
*علي مالك عيشة
بعد سنواتٍ طويلة من الالتزام والعطاء، وتحمل مشقات التنقل بين المحافظات، يجد اليوم عدد كبير من المعلمين والمعلمات (بعقود تدريسية وإدارية) أنفسهم أمام قرارٍ في غاية القسوة، يتمثل في عدم تجديد العقود ضمن محافظات عملهم الحالية، وإعادتهم إلى محافظاتهم الأصلية.
قرار جاء بمثابة خيبة أمل عميقة، ويطرح تساؤلا مشروعا:
هل يُعد هذا مكافأة لجهدٍ صادق بذل على مدى سنوات؟
لقد نُقل هؤلاء المعلمون سابقا بقرارات جماعية رسمية، صادرة عن وزير التربية السابق نذير القادري في شباط 2025، بهدف تحقيق الاستقرار التربوي والاجتماعي لهم وللطلبة، ونقلت معهم ملفاتهم الوظيفية والصحية والتأمينية إلى المديريات التي باشروا فيها عملهم.
كما أن هذه العقود جاءت ضمن مسابقة قانونية مؤشرة من الجهاز المركزي للرقابة المالية، وكان المعلمون خلالها على رأس عملهم، يؤدون مهامهم كاملة من تدريس وتصحيح ومراقبة وإشراف، دون أي تقصير.
لقد اعتُبرت تلك القرارات آنذاك خطوة باتجاه الاستقرار، وكان التثبيت مطلبا محقا، لا منة ولا امتيازا.
إضافة إلى ذلك، خضع المعلمون لدورات تربوية وتأهيلية متخصصة، وطبقوا ما تعلموه في مدارسهم وصفوفهم، حتى أصبحوا مصدر ثقة لطلابهم وملاذا لهم.
فهل هذا هو جزاء الإخلاص؟
وهل يكافئ المعلم بالتشتت بدل الاستقرار؟
هل تخدم هذه القرارات مصلحة الطالب أم تسهم في تراجع تحصيله؟
هل تعزز استقرار العملية التعليمية أم تربكها؟
هل تخفف من البطالة أم تزيدها؟
لقد واجه هؤلاء المعلمون ظروفا قاسية، من ارتفاع تكاليف النقل والسكن، ومع ذلك ظلوا ثابتين، مؤمنين بأن الواجب التربوي فوق كل اعتبار، وأن المعلم صاحب رسالة سامية في بناء جيل واعٍ ومثقف.
والأهم، أن كثيرين منهم كلفوا بمهام حقيقية تناسب خبراتهم، أو أعيد تأهيلهم لأعمال أخرى ضمن المدارس، ما يؤكد أن الحاجة إليهم حاجة فعلية لا شكلية.
فكيف سيتم سد هذا الفراغ في المدارس، في المدينة والريف معا؟
الحل المنصف هو تجديد العقود ضمن محافظات السكن والعمل الحالية.
وتثبيت المعلمين بحسب الاختصاص والحاجة الفعلية.
توسيع الملاك العددي.
وخفض سن التقاعد لإتاحة فرص عمل جديدة.
واعتماد مبدأ توطين التعليم لتحقيق الاستقرار التربوي.
نأمل من الجهات المعنية إصدار قرارات منصفة تعيد الاعتبار للمعلم، وتحقق العدالة، و تسهم في النهوض بالواقع التعليمي، وبناء جيل واع قادر على تحقيق التنمية في مختلف المجالات.
إنصاف المعلم… هو إنصاف للمستقبل.







