تخطى إلى المحتوى

الشرق الأوسط.. نظرة جيوسياسية…

* باسل علي الخطيب:

من نافلة القول أن كل دول المنطقة تعاني قلقاً يصل حدود الأزمات الوجودية، هذا لأنها كلها وحتى تاريخه لم تنجح في تحقيق مفهوم الوطن- الدولة….
مازالت كل دول المنطقة تتخبط في محاولة تعريف نفسها، ولم تصل إلى تحقيق تعريف نهائي وحاسم لمفهوم الهوية الوطنية.

تعاني تركيا من أزمة القوميتين والهويتين والثقافتين، لا هي قادرة على الإنعتاق من الشرق، وليس مسموحاً لها الإلتحاق بالغرب، تعيش تركيا صراعاً بين إرث عثماني تعتمد عليه في طموحاتها الجيوسياسية، لذا لاتستطيع التخلي عنه، وقومية تركية شرسة تحتاج هذا الإرث العثماني لتحقيق المطامع الجيوسياسية، ولكنها لا تريده عاملاً حاسماً في تحديد الهوية الوطنية التركية.

العراق عاد إلى ماقبل الدولة، وتحول إلى بلد مرجعيات، ويمكن أن تنفلت الأمور فيه في أي لحظة، العراق أشبه بطائر كبير له ثلاث أجنحة، دائماً هناك جناح ما يعيق بقية الأجنحة عن العمل والطيران. نظام المحاصصة الطائفية المقيت في العراق أسقط الدولة المركزية، وحوَّل العراق إلى ساحة لكل أشكال التدخلات، ودمر الهوية الوطنية….

الأمر ذاته ينطبق على لبنان، مع وجود انقسام أكبر على مساحة أصغر، مما يجعل من أي مشكلة صغيرة فيه خطراً يتهدد الكيان، ولكن هناك فارق جوهري بين لبنان والعراق، هو وجود ضابط ايقاع قوي جداً في لبنان هو حزب الله قادر على منع الأمور من الانفلات.وإن كان ضابط الايقاع هذا، وفي حال شنت إسرائيل عدواناـ على لبنان، سيتكالب عليه أعداء الداخل، الذين يتربصون به، ويسنون اسلحتهم، وقد يتم جر الحزب إلى حرب داخلية طويلة…..

تتمسك سوريا بمفهوم العروبة كمفهوم جامع لكل فئات المجتمع السوري، ولكن العروبة تائهة الآن بين مفهوم قومي قد تم استهلاكه، ومفهوم ثقافي لم تتضح معالمه بعد…..
عدا عن ذلك دمرت هذه الحرب الكثير من مسلمات المجتمع السوري، وصار هناك ثقافة: هم ونحن.
تضف إلى ذلك تقاسي سوريا صراعاً وجودياً مع ثلاثة أعداء، الكيان الصهيوني والإرث العثماني والأخوان المسلمين، ولم تجد سوريا في خضم هذه الصراعات الوقت الكافي والطريقة المناسبة لإنجاز تعريف نهائي لهويتها الوطنية.

تقوم الدولة في إيران على مفهوم ديني مذهبي بحت، والتاريخ علَّمنا أن الدول الدينية لاتدوم، بل إن الدولة الدينية تكون في النهاية وبالاً على الدولة وعلى الدين ذاته. تعتمد إيران التمدد المذهبي وسيلة لتحقيق طموحاتها الجيوسياسي، وقد حققت عبر ذلك الكثير من النجاحات، لكن الأساس المذهبي المتشدد ليس كافياً لإنجاز دولة تدوم، ودليل ذلك الانقسام العمودي الذي تعانيه إيران….
تحتاج إيران في مرحلة ما إلى إعادة تعريف نفسها، والتخلص من جلباب الثورة، مع الأخذ بعين الاعتبار النجاحات المرحلية الكبيرة على كل المستويات لتلك الدولة الدينية….
تشبه إيران من حيث النهوض العلمي والعسكري والصناعي ألمانيا في ثلاثينات القرن الماضي، و ايران وبعد أن أنجزت بناء الكيان الصلب للدولة، حان الوقت لتكون أقل تشدداً على المستوى الداخلي، أن تخرج من النظرة الايديولوحية البحتة للامور، حتى لاتقع في خطأ ألمانيا القرن الماضي، والذي أدى إلى دمارها…..

الأردن هو فائض جغرافيا يمكن أن يستوعب أي فائض ديموغرافيا، الدولة في الاردن ليست دولة بقدر ماهي كيان قابل لإعادة التدوير في اللحظة الجيوسياسية المناسبة، عدا عن ذلك الاردن هو الدولة الوحيدة في المنطقة التي يمتلك فيها الأخوان المسلمون كتلة وازنة فيما يسمى البرلمان هناك، وهذا لوحده كاف لإعاقة ترسيخ مفهوم الدولة.

في مصر يبقى الجيش نعمة مصر ونقمتها في آن واحد، الدولة في مصر تعتمد جداً على الجيش في مختلف المجالات، وهذا يجعل الجيش دولة ضمن الدولة في مصر، مما يعيق تكريس الطابع المدني للدولة، مع أن مصر هي أقرب بلدان المنطقة العربية إلى مفهوم الدولة، بسبب عراقة هذا المفهوم لديها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن اتفاقية كامب ديفيد قد ضعضعت الهوية الوطنية المصرية، وحجمت من دور مصر الدولة في محيطها الجيوسياسي القريب والبعيد. وهذا جعل مصر تدخل في مرحلة التيه الاستراتيجي، والدليل موقفها من سوريا ومن الحرب على سوريا، الطبقة الحاكمة في مصر خلال العشرية الاخيرة، أسقطت من حساباتها المدى الحيوي والفضاء الجيوسياسي للدولة المصرية، والذي كان لأزمة ثابتة طوال تاريخ الدولة المصرية، وللمفارقة، قد تكون مصر أكثر دول المنطقة المرشحة للانهيار، بسبب الوضع الاقتصادي المتردي جداً، وبسبب الانفجار السكاني…

لايوجد أساس تقوم عليه الدولة في كل مشيخات الخليج إلا العائلة الحاكمة، كيانات ومشيخات الخليج تمتلك كل مقومات الإبهار البصري ولكنها تفتقد أدنى مقومات الدولة، حاولت السعودية تعويض هذا النقص باعتماد المذهب الوهابي أساسا” جامعا”، ولكن المذهب وكل مخرجاته قد تم استهلاكها إلى الحدود القصوى، والأساس الذي كان قائماً على أساسه تداول السلطة ضمن العائلة الحاكمة قد تصدع إلى غير رجعة.

حاولت كل مشيخات الخليج ترسيخ مفهوم المواطنة عبر تحقيق الرخاء المادي لمواطنيها اعتماداً على العائدات الهائلة للنفط والغاز، من دون أن يكون ذلك مدعوماً بسياسات اقتصادية تفضي إلى وجود قاعدة صناعية وعلمية، وعدم وجود نهج فكري وثقافي يعرف الشخصية الوطنية، والتي انحصرت في الكوفية والعقال وساعة الرولكس وسيارة اللكزس، مما يجعل مفهوم المواطنة وبالتالي الدولة هشاً وقابلاً للانهيار حالما تنخفض عوائد النفط والغاز.
تحاول السعودية ومنذ صعود نجم محمد بن سلمان إعادة تعريف نفسها، عبر إعادة صياغة اخلاقيات المجتمع، هذا التحول الصارخ السريع من أقصى التشدد إلى أقصى الانحلال سيكون له تداعياته الخطيرة، السعودية تنحو نحو ثقافة الليبرالية المتوحشة بكل مافيها من انحلالية، في محاولة لإعادة تكريس مفهوم جديد للحكم…..

اليمن يعيش مخاضاً رهيباً، وقد تكون مخرجات هذا المخاض تحولاً تاريخياً في حال استطاع اليمنيون تحقيق الانتصار على العدوان السعودي، إذ سيؤدي ذلك إلى انتقال مركز القرار اليمني ولأول مرة في التاريخ الحديث من الرياض إلى صنعاء وبشكل نهائي، وهذا سيكون مدماك أساسي في ترسيخ الدولة في اليمن، وإن كان اليمن بسبب ما عليه من سطوة المفهوم القبلي سيبقى بعيداً جداً عن مفهوم الدولة الحقيقي.

يجب أن لانغفل في هذا السياق أن أغلب دول المنطقة هي كيانات وظيفية، الكيان الوهابي أنشأ في سياق تحضير الأرضية لإنشاء الكيان الصهيوني، وكانت وظيفة الكيان الوهابي طوال تاريخه المحافظة على الكيان الصهيوني، وهذا ما فعله بإتقان. كل مشيخات الخليج أنشأت حيث وجد بئر نفط، وهي ليست أكثر من أرصدة بنكية هائلة جاهزة دائماً للتمويل حيث يطلب الأمريكان وفي كل المجالات.

الصفة الوظيفية تنطبق بامتياز على الكيانين اللبناني والأردني، مع محاولة بعض لبنان التحرى من هذه الصفة…

يمكن تقسيم بلدان المنطقة إلى ثلاث مستويات، الدول الكبيرة، وأقصد بها إيران وتركيا والسعودية ومصر ، الدول المتوسطة وهي سوريا والعراق واليمن، والدول الصغيرة، وهي بقية الدول. المفارقة أن حروباً طاحنة دارت رحاها في العشرية الأخيرة على أراضي الدول المتوسطة فقط، وهي الدول التي يمكنها أن تكون واسطة العقد في حل مشاكل المنطقة، وكل منها، أقصد سوريا والعراق واليمن يقع على حدود دولة كبيرة سعت لكي لاتنهض جارتها حتى لاتلحق بمصافها، لأن ذلك يحد من الطموحات الجيوسياسية للدولة الكبيرة، مع عدم إغفال في هذا السياق الدور السلبي لمصر في السودان، وما آلت الأمور من تشظي وفوضى، على فكرة لايجب إغفال العاملين الأمريكي والصهيوني في كل الحروب التي ذكرناها أعلاه، ولكن هذا موضوع مقال آخر.

تحتاج المنطقة إلى ضابط إيقاع، وضابط الإيقاع هذا لايستطيع أن يكونه الأمريكان، فالأمريكان لايحلون الأزمات التي سبق وخلقها كلها الانكليز، الولايات المتحدة بارعة في إدارة الأزمات وليس في حلها، عدا عن ذلك هي تنسحب من المنطقة، ضابط الإيقاع هذا يمكن أن يكون روسيا، ليس صدفة هذا الحضور القوي لروسيا في الفترة الأخيرة، روسيا تمتلك علاقته جيدة إلى ممتازة مع كل دول المنطقة، وهذا مالم تكن تمتلكه الولايات المتحدة، هل ستنجح روسيا في لجم بركان البارود في المنطقة؟……

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات