تخطى إلى المحتوى

الوضع الاقتصادي للأسرة الريفية ماضياً وحاضراً..!

*عبد اللطيف عباس شعبان
استصلحت الأسر الريفية أراضيها الزراعية يدوياً منذ مئات السنين، ولعقود مضت تمارس الزراعة وتربية الدجاج وأنواع من الأبقار والماشية، وكانت معظم الأسر تعيش في بيت من الحجر والطين والخشب يجمعها تحت سقف واحد مع مواشيها ودجاجها ومؤونتها (ومع ذلك لم يكن البعوض معروفا في تلك الأيام، وقد نشأت وترعرعت في هكذا أسرة وبيت حتى تخرجي من الجامعة عام 1971 )، وكانت الأسرة تنتج أكثر من نوع من الحبوب والثمار والخضار واللحوم والبيض، وتستهلك غذاءها اليومي من إنتاجها، وكان أغلب اللحم الذي تستهلكه في المناسبات والأعياد من دجاجها ومواشيها، وكان لدى كل أسرة حيوانات حراثة ومحاريث يدوية من صنعها، والأبقار التي تدر الحليب واللحم هي التي تجر المحراث الممسوك بيد الفلاح – إلى جانب اعتماد البعض الآخر على الحيوانات الخيلية – وزوجة رب الأسرة تمشي إلى جانب زوجها الفلاح في الحقل لتحفر بفأسها كل مكان لا يمكن حراثته بالمحراث، وتنظف الأرض من الحجارة، وهو يقول لها “لا تتركي أي حجر فكل “شقيف” تحتها رغيف” (الشقيف باللغة العامية هي الحجر الصغير زنة 1 – 5 كغ، أي ينبت مكانها حبوب تعادل رغيف خبز)، وكانت الأسر تُخزِّن ما يلزمها من حبوب للزراعة وعلف لحيواناتها من موسمها بالذات، وتُخزِّن الحبوب اللازمة لطحينها وبرغلها من موسم إلى موسم، فالطواحين النارية والهوائية واليدوية كانت منتشرة في الريف، وكان لدى كل أسرة أو مجموعة أسر تنوراً أو صاجاً يمكِّنها من تحضير الخبز اليومي الطري النظيف الشهي متى أرادت ذلك، وكانت بغنى عن شراء العلف الحيواني أو السماد الكيماوي، فكانت تُغذِي حيواناتها من إنتاجها الزراعي المخصَّص لعلف الحيوانات، مع اعتمادها على رعي الأعشاب الموسمية في حقولها المتروكة للراحة وأراضي البور والحراجية، وتُسمِّد أرضها الزراعية بالسماد العضوي المتوفر لديها من روث مقتنياتها الحيوانية، وكان تسوُّق الأسر فيما بينها يتم بالمقايضة، فأسرة تعطي نوع من الحبوب لأخرى مقابل نوع آخر كيلا أو وزنا، وتبيع فائض إنتاجها الزراعي والحيواني، من حبوب وفواكه وخضار وحليب وحيوانات حية من الدجاج والمواشي، للتجار الجوالين أو تنقله إلى المدينة على الدواب وسيراً على الأقدام، وكان تسوُّق الريفيين من المدينة، يتم لمرات قليلة في العام لا في الشهر، ويقتصر على حاجات محدودة ومعدودة.

لكن العقود الأخيرة شهدت انصراف أفراد كثير من الأسر الريفية للعمل الوظيفي والتجاري والمهني والخدمي، رافقه هجرة كبيرة من الريف إلى المدينة، ما تسبب قي هجران الكثير من الأراضي الزراعية، وخاصة في القرى الجبلية، ولم تعد مؤونة حب الطحين قائمة، والطواحين الريفية توقفت منذ عقود وأصبحت مصنفة مع الآثار، والطحين الموجود في السوق عالي الثمن، فالأفران قضت على التنور والصاج، ولم يعد بمقدور كثير من الأسر تخزين مؤونتها من الحبوب يما في ذلك البرغل، والأسرة تنتظر يومياً الحصول على خبزها من المخابز والذي تشكو أحيانا من سوء صنعه، وتم عزوف الكثيرين عن اقتناء الثروة الحيوانية لأسباب صحية أو بيئية، ما تسبب في انخفاض الإنتاج الزراعي والحيواني قياساً بتزايد عدد السكان، وارتفعت أسعار جميع المنتجات الزراعية والحيوانية بشكل متتابع، بسبب ارتفاع كلفة مستلزمات الإنتاج، ما أدى إلى تحسس الكثيرين بأهمية وضرورة العودة للإنتاج الزراعي والحيواني، وطرحت الحكومة شعار زراعة كل شبر أرض، ولكن لم يبدر منها ما يجعل هذا الشعار ممكن التطبيق،

نظراً لصعوبة تأمين متطلبات العمل الزراعي، واستصلاح الأراضي المهجورة أصبح عالي الكلفة، لارتفاع أجور آلات الاستصلاح وارتفاع أجور الحراثة الآلية وأجور العمال، والمحراث اليدوي الذي كان عند كل أسرة أصبح وجوده بالآحاد في أغلب القرى، والأبقار والحيوانات التي كانت تجر المحراث أصبحت قليلة جداً، والمواشي التي كانت عند كل أسرة أصبحت محصورة عند آحاد الأسر، أيضا توجد معاناة من توفر الوقود الزراعي التي تحتاجه الآليات الزراعية عدا الارتفاع المتتالي بأسعاره ، وأحيانا غير موجود إلا في السوق السوداء، ما جعل الأوضاع الجديدة لا تلبي رغبات العودة للزراعة لدى الكثير من الأسر.

والسماد الكيماوي الذي اعتادت عليه الزراعة خلال السنين الماضية أصبح غالي الثمن ويتزايد سعره باستمرار وقليل التوفر، وكذا هو حال المبيدات الزراعية، والسماد العضوي الذي اعتادت الأسر استخدامه لمزروعاتها أصبح نادر الوجود، نظراً لانخفاض أعداد الثروة الحيوانية بشكل كبير – بما في ذلك الحمير- والتي يرتفع ثمنها تباعاً لوجود جوالين لشراء الحيوانات بأسعار مغرية – وخاصة الإناث وصغيرها بالذات – لغاية القضاء على الثروة الحيوانية كلية، بالتوازي مع الشكوى من ارتفاع وندرة وجود العلف الحيواني الذي تحتاجه، ما تسبب في ارتفاع التكاليف للمزارعين ولمربي الثروة الحيوانية وتناقصهم المتتابع، يرافقه ارتفاع كبير متتالي في أسعار منتجاتهم، والغريب في الأمر أن أحد المسؤولين اقترح تسهيل تصدير قسم من الثروة الحيوانية بسبب قلة العلف، بدلا من أن يقترح إجراءات فاعلة لإيجاد العلف ومعالجة التناقص الكبير الذي تتعرض له.

الجديد في الأمر أن أسر ريفية كثيرة كانت تعتمد على رواتب أفرادها الموظفين، ولكن ارتفاع أجور النقل والمتطلبات الشخصية للموظف جعله يحتاج كامل راتبه لنفسه بالذات، مع ضعف تمكُّن الشباب الناشئ من الحصول على وظائف جديدة، كما أن الأسر التي كانت تعتمد على عمل بعض أفراها أعمالاً حرة تعاني من قلة توفر فرص العمل لهؤلاء بسبب الشلل الذي تتعرض له أغلب الأعمال الحرة وخاصة أعمال البناء وما يتعلق بها، بسبب الارتفاع الكبير المتتالي لمواد البناء، والمؤسف أن الجميع محكومون بالأمل ولكن لا يبدو في الأفق عمل يحقق الأمل المنشود، فمنذ سنوات خلت ليس غد بأفضل من أمسه، ورغم كل ذلك ربما كان حال الكثير من الأسر الريفية أفضل حالا من كثير من أسر المدينة، فليتفكر الجميع (مسؤولين ومواطنين) في المخرج المطلوب قبل انسداد جميع الدروب.

 

*عبد اللطيف عباس شعبان (عضو جمعية العلوم الاقتصادية)

منشور في صفحة اقتصاد من صحيفة البعث ليوم الثلاثاء 27 / 12 / 2022

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter
Share on telegram
Telegram
Share on whatsapp
WhatsApp
Share on print
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

تابعونا على فيس بوك

مقالات