
يواصل الجهاز المركزي للرقابة المالية جهوده في مكافحة الفساد ضمن إطار مؤسسي ومنهجي يهدف إلى معالجة الاختلالات المتراكمة، وحماية المال العام، وتعزيز النزاهة في إدارة الموارد العامة، حيث شهدت الفترة الأخيرة تحريك ومعالجة عدد من الملفات المهمة ذات الأثر المباشر، واتخاذ الإجراءات اللازمة أصولاً بالتنسيق مع الجهات المختصة، وبما يضمن سلامة المسار القانوني.
وفي إطلالة على آخر القضايا التي تم العمل عليها، كشفت التحقيقات التي أجراها الجهاز المركزي للرقابة المالية وجود فساد مالي في المؤسسة العامة للإسكان في زمن النظام المخلوع، بنحو 16 مليار ليرة سورية، وذلك في إطار جهوده المستمرة لحماية المال العام ومكافحة مظاهر الفساد في الجهات العامة، كما كشف الجهاز عن قضية اختلاسات مالية كبيرة في الشركة السورية للاتصالات، بلغت قيمتها نحو 7 مليارات ليرة سورية.
وبالتوازي، كشف الجهاز عن قضية فساد تتعلق بالتلاعب بفواتير شراء تجهيزات ومواد طبية في مشفى جامعة حمص، وبقيمة تُقدّر بملايين الليرات السورية، إذ أوضح الجهاز أن فرعه في محافظة حمص تمكّن من ضبط القضية، بعد تلقي إخبار رسمي من أحد متعهدي توريد التجهيزات والمواد الطبية، أفاد فيه بقيام لجنة الشراء في المشفى بطلب رفع قيمة الفواتير عن الأسعار الحقيقية بنسبة تراوحت بين 10 و15 بالمئة، مقابل منحه النسبة الأكبر من طلبات المشفى.
مسار مكافحة الفساد بالأرقام
في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أكد رئيس الجهاز المركزي للرقابة المالية محمد عمر قديد أن الجهاز يركّز في أدائه على العمل المنهجي المستدام، القائم على ترتيب الأولويات ومعالجة الأسباب الجذرية للتجاوزات، بما يسهم في تصحيح المسار وتحقيق نتائج عملية تنعكس إيجاباً على كفاءة الإدارة العامة وجودة الخدمات المقدّمة للمواطنين.
وبالأرقام، تم التحقيق في 268 قضية فساد مثبتة في عدد من الجهات العامة منذ سقوط النظام المخلوع وحتى تاريخه، وذلك نتيجة أعمال التدقيق والمراجعة التي طالت عدة قطاعات خدمية وإدارية ومالية، وقد بلغ الحجم الإجمالي للفساد المالي المكتشف ما يقارب 527 مليار ليرة سورية، و3 مليارات و385 مليوناً و764 ألف دولار أميركي، إضافة إلى 140 مليوناً و774 ألف يورو.
وفيما يتعلق بالأموال التي تم تحصيلها فعلياً حتى تاريخه، فقد بلغت، وفقاً لقديد، 75 مليار ليرة سورية، ومليونين و158 ألفاً و353 دولاراً أميركياً، و68 ألفاً و480 يورو، وذلك في إطار الإجراءات التحفظية والتنفيذية التي تم اتخاذها.
أما على صعيد الإجراءات القانونية والإدارية بحق المتورطين، فقد شملت 61 قرار منع مغادرة، وفرض 70 حجزاً احتياطياً على الأموال المنقولة وغير المنقولة، وذلك لضمان حقوق الدولة ومنع تهريب الأموال أو التصرف بها.
تحديات وعوائق متنوعة
وحول أبرز العوائق أمام عمليات مكافحة الفساد، يوضح قديد أن العمليات تواجه عدداً من التحديات المرتبطة بطبيعة المرحلة وحجم الملفات المتراكمة، ومن أبرزها تراكم الاختلالات الإدارية والمالية عبر سنوات طويلة، ما أدى إلى تضخّم حجم القضايا وتشعّبها، وأصبح التعامل معها يتطلب جهداً تحليلياً وزمناً كافياً لمعالجتها بالشكل المهني السليم، ولا سيما في الملفات ذات الأثر الكبير.
ويُضاف إلى ذلك التحديات التقنية وتشتّت البيانات في عدد من الجهات العامة، نتيجة الاعتماد السابق على وسائل تقليدية في العمل، الأمر الذي يؤثر أحياناً في سرعة الوصول إلى المعلومات ودقة التحليل وربط الوقائع.
إلى ذلك، يلفت قديد إلى وجود تحديات مرتبطة بالموارد البشرية من حيث العدد والتخصص، مقارنة بحجم المهام والمسؤوليات، وهو ما يجري التعامل معه تدريجياً من خلال الاستقطاب، وبناء القدرات، وإعادة توزيع الأعمال وفق معايير الكفاءة والخبرة، ورغم هذه التحديات، يعمل الجهاز على تعزيز قدراته المؤسسية عبر إعادة التنظيم، والتحول الرقمي، وتطوير آليات العمل، بما يرفع فعالية مكافحة الفساد ويحقق نتائج مستدامة.
الشراكة مستمرة مع هيئة الرقابة والتفتيش
وانطلاقاً من أن العمل الرقابي في الدولة يقوم على الشراكة المؤسسية، يؤكد قديد وجود شراكة وتنسيق بين الجهاز المركزي للرقابة المالية والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، وبرغم تعدد القنوات التي يتم عبرها كشف قضايا الفساد، إلا أن الهدف واحد، وهو حماية المال العام وترسيخ النزاهة، ولهذا، يتم التعامل مع القضايا المتداخلة من خلال تنسيق مستمر ومذكرات تفاهم تضمن توحيد الجهود وعدم ازدواجية الإجراءات، وبما يحقق أعلى درجات الكفاءة في التحقيق والمتابعة واتخاذ الإجراءات الاحترازية المناسبة.
وجواباً على استفسار حول شمولية تطبيق حملات مكافحة الفساد بحيث تطال جميع الجهات، سواء من ارتبطت أسماؤهم بفترات سابقة أو حالية، أشار قديد إلى أن الجهاز المركزي للرقابة المالية يعتمد في عمله على منهجية ترتيب الأولويات وفق حجم الأثر والوقائع المتاحة، وفي هذا السياق، يتركّز جزء مهم من الجهود الحالية على ملفات تعود لسنوات سابقة، نظراً لحجم الاختلالات المتراكمة التي كشفت عنها الأعمال الجارية، وباعتبار أن معالجتها تشكّل مدخلاً أساسياً لحماية المال العام وتصحيح المسار، وفي الوقت ذاته، يتعامل الجهاز مع الحالات الراهنة متى توفرت المؤشرات والمعطيات اللازمة، ويتم اتخاذ الإجراءات المناسبة أصولاً دون تأخير.
في سياق متصل، تواجه آليات المحاسبة تحديات حقيقية، أبرزها عدم تحديث القوانين وضعف البيئة التشريعية، فالقوانين الحالية قد لا تمنح الجهاز المركزي للرقابة المالية صلاحيات كافية، وحول هذه النقطة، يوضح قديد أهمية تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي للجهاز المركزي للرقابة المالية بما يواكب متطلبات المرحلة ويعزز فعالية العمل المؤسسي.
وفي هذا الإطار، يجري العمل على مراجعة القوانين والأنظمة النافذة ورفع مقترحات تطوير تهدف إلى تعزيز الاستقلالية، وتحسين كفاءة الإجراءات، وتسهيل مسارات المساءلة، وذلك بالتنسيق مع الجهات المختصة وضمن مقاربة متوازنة تضمن التطبيق العملي والاستقرار القانوني.
وحول وجود خطة لتحسين ترتيب سوريا على “مؤشر مدركات الفساد” (CPI)، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، والذي يعد مؤشراً إيجابياً على تطور منظومتها الرقابية، يلفت قديد إلى أن الجهاز المركزي للرقابة المالية يركّز بشكل أساسي على مكافحة الفساد وحماية المال العام، باعتبار ذلك مدخلاً مباشراً لتحسين حياة المواطنين وجودة الخدمات العامة، وتعزيز الحوكمة وكفاءة إدارة الموارد العامة، ومن هذا المنطلق، فإن تحسين ترتيب سوريا على مؤشر مدركات الفساد (CPI) ليس هدفاً بحدّ ذاته، بل يُنظر إليه كنتيجة طبيعية لمسار إصلاحي أشمل يقوم على تعزيز الشفافية، ورفع كفاءة المؤسسات، وترسيخ المساءلة.
الثورة







