
تحولت حوادث السير في سوريا إلى خطر يومي يهدد حياة المدنيين، مع تزايد ملحوظ في عدد الضحايا والمصابين على الطرقات في مختلف المناطق، حيث يكاد لا يمر يوم دون تسجيل حادث جديد يخلف قتلى وجرحى.
وتتداخل أسباب هذه الحوادث بين عوامل بشرية ومؤسساتية وخدمية، تبدأ من تهالك البنية التحتية والطرق غير المجهزة بالإنارة أو المليئة بالحفر، ولا تنتهي بسلوكيات قيادة خطرة، مثل السرعات الزائدة والتجاوزات الخاطئة، إضافة إلى قيادة مركبات من قبل أشخاص لا يمتلكون الحد الأدنى من التأهيل أو شهادات السوق.
سائقون بلا أهلية
ويثير هذا الواقع استياء السكان، الذين باتوا يرون الطرقات أكثر خطورة من أي وقت مضى، حيث يقول عادل حبيب: إن القيادة أصبحت أشبه بسباق، إذ يلجأ بعض السائقين إلى السرعة الزائدة وتجاوز الإشارات الضوئية اختصاراً للوقت اعتقاداً منهم أنهم سيصلون أسرع.
ويرى طلال منصور أن غياب التفتيش الفعلي على إجازات السوق ساهم بشكل غير مباشر في كثرة الحوادث، بينما يؤكد عمار ونوس ضرورة تدقيق شهادات القيادة ومعرفة ما يحق لحامل كل إجازة قيادته، خاصة مع وجود عدد كبير من السائقين لا يحملون شهادات أصلاً.
من جهته، طالب إبراهيم حمود بإعادة إخضاع معظم السائقين لفحص جديد لتذكيرهم بأولويات المرور واحترام الإشارات، في حين يشير أحمد المغربي إلى أن القيادة الطائشة أصبحت سلوكاً واسع الانتشار، خصوصاً مع قيادة مراهقين لمركباتهم بتهور ما يؤدي إلى حوادث قاتلة.
ومن الظواهر التي يذكرها السكان أيضاً انتشار الدراجات النارية داخل الأحياء السكنية، إذ يعتبر حسن الحاج علي أن قيادتها بسرعات عالية باتت مصدر خطر مباشر على الأهالي، بينما يطالب فواز فاخوري بإصدار قانون خاص لشهادة قيادة الدراجات النارية.
حصيلة الحوادث بالأرقام
وبحسب الدفاع المدني، تم توثيق أكثر من 3000 حادث سير خلال عام 2025، وهو رقم يقتصر على الحوادث التي استجابت لها فرقه فقط، إذ إن بعض البلاغات تصل إلى جهات أخرى كفرق الإسعاف أو شرطة النجدة أو شرطة المرور أو شرطة الطرق العامة، كما توجد حوادث يتعامل معها مدنيون في موقعها.
وأوضح المكتب الإعلامي للدفاع المدني في تصريح لصحيفة “الثورة السورية” أن فرقه نفذت نحو 2600 عملية إسعاف، وأسفرت الحوادث عن وفاة 175 مدنياً وإصابة ما يزيد على 2500 شخص.
وتشهد الطرق الدولية مثل دمشق – حلب، دمشق – دير الزور، دمشق – درعا، إضافة إلى طريق دمشق – حمص – طرطوس، النسبة الأعلى من الحوادث، نتيجة السرعات الزائدة وعدم الالتزام بقواعد السير وضعف إجراءات السلامة، فضلاً عن عدم صيانة المركبات مثل تفقد المكابح وسلامة الإطارات واستخدام أضواء الضباب عند الحاجة.
كما تلعب حالة الطرق دوراً أساسياً، إذ تعرضت البنية التحتية لتدمير واسع نتيجة قصف النظام المخلوع والعمليات العسكرية خلال سنوات الثورة، حيث استهدفت الطرق بغارات جوية وأدى غياب الصيانة إلى تشكل حفر كبيرة، مع نقص الشاخصات المرورية والعواكس، ما يزيد من خطورة القيادة.
وبخصوص الدراجات النارية، أشار الدفاع المدني إلى صعوبة تقديم أرقام دقيقة حالياً بسبب مشكلة تقنية في منصة البيانات، إلا أن التقديرات تشير إلى أنها تشكل 50-60 بالمئة من مجمل حوادث السير.
إجراءات الوقاية والسلامة الطرقية
ولا يقتصر عمل فرق الدفاع المدني على الاستجابة للحوادث والبلاغات، إذ يوجد تنسيق دائم مع الجهات المعنية، مثل وزارة النقل وشرطة المرور التابعة لوزارة الداخلية، ويتم تبادل البيانات شهرياً لتحديد النقاط الأكثر خطورة وأسباب الحوادث فيها، سواء كانت فتحات غير نظامية على الطرق أو غياب جدران الحماية في المناطق الجبلية وغيرها، على أن تُرفع تقارير مشتركة لمعالجة هذه المشكلات وتعزيز مستوى التنسيق.
كما يعمل الدفاع المدني على رفع الوعي المروري عبر ثلاثة مسارات رئيسية؛ الأول من خلال منصات التواصل الاجتماعي وبالتنسيق مع وسائل الإعلام والمؤثرين، للتركيز على الالتزام بقواعد السير وخطر السرعة الزائدة التي تعد السبب الأبرز للحوادث، بينما يتمثل المسار الثاني في جلسات مباشرة مع المدنيين، خاصة في المناطق المكتظة، إضافة إلى توزيع منشورات إرشادية.
أما المسار الثالث فيتعلق بإجراءات السلامة الطرقية، مثل وضع شاخصات مرورية وتحسين عناصر الأمان بالتنسيق مع إدارة الطرق العامة والنقل، إلى جانب تنفيذ حملات توعوية، من بينها حملة لفت الانتباه باستخدام “نموذج سيارة” بهدف التحذير من مخاطر السرعة الزائدة وحوادث السير على السلامة العامة.
رخص القيادة وإعادة التأهيل
يؤكد الأهالي أن التوعية وحدها لا تكفي للحد من حوادث السير، في ظل انتشار قيادة المركبات من قبل أشخاص لا يحملون شهادات سواقة، وفي هذا السياق أفاد مدير شهادات السوق في وزارة النقل محمد العلوش، في تصريح لـ”الثورة السورية”، بأنه منذ استئناف التسجيل في 25 تموز 2025 لم تمنح مديرية إجازات السوق أي رخص قيادة، إذ إن منح الرخص من صلاحيات وزارة الداخلية، بينما تكتفي المديرية بمنح وثيقة تُسمى “وثيقة حسن القيادة”، مبيناً أن العدد الإجمالي للناجحين بعد التحرير وحتى اليوم تجاوز 40 ألف شخص.
وأضاف أن عدد المتدربين والممتحنين في المديرية بلغ نحو 30 ألف شخص، مُنح 15 ألفاً منهم الوثيقة، على أن تُمنح الوثائق للـ 15 ألفاً المتبقين لاحقاً. كما أشار إلى وجود نحو 14 ألف شخص كانوا مسجلين قبل التحرير وخضعوا للاختبار آنذاك دون الحصول على الوثيقة، وسيتم منحهم أيضاً وثيقة حسن القيادة، ليصل العدد الإجمالي إلى نحو 44 ألف وثيقة تقريباً، وفق آخر إحصائية صادرة الأسبوع الماضي.
وحول مراقبة التزام مدارس السواقة بجودة التدريب، أكد العلوش أن من مهام مديرية إجازات السوق ترخيص المدارس والإشراف على التدريب ومتابعته، موضحاً أن لدى المديرية فرقاً مختصة في كل محافظة تجري زيارات ميدانية دورية ومفاجئة لضبط جودة التدريب.
كما لفت إلى إنشاء مكتب ضمن الهيكلة الجديدة يحمل اسم “مكتب ضبط الجودة”، يتبع مباشرة لمدير إجازات السوق، وتتمثل مهمته في مراقبة التدريب وتقييمه ورفع تقارير دورية عن مستوى الجودة.
وبشأن إعادة فحص السائقين القدامى في ظل تغير الواقع المروري وزيادة الحوادث، أوضح العلوش أنه لا توجد خطة لإعادة الفحص لأن السائقين خضعوا له سابقاً، لكن هناك خطة لإعادة تأهيل السائقين المخالفين.
وأشار إلى أن السائق الذي يُسحب منه عدد من النقاط نتيجة المخالفات يُحال إلى دورة تأهيلية في مديرية إجازات السوق لاستردادها، وتشمل هذه الإجراءات من تكررت مخالفاتهم وسُحب جزء من نقاطهم، حيث يخضعون لتدريب تأهيلي يعقبه اختبار، وفي حال النجاح تُعاد لهم النقاط مرة واحدة في السنة.
وفي ظل تداخل ضعف البنية التحتية مع غياب الالتزام المروري وقيادة مركبات دون تأهيل كاف، باتت الطرقات أحد أبرز مصادر الخطر على المدنيين، فيما تشير الأرقام إلى أن المشكلة لا تتعلق بحوادث فردية متفرقة، بل بواقع مروري كامل يحتاج إلى ضبط وتأهيل وصيانة متزامنة للحد من الخسائر البشرية المتزايدة.
الثورة







