لهذا كانت القرارات المتعلقة بحياة المواطن وقضايا الوطن تأتي كالضربة على الرأس يحتاج لوقت طويل للشفاء منها، حكومتنا اليوم وفي المستقبل بحاجة دائمة لأفكار جديدة تتناسب مع حيثيات الظروف الراهنة التي تتطلب فناً إدارياً حديثاً انطلاقاً من قاعدة بقاء الحال من المحال!.

مجلة البعث الأسبوعية

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات