تخطى إلى المحتوى

زيادة الرواتب بين الوعود وهواجس التضخم

ميساء العلي

لا يزال ملف زيادة الرواتب يحظى بنقاش واسع في سوريا، مع وعود أُطلقت منذ أواخر عام 2025 بإقرار زيادات خلال أسابيع وتضمينها في الموازنة، قبل أن يُربط تنفيذها بتحسن الموارد، خشية حدوث موجة تضخمية جديدة.

وفي أحدث تصريحاته، قال وزير المالية محمد يسر برنية، إن رفع الأجور والرواتب دون تحسن حقيقي في الموارد سيؤدي إلى التضخم، مؤكداً في الوقت ذاته حرص الحكومة على اعتماد زيادات كافية تمكّن المواطن من العيش بمستوى لائق.

وخلال الأشهر الماضية، كرر وزير المالية الحديث عن إصلاح منظومة الأجور، مشيراً إلى أن موازنة 2026 تتضمن خطوات في هذا الاتجاه، وأن الحكومة مستمرة في العمل للوصول إلى مستوى دخل يضمن حياة كريمة للمواطنين. كما أوضح أن الموازنة ستمنح أولوية للإنفاق على الصحة والتعليم، إلى جانب تحسين رواتب العاملين في الدولة.

وكانت الحكومة السورية قد رفعت في عام 2025 رواتب الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة بنسبة 200 بالمئة، في خطوة هدفت إلى تعزيز القدرة الشرائية، إلا أن تأثيراتها بقيت مرتبطة بمستوى الأسعار واستقرار السوق.

وقبل نحو أربعة أشهر، أكد برنية أن العمل سيتركز على رفع رواتب العاملين في قطاعات الصحة والتربية والتعليم، ضمن خطة استكمال إصلاح منظومة الرواتب لتشمل جميع الوزارات وموظفي القطاع العام.

وأمام هذا التباين بين الوعود بزيادات مرتقبة والتحذير من مخاطر التضخم، يبرز سؤال جوهري حول كيفية تحقيق معادلة دقيقة بين تحسين مستوى دخل المواطنين والحفاظ على الاستقرار النقدي، بحيث تنعكس أي زيادة تحسناً فعلياً في المعيشة لا مجرد أرقام تتآكل بفعل ارتفاع الأسعار.

سياسة مالية مرنة

يقول الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، لصحيفة “الثورة السورية”، إن الحكومة تمتلك إمكانية رفع الرواتب والأجور في القطاع العام من خلال إعادة توجيه نفقاتها الجارية، وتزداد هذه القدرة مع استعادة السيطرة على موارد النفط والغاز والمعابر الحدودية التي توفر إيرادات من رسوم عبور الترانزيت.

غير أن التحدي الأكبر، وفق قوشجي، يكمن في رفع الحد الأدنى للأجور الذي يلتزم به القطاع الخاص، إذ يؤدي ذلك إلى زيادة تكاليف التشغيل وقد يؤثر في كفاءة الإنتاج وربحية الشركات.

ويرى أن معالجة هذه الإشكالية تتطلب سياسة مالية مرنة، مثل منح إعفاءات أو تخفيضات ضريبية للشركات ذات العمالة الكبيرة، بما يشجع على التوظيف ويحد من البطالة، ويخلق توازناً بين تحسين مستوى المعيشة وضمان استمرارية النشاط الاقتصادي.

ويضيف أن قبول رجال الأعمال بتقليص هوامش أرباحهم مقابل رفع أجور العمال يحتاج إلى حزمة تحفيزات حكومية واضحة، قد تشمل دعماً مالياً مباشراً للشركات كثيفة العمالة.

وبحسب وزير المالية، فإن المنظومة الضريبية المرتقب الكشف عنها ستكون مبسطة ومنخفضة، وتراعي محدودي الدخل.

ويشير قوشجي إلى أن أصحاب الأعمال الحرة والمشاريع الصغيرة استطاعوا خلال العقد الماضي التحكم في رفع دخولهم بما يتناسب مع ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار مستلزمات الإنتاج، الأمر الذي يضع عبء معالجة فجوة الدخل بصورة أكبر على السياسات العامة والقطاع المنظم.

إصلاحات تشريعية

يؤكد قوشجي أن الحل الأمثل لرفع متوسط دخل الفرد في سوريا يتمثل في تهيئة بيئة استثمار جاذبة لمختلف أنواع المشاريع، سواء الزراعية ومستلزماتها، أو الصناعية عبر تمويل إعادة تشغيل المصانع وزيادة القيمة المضافة، إضافة إلى المشاريع الحرفية والخدمية التي تدعم الاقتصاد المحلي وتوفر فرص عمل متنوعة.

وتتطلب هذه البيئة، بحسب رأيه، إصلاحات تشريعية واضحة، وضمانات حقيقية للمستثمرين، وتسهيلات في التمويل والضرائب، بما يعزز الثقة ويحفز رؤوس الأموال على الدخول في عملية الإنتاج.

ويشدد قوشجي على أن معالجة مشكلة الأجور والدخل ركيزة أساسية لتحفيز النمو الاقتصادي، ونجاحها يرتبط بقدرة الحكومة على إدارة مواردها بكفاءة، واستعداد القطاع الخاص للتكيف مع التكاليف الجديدة، وبمدى قدرة الاقتصاد على توليد موارد حقيقية قائمة على الإنتاج، بما يسمح بتحقيق نمو أكثر استدامة وتوازناً.

الثورة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

تابعونا على فيس بوك

مقالات