تخطى إلى المحتوى

إحداث “القابضة للطيران”.. رهان على الكفاءة والشراكات بعد رفع العقوبات

في مرحلة اقتصادية جديدة تتّسم بانفتاح تدريجي على الأسواق الدولية، أصدر السيد الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم /214/ لعام 2025، القاضي بإحداث الشركة السورية القابضة للطيران، في خطوة تُقرأ بوصفها محاولة لإعادة تنظيم قطاع النقل الجوي وفق نموذج اقتصادي أكثر مرونة.

ويأتي المرسوم بعد رفع العقوبات، ما يضع قطاع الطيران أمام فرص مختلفة تتعلق بإعادة التشغيل وتحديث الأسطول وجذب الشراكات والاستثمارات، في مقابل تحديات تتصل بالبنية التحتية والتمويل والحوكمة.

وتتمتع “الشركة السورية القابضة للطيران” بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، ومقرها دمشق، وترتبط برئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، وقد حلّت محل “مؤسسة الخطوط الجوية السورية”، مع انتقال الحقوق والالتزامات والعقود أينما وردت، ما يعني أن الشركة تتجاوز “شركة طيران” تقليدية إلى منظومة خدمات طيران تشمل “النقل الجوي، المناولة الأرضية، الإطعام والتموين، الصيانة، التدريب، والمساهمة في شركات تابعة”.

ماذا يعني تحويل الخطوط الجوية لشركة قابضة؟

رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي عمر الحصري أوضح لصحيفة “الثورة السورية” أن تحويل الخطوط الجوية السورية إلى شركة قابضة يعني الانتقال من نموذج “مؤسسة تشغيلية واحدة” إلى هيكل مؤسسي حديث يضم عدة شركات تابعة متخصصة، تعمل جميعها تحت مظلة شركة أم، وفق أسس تجارية وحوكمية واضحة، مع بقاء الملكية للدولة.

وأضاف “الحصري” أنه بدلاً من أن تكون الخطوط الجوية جهة واحدة تقوم بكل شيء، تصبح جهة استراتيجية تُشرف وتملك، بينما تتولى شركات تابعة مهام محددة مثل: التشغيل الجوي، الصيانة والهندسة، المناولة الأرضية، الشحن الجوي، التدريب، والخدمات المساندة.

وحول الانعكاسات الإيجابية لهذا التحول على قطاع الطيران، أكد “الحصري” أن ذلك يضمن تحسين الكفاءة التشغيلية، فكل شركة تابعة تختص بعمل محدد، ما يرفع الجودة ويقلل الهدر، ويحسّن سرعة اتخاذ القرار، كما يحقق حوكمة وشفافية أعلى، إذ إن الفصل بين الملكية والإدارة والتشغيل يسمح برقابة مالية أوضح، ومحاسبة أدق، ومعايير إدارة حديثة، بالإضافة إلى المرونة في الشراكات والاستثمار، حيث إن الهيكل القابض يسهّل الدخول في شراكات مع مستثمرين أو مشغّلين دوليين في مجالات محددة، دون المساس بالسيادة أو ملكية الدولة.

ويهدف هذا الإجراء إلى تعزيز الاستدامة المالية، فكل شركة تابعة تُدار وفق مؤشرات أداء وربحية واضحة، ما يخفف العبء عن الشركة الأم ويحد من الخسائر المتراكمة، كما يعمل على تطوير الكوادر وخلق فرص عمل نوعية، فهذا النموذج يفتح المجال للتدريب والتأهيل واستقطاب الخبرات، وبناء مسارات مهنية احترافية للعاملين في قطاع الطيران، بالإضافة إلى الانسجام مع أفضل الممارسات الدولية، إذ إن معظم شركات الطيران الوطنية الناجحة في المنطقة والعالم تعمل اليوم ضمن نموذج الشركات القابضة، لما يوفّره من كفاءة واستدامة وفق “الحصري”.

إحداث الشركة من الناحية القانونية

يقول الحقوقي “المعتصم الكيلاني” لـ”الثورة السورية”: إن اختيار صيغة “شركة مساهمة عمومية قابضة” ينسجم مع الإطار التشريعي الأوسع الذي ينظم إحداث وحوكمة وإدارة الشركات المساهمة العمومية والقابضة (القانون رقم 3 لعام 2024)، ويتألف مجلس الإدارة من 9 أعضاء برئاسة رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، مع ضمان تمثيل جهات مالية واقتصادية واستثمارية وخبراء طيران وخبير قانوني، ويُسمّى المجلس بمرسوم.

ويُسمّى الرئيس التنفيذي بمرسوم، وهو “عاقد نفقة وآمر تصفية وصرف”، ويمثل الشركة أمام القضاء والغير، ما يمنحه صلاحيات تنفيذية واسعة مع مساءلته أمام مجلس الإدارة.

أما من ناحية الدلالة القانونية، فالتصميم المؤسسي يميل إلى نموذج “شركة عامة بحوكمة” بدل “مؤسسة” تقليدية، مع محاولة إدخال أدوات مثل إدارة المخاطر والرقابة الداخلية ولجان المراجعة والحوكمة.

وينص المرسوم، حسب “الكيلاني”، على انتقال ملكية كل الأصول المنقولة وغير المنقولة والحقوق والالتزامات من مؤسسة الخطوط الجوية السورية إلى الشركة الجديدة، مع تسجيلها باسم الشركة “بحكم المرسوم” دون إجراءات نقل ملكية إضافية، باستثناء الأصول والمرافق التي تحتاجها الهيئة لممارسة عملها، وتُستثنى وفق قائمة تُعدّها لجنة مشتركة.

ووفقاً لهذه المعطيات، تُشكّل لجنة لتقييم الأصول، ويُحدّد رأس المال التأسيسي بناءً على تقييم مُصادَق عليه خلال مدة لا تتجاوز سنة من تسجيل الشركة، وتشمل موارد الشركة الأرباح والقروض الداخلية والخارجية بضمانة الأصول، والمنح، ومساهمات الدولة.

ويُنقل العاملون والمتعاقدون المحددون بقرار من رئيس الهيئة “حكماً” إلى الشركة، مع الحفاظ على الأجور والقدم والحقوق المكتسبة، ويصدر النظام الأساسي والهيكل الوظيفي بمراسيم لاحقة، ما يعني أن جانباً كبيراً من التفاصيل التشغيلية (الأجور، الموارد البشرية، نظام المشتريات… إلخ) ما زال “معلّقاً” لحين صدور تلك الأنظمة.

ويضيف “الكيلاني” أن الشركة معفاة من الضرائب والرسوم المترتبة على التأسيس، ويُمنع طرح الشركة أو أي جزء منها للاكتتاب العام إلا بموجب قانون (أي ليس بقرار إداري)، حيث يساعد الإعفاء على سرعة التأسيس، لكن من منظور المالية العامة يعني تنازلاً عن إيرادات تأسيسية، كما أن تقييد الاكتتاب العام يحافظ على سيطرة الدولة مرحلياً، لكنه يؤخر أدوات تمويل سوق رأس المال ويجعل التمويل أقرب إلى قروض وشراكات ومساهمات الدولة.

ويستند المرسوم صراحةً إلى قانون الشركات (المرسوم التشريعي رقم 29 لعام 2011)، وإلى قانون الاستثمار (رقم 18 لعام 2021) وتعديلاته، وإلى المرسوم رقم 114 لعام 2025 المتعلق بتعديل مواد في قانون الاستثمار وفق هيئة الاستثمار السورية، الأمر الذي يمثّل “جذب شراكات” بفعل وجود مرجعية قانون الاستثمار وتعديلاته، وتهيئة الأرضية لاستقدام تمويل وشركاء وخدمات.

الشركة القابضة للطيران إجراء خارج الصندوق

المحلل الاقتصادي “رضوان الدبس” أوضح لـ”الثورة السورية” أن الشركة القابضة تدير عدة شركات باختصاصات متنوعة، ولم يكن هذا الشكل موجوداً في عهد النظام المخلوع، حيث كانت الدولة هي من تدير القطاعات، مؤكداً أن قطاع الطيران يتضمن ويحتاج إلى الكثير من الشركات، فشركات الطيران تتضمن إدارة المطار وتشغيل الطائرات، وشركات للصيانة والخدمات الفنية، وكذلك شركات للشحن الجوي والأرضي، وأكاديميات ومراكز تدريب، إلى جانب الخدمات التي تحتاجها شركات الطيران من وقود وصيانة ومطاعم وخدمات لوجستية وغيرها، فالشركة القابضة تدير هذه الشركات جميعاً، وتدير الخدمات بينها، معتبراً ذلك مبادرة جيدة تهدف إلى توحيد الجهود تحت إدارة واحدة، ما يسرّع عملية الاندماج بين الشركات ويوفّر في التكاليف المالية واللوجستية.

ويضيف “الدبس” أن هذا الإجراء يحقق أرباحاً لهذا القطاع، حيث إن الشركة القابضة لا تكون حكومية، وتقدّم الخدمات لشركات الطيران إلى جانب الطيران الخاص لرجال الأعمال والدبلوماسيين، ما يعكس تحوّلاً في فلسفة إدارة القطاع المدني في سوريا، وانطلاق مرحلة جديدة في سوريا على الصعيد الاقتصادي، بالتزامن مع رفع العقوبات، والانتقال من النظام الاشتراكي إلى السوق الحر والشركات المساهمة، ويندرج ذلك تحت “التهيئة الهيكلية” التي تسمح بإعادة التفاوض على العقود وبناء الشراكات وتحسين قابلية الالتزام، كممرّ للاندماج في السوق الدولية.

وعن العوامل التي تساهم في نجاح هذه التجربة الأولى من نوعها في سوريا، يوضح “الدبس” أن أهمها اعتماد جهاز إداري قوي ومؤهّل ويمتلك خبرة في هذا الإطار، فقد يصل عدد الشركات التي تديرها الشركة القابضة إلى خمس أو ست شركات، إلى جانب ضمان الاستقلالية المالية، التي تصب في آخر السنة في ميزانية الدولة، بالإضافة إلى وضع سياسات وخطط واستراتيجيات طويلة الأمد وأخرى قصيرة الأمد للعمل، ضمن خطة مالية واقعية، لافتاً إلى ضرورة ضمان العمل بعقلية متحرّرة إدارياً لتحقيق أهدافها، وصدور النظام الأساسي الناظم للعمل بسرعة وتفعيله عبر تعريف الملكية والصلاحيات والمشتريات وآليات الإفصاح المالي.

ويجب أن يكون عمل هذه الشركة تحت إشراف وزارة المالية والهيئة العامة للرقابة والتفتيش، لضمان الشفافية والمحاسبة، مع تحديد الصلاحيات الممنوحة وتسمية الجهات المسؤولة عن الإشراف عليها لضمان عدم تضارب المصالح، بالإضافة إلى ضمان الحوكمة الرشيدة، عبر إصدار تقارير دورية والكشوفات الحسابية وفق آلية يتم الاتفاق عليها، للحد من الفساد ورفع كفاءة الانضباط المالي، ونشر منهجية لتقييم الأصول وآليات إدارة الأصول المستثناة للهيئة.

الثورة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تابعونا على فيس بوك

مقالات