
تشهد أسواق دمشق انتشار منتجات تحمل أسماء “لبنة” و”جبنة” بأسعار تقلّ إلى النصف أو أكثر من نظيراتها التقليدية، في ظلّ الارتفاع الكبير لأسعار الحليب ومشتقاته، ويقبل على هذه المنتجات مستهلكون لتأمين احتياجاتهم الغذائية، ما جعلها خياراً واسع الانتشار لدى ذوي الدخل المحدود، إلا أنّ مكوناتها وطريقة تسويق بعضها تثير جدلاً حول طبيعتها الحقيقية وقيمتها الغذائية ومدى مطابقتها لما يعتقده المستهلك عند شرائها.
وفي جولة ميدانية لصحيفة الثورة السورية على عدد من المحال والبسطات، بدت هذه المنتجات التي باتت تعرف باسم “أشباه الألبان والأجبان” حاضرة بكثرة إلى جانب الألبان التقليدية، وغالباً ما يختارها المستهلكون بسبب فارق السعر الواضح، وفي حديثنا مع عدد من المواطنين تباينت الآراء بين من يراها حلاً واقعياً لتأمين احتياجات الأسرة اليومية، ومن يتجنبها خشية تأثيرها الصحي أو عدم وضوح مصدرها.
و”أشباه الألبان والأجبان” هي منتجات غذائية انتشرت في السنوات الأخيرة في الأسواق السورية، يروَّج لها على أنّها تعتمد على الدسم النباتي بديلاً عن الدسم الحيواني الموجود في مشتقات الحليب، وغالباً ما تُصنّع عبر نزع الدسم الحيواني من الحليب وإضافة دسم نباتي ونشاء ومحسّنات قوام، فيما يُستخدم الدسم الحيواني المستخلص في صناعات أخرى، الأمر الذي يجعلها أقل تكلفة من المنتجات التقليدية إلا أنّها لا تطابق مواصفاتها وقيمتها الغذائية.
إقبال اضطراري بدافع السعر
تقول ربة المنزل، سمر العظم، إنّها تفضّل شراء أشباه الألبان والأجبان لأنّها تستطيع الحصول على كمية أكبر دون إنفاق الكثير، مشيرة إلى أنّ سعر هذه الجبنة مناسب لها ويمنحها خيارات متعدّدة لتجربة أكثر من منتج دون القلق على ميزانية الأسرة.
بدوره، يقول محمد برمو، إنّه تمكّن من العثور على أجبان بأسعار تنافسية ساعدته في إعداد وجبات لعائلته دون تكاليف مرتفعة، مضيفاً أنّ هذه المنتجات أصبحت خياراً مناسباً بالنسبة له، إذ يتيح انخفاض السعر شراء أكثر من نوع وتجربته.
في المقابل، يؤكّد سمير عايدي، أنّه يتجنّب شراء هذه المنتجات خوفاً على صحة أطفاله، معتبراً أنّها قد تحتوي دهوناً مهدرجة ومواد مجهولة المصدر، مبيناً أنّ ارتفاع أسعار المنتجات الطبيعية لا يدفعه للتضحية بصحة أسرته مقابل التوفير.
ويظهر الفارق السعري بوضوح في الأسواق، إذ يتراوح سعر كيلو اللبنة غير النظامية بين 20 و25 ألف ليرة، بينما يبلغ سعر الجبنة ما بين 35 و40 ألف ليرة، وهي أسعار تبقى أدنى بكثير من أسعار الألبان والأجبان التقليدية.
معادلة الدخل والسعر
اقتصادياً، يعزو الخبير الاقتصادي رزاي محي الدين تزايد انتشار أشباه الألبان والأجبان في الأسواق إلى مستوى الدخل، موضّحاً أنّه عندما يتراوح متوسّط راتب الموظّف الحكومي بين 700 ألف ومليون ونصف ليرة، بينما يبلغ سعر كيلو الجبن الحقيقي ما بين 80 و120 ألف ليرة مقابل 25 إلى 40 ألف ليرة لأشباه الجبن، فإنّ الفارق السعري الذي يصل إلى 2.5-4 أضعاف يدفع معظم المستهلكين إلى التوجّه نحو البدائل بغض النظر عن مخاطرها الصحية.
ويشير محي الدين إلى أنّ انتشار هذه المنتجات لا يقتصر أثره على المستهلك، بل يحمل انعكاسات اقتصادية واجتماعية، منها خسارة القيمة المضافة المحلية (تحويل الحليب إلى جبن)، وضعف الأمن الغذائي الحقيقي نتيجة الانتقال من منتج محلي إلى مواد أولية مستوردة كالزيوت والنشاء، إضافة إلى اتساع الفجوة الغذائية بين الشرائح الاجتماعية.
ويقترح للحدّ من انتشارها بشكل غير منضبط تقليص الفجوة السعرية عبر دعم المنتج الحقيقي بدلاً من منع البديل، ومنع التضليل التسويقي، ودعم صغار المربين الذين يشكلون نحو 80 بالمئة من الإنتاج، وربط الدعم بالجودة لا بالكمية، مشيراً إلى أنّ ذلك يساهم في الحدّ من انخفاض الطلب على الحليب الخام، الذي يقدّر بـ20-30 بالمئة في بعض المناطق، ويمنع خروج آلاف المربين من السوق وتراجع الاستثمار في معامل الألبان التقليدية الصغيرة.
الرقابة والسلامة الغذائية
من جانبها، أكّدت مديرة مديرية المواصفات الفنية والمخابر في الإدارة العامة للتجارة الداخلية وحماية المستهلك، سمر خليل، العمل على تطوير آليات تحليل ومراقبة نسب الدهون المشبعة واعتماد مواصفة قياسية تضبط استخدام الدسم النباتي بما يتوافق مع المعايير العالمية ودول الجوار التي نجحت في خفض نسب الدهون إلى مستويات آمنة، مشيرة إلى أنّ الدسم النباتي بحدّ ذاته لا يشكّل إشكالية إذا كان مطابقاً للمواصفات.
وأوضحت أنّ دوريات الرقابة تنفّذ جولات ميدانية منتظمة، حيث تُسحب عينات دورية وأسبوعية من منتجات الألبان والأجبان في الأسواق، وتُفرض غرامات على المخالفين بهدف الحدّ من التجاوزات.
وبينت خليل وجود تنسيق مع وزارة الصحة وهيئة المواصفات والمقاييس السورية للحدّ من المخاطر الصحية المرتبطة بارتفاع نسب الدهون المشبعة، لما لها من آثار سلبية محتملة على الصحة العامة.
وأشارت إلى رصد مخالفات تتعلق باستخدام الدسم النباتي بشكل كامل دون التصريح عنه وبيع المنتجات على أنّها تحتوي دسماً حيوانياً طبيعياً، مؤكّدة أنّه لم تُسجّل حتى الآن شكاوى رسمية تتعلّق بمنتجات الألبان والأجبان من هذه الناحية.
وفي الجانب الصحي، أوضحت خبيرة التغذية الطبيبة عهد يونس أنّ أشباه الألبان والأجبان من المنتجات التي انتشرت بشكل واسع في الأسواق وأثارت قلقاً لدى كثير من المستهلكين، مشيرة إلى أنّ دراسات عدّة تشير إلى احتواء بعضها على دهون مهدرجة وسكريات مضافة، ما قد يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين، إضافة إلى احتمال التسبّب بمشكلات هضمية نتيجة احتوائها على مكوّنات غير طبيعية قد تكون صعبة الهضم.
وبين الحاجة إلى التوفير واعتبارات السلامة الغذائية، يجد كثير من المستهلكين أنفسهم أمام خيار صعب، في وقت يرى متخصصون أنّ ضبط المواصفات ومنع التضليل في التسويق يبقى العامل الأهم لحماية المستهلك والحفاظ على قطّاع الألبان المحلي في آن واحد.
الثورة







