تخطى إلى المحتوى

الراتب يُصرف قبل أن يُقبض.. كيف تنظّم الأسرة السورية إنفاقها؟

ثائر المحمد

ما إن يصل الراتب الشهري عبر تطبيق «شام كاش» بالنسبة للموظفين في مؤسسات الدولة، حتى تبدأ معه سلسلة شبه مكررة تستنزف ذلك الراتب خلال أول ثلاثة أيام أو أسبوع من استلامه، سواء عبر دفع التزامات شهرية، أو شراء حاجيات لا غنى عنها تكون في الغالب مرتبة ضمن هرم الأولويات.

المشهد يبدأ عادة بتسوية الالتزامات المتراكمة وتسديد الديون الصغيرة وتأمين المتطلبات اليومية الأساسية التي لا يمكن تأجيلها، في اليوم التالي يتجه الإنفاق نحو تأمين الاحتياجات الغذائية الضرورية، مع ملاحظة شراء كميات محدودة ومتكررة بدلاً من التموين الطويل، هذا التحول يعكس محاولة إدارة المصروف بحذر وموازنة ما تبقى من الدخل مع متطلبات بقية الشهر.

خلال أقل من 72 ساعة ربما يتحول الراتب إلى أكياس أرز وسكر وعلب زيت ورب البندورة، ومع نهاية الأسبوع تختفي مظاهر السيولة من الأسواق، تقل المشتريات، وتتحول بعض الدكاكين إلى البيع بالدَّين، وتعود عبارة «سجّلها علينا» لتصبح جزءاً من المشهد اليومي.

راتب يُصرف قبل أن يُقبض
لا تعكس الرواتب الواقع المعيشي الفعلي للأسر بقدر ما يكشفه سلوك الإنفاق اليومي؛ فالأجر لم يعد مؤشراً على مستوى المعيشة أو الرفاه، إنما تحوّل إلى أداة لضمان الاستمرار فقط، ضمن هذا السياق نشأ ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الأسرة» أو الاقتصاد المعيشي المباشر، حيث تتحدد الأولويات وفق الضرورات الحيوية لا وفق التخطيط المالي.

ويُلاحظ نمط شبه موحد بين معظم الموظفين، قوامه إعادة توزيع الراتب فور قبضه على احتياجات البقاء الأساسية، فأول تصرف مالي تقوم به الأسرة هو تحويل الراتب إلى سلع، ويجري ذلك سريعاً نتيجة الخوف من فقدان العملة لقيمتها الشرائية، ما يجعل الاحتفاظ بالنقد خياراً خاسراً، تتمثل المشتريات الأولية في المواد الغذائية الأساسية: الأرز، البرغل، السكر، الشاي، الزيت النباتي، رب البندورة، البيض، والبطاطا والبصل وغير ذلك.

بعد الغذاء يأتي الغاز على سبيل المثال، خصوصاً في الشتاء، الخطوة الثالثة غالباً هي تسديد الديون الصغيرة، ويعتمد جزء كبير من الموظفين على الشراء بالدَّين من الدكان أو الصيدلية، إضافة إلى الاقتراض من الأقارب.

الأمر الآخر هو الدواء والرعاية الصحية، والذي أصبح أحد أكثر عناصر الضغط المالي؛ فمرض بسيط قد يؤدي إلى اضطراب كامل في ميزانية الأسرة، سواء بسبب المضادات الحيوية أو أدوية الأمراض المزمنة كالسكري وارتفاع ضغط الدم أو علاج الأطفال.

يُضاف إلى ذلك الالتزامات الشهرية شبه الإجبارية؛ فإلى جانب الإنفاق اليومي، تواجه الأسر مجموعة من المدفوعات التي لا يمكن تجنبها، في مقدمتها الكهرباء والاتصالات والإنترنت، كما يذهب جزء كبير من دخل الأسرة المستأجرة إلى السكن، وقد يصل إلى نصف الراتب أو أكثر، بينما يمنح امتلاك المسكن قدرة أعلى على الاستقرار، لذلك أصبح السكن المحدد الأهم لمستوى المعيشة، متقدماً على قيمة الأجر ذاته.

كما تتحمل الأسر تكاليف التعليم حتى في المدارس الحكومية، بما في ذلك القرطاسية واللباس، أما الملابس والمطاعم والأجهزة والترفيه والسفر فأصبحت إنفاقاً استثنائياً وليس جزءاً من الحياة اليومية، وعملياً لا تعتمد الأسر على الراتب وحده، بل على مزيج من الدخل المحدود والديون الصغيرة والمساعدات العائلية والتحويلات الخارجية، إضافة إلى تقشف شديد.

أخطاء مالية شائعة
من أكثر الأخطاء شيوعاً إنفاق جزء كبير من الراتب فور قبضه، لأن الميل المتوسط للاستهلاك يكون مرتفعاً جداً لدى الأسر محدودة الدخل؛ أي إن معظم الدخل يذهب مباشرة للحاجات الأساسية، ووفق الباحث الاقتصادي عبد العظيم المغربل، فإن المشكلة ليست فقط في ضعف الراتب إنما في غياب التقسيم المسبق بين الضروري والمؤجل والطوارئ، عملياً، الأفضل توزيع الراتب منذ اليوم الأول إلى حصص ثابتة وهي: أساسيات، نقل، دواء، طوارئ، ومصروف يومي، لأن إدارة السيولة أهم من الرقم الاسمي نفسه.

وقال المغربل في حديث مع صحيفة «الثورة السورية» إنّ «هذا السلوك يكشف أن الميل للاستهلاك الفوري أصبح أعلى من الميل للادخار أو التأجيل، ليس فقط بسبب ارتفاع الأسعار، إنما بسبب ضعف الثقة بزمن بقاء القوة الشرائية، ونحن هنا لا نرى تضخماً تقليدياً فقط، بل تآكلاً في القدرة على التخطيط المالي عبر الزمن؛ فالأسرة تنفق سريعاً لأنها تخشى أن تصبح السلعة أغلى أو أن تصبح النقود نفسها أقل نفعاً بعد أيام قليلة».

ويرى أن «وظيفة الأجر التقليدية كانت توزيع الاستهلاك على مدار شهر، لكن مع ارتفاع الميل المتوسط للاستهلاك لدى الأسر الفقيرة، بات الراتب يستنزف بسرعة في بداية الدورة، وهذا يعني أن الراتب لم يعد يعمل كدخل معيشي شهري مستقر، بل كدفعة نقدية قصيرة العمر تستخدم لتغطية الأساسيات فوراً، وعملياً، الأجر فقد جزءاً من وظيفته الزمنية لا فقط من قيمته الشرائية».

من جهتها ترى الباحثة الاقتصادية نجاح عبد الحليم أن من الأخطاء الشائعة هو «تحول يوم الراتب إلى لحظة صرف اندفاعي لتعويض الحرمان أو سداد كل شيء دفعة واحدة، ما يؤدي إلى نفاد الجزء الأكبر من الدخل خلال أيام قليلة، كذلك تميل بعض الأسر إلى الشراء بكميات تفوق حاجتها خوفاً من ارتفاع الأسعار، أو إلى تأجيل النفقات الأساسية ثم العودة للاستدانة، الإدارة الأفضل تبدأ بتقسيم الراتب فور قبضه إلى أجزاء واضحة: مبلغ ثابت للفواتير والالتزامات، مبلغ للغذاء مقسّم أسبوعياً، جزء صغير للطوارئ مهما كان محدوداً، ومبلغ مخصص للديون، وضوح الترتيب منذ اليوم الأول يقلل من القرارات الانفعالية ويمنح الأسرة قدرة أكبر على الصمود حتى نهاية الشهر».

وتضيف في حديث مع صحيفة «الثورة السورية» أن «تركز الإنفاق في بداية الشهر يشير غالباً إلى فقدان الثقة باستقرار الأسعار أكثر مما يشير إلى ارتفاعها فقط، في التضخم التقليدي يمكن للأسرة أن تضع ميزانية شهرية تقريباً، أما حين تتغير الأسعار بسرعة أو يُتوقع تغيرها، تصبح الأولوية للشراء الفوري قبل أي زيادة محتملة، هنا لا يكون الخلل في الرقم وحده، إنما في القدرة على التخطيط، لأن الأفق الزمني للأسرة يتقلص من شهر كامل إلى أيام معدودة».

وفي هذا السياق يفقد الراتب معناه التقليدي كدخل يغطي احتياجات شهر كامل، ويتحول إلى دفعة سيولة قصيرة تُستخدم لتسديد التزامات متراكمة أو لتحويل النقد إلى سلع بسرعة قبل أن تتراجع قيمته، يصبح الهدف الأساسي من الراتب تقليل المخاطر وتأمين الأساسيات، لا التخطيط ولا الادخار، بهذه الطريقة يتحول الأجر من أداة استقرار إلى أداة دفاع مؤقت.

اقتصاد سيولة لحظية
في إجابته على سؤال «هل يمكن توصيف ما يحدث بأنه انتقال من اقتصاد نقدي دوري إلى اقتصاد سيولة لحظية؟»، أجاب المغربل بالقول: «نعم، لأن الأسرة لم تعد تبني قراراتها على راتب شهري موزع، بل على تدفقات نقدية متقطعة وسريعة الاستهلاك، مع ميل مرتفع للاستهلاك اللحظي، وهذا يقرّبنا من اقتصاد السيولة اليومية حيث القرار الاقتصادي مرتبط بما هو متاح الآن، لا بما هو مخطط له حتى نهاية الشهر، وفي هذا النمط يصبح البقاء المالي أهم من الموازنة المالية».

وعندما يشعر المستهلك أن الأسعار وسعر الصرف غير مستقرين يرتفع الميل الحدي للاستهلاك؛ أي إن أي مبلغ يدخل الأسرة يُصرف بسرعة أكبر بدل الاحتفاظ به، نفسياً ينشأ خوف من التأجيل لأن الانتظار قد يعني خسارة في القدرة الشرائية، لذلك تتجه الأسر إلى شراء دفاعي حتى قبل حدوث الارتفاع الفعلي، لأن التوقعات نفسها أصبحت محركاً للإنفاق.

وعلى المدى الطويل، يؤدي تقديم الإنفاق على التعليم أو الغذاء أو الصحة وفق القدرة اللحظية إلى خسارة تراكمية في رأس المال البشري، إذ فسر المغربل ذلك بالقول: «لأن ارتفاع الميل للاستهلاك الضروري الفوري يدفع الأسرة إلى تركيز الإنفاق على البقاء اليومي ولو على حساب التعليم أو العلاج أو الغذاء النوعي، وهذا يخلق خسارة تراكمية في رأس المال البشري مثل صحة أضعف وتحصيل أقل وإنتاجية مستقبلية أدنى، بمعنى آخر، ضيق الحاضر يعيد إنتاج الفقر في المستقبل».

أما الباحثة نجاح عبد الحليم فقد أوضحت أنه «يمكن بالفعل توصيف المشهد كتحول من إدارة شهرية منتظمة إلى إدارة تقوم على توفر النقد في اللحظة نفسها، لم تعد القرارات مبنية على خطة شهرية واضحة، بل على ما يدخل اليوم من راتب أو حوالة أو عمل يومي، هذا النمط يجعل الاستهلاك مرتبطاً بالتدفق النقدي المباشر، ويزيد الاعتماد على الاستدانة القصيرة أو الشراء عند توفر المال، لا عند الحاجة فقط».

ويخلق عدم استقرار الأسعار وسعر الصرف حالة قلق دائم حتى في غياب ارتفاع فوري؛ فمجرد توقع الزيادة يدفع الأسر إلى الشراء المبكر خوفاً من خسارة القدرة الشرائية لاحقاً، هذا السلوك دفاعي بطبيعته، إذ تحاول الأسرة حماية نفسها من مفاجآت محتملة، ومع الوقت يتحول الخوف من الغلاء إلى عامل يوجه القرارات أكثر من الحاجة الفعلية.

وتابعت عبد الحليم: «عندما تُدار نفقات التعليم والصحة والغذاء وفق ما يتوفر من سيولة في اللحظة، تميل الأسر إلى تأجيل أو تخفيض هذه المصاريف، ما يؤدي إلى آثار تراكمية غير مرئية فوراً، ضعف التغذية أو الانقطاع عن التعليم أو إهمال العلاج ينعكس لاحقاً في إنتاجية أقل ودخل أضعف، بذلك تتحول الضغوط الحالية إلى خسائر طويلة الأمد تؤثر في قدرة المجتمع على التعافي والنمو».

دليل عملي لإدارة الراتب
لا تكمن المشكلة الأساسية لدى معظم الأسر في قيمة الراتب فقط، بل في طريقة دخوله وخروجه، فالراتب يصل دفعة واحدة، بينما المصاريف تحدث يومياً، هذا الخلل في التوقيت يجعل الأسبوع الأول من الشهر أثقل مالياً من بقية الأسابيع، إذ تُدفع خلاله معظم الالتزامات ويُشترى الجزء الأكبر من الحاجيات، فيبقى ما تبقى من الشهر بلا سيولة تقريباً.

إدارة الراتب تبدأ بفكرة مفادها أنه لا ينبغي التعامل معه كوحدة شهرية، بل كوحدات أسبوعية، فالشهر عملياً أربعة أسابيع مع بضعة أيام إضافية، وإذا صُرف المال في أسبوع واحد فلن يبقى ما يكفي للأسابيع الثلاثة التالية.

الخطوة العملية الأولى هي تقسيم الراتب مباشرة بعد قبضه إلى أربعة أجزاء متساوية تقريباً، بحيث يُستخدم كل جزء لأسبوع محدد، لا يشترط وجود مغلفات ورقية، بل يكفي تسجيل المبالغ في دفتر صغير أو ملاحظة على الهاتف، الهدف ليس الادخار، بل منع الإنفاق المبكر، بعد ذلك تُرتب الأولويات: أولها الغذاء لأنه الاستهلاك اليومي الثابت، وأخيراً الطوارئ، فمبلغ صغير مخصص للطوارئ يمنع انهيار الميزانية عند أول مرض أو عطل.

ويقول المغربل: «عندما يصبح الراتب المحلي غير كافٍ بسبب ارتفاع الميل للاستهلاك الأساسي تزداد أهمية الحوالات والمساعدات كمصدر يحدد الأولويات، وعندها قد ينتقل ثقل القرار داخل الأسرة نحو مصدر الدخل الأكثر قدرة على تمويل الاستهلاك الضروري، لا نحو الراتب المحلي بحد ذاته، وهذا يعني أن الدخل الخارجي لا يسد فجوة فقط بل يعيد تشكيل منطق الإنفاق داخل البيت».

وترى الباحثة نجاح عبد الحليم أن مدة كفاية الراتب تعكس الواقع اليومي للأسرة بشكل أدق من متوسط الدخل الاسمي، لأنها تقيس القدرة الفعلية على الصمود قبل اللجوء إلى الدين، قد يرتفع الدخل الاسمي بينما تتراجع القدرة الشرائية، لكن عدد الأيام التي يغطيها الراتب يكشف مباشرة حجم الضغط المعيشي، لذلك يمكن اعتباره مؤشراً عملياً لقياس الاستقرار المالي للأسر.

وتؤكد أنه «مع تزايد الاعتماد على الحوالات والمساعدات، يزداد تأثير مصدر الدخل الخارجي في تحديد أولويات الإنفاق داخل الأسرة، قد يصبح الشخص الذي يرسل المال شريكاً ضمنياً في القرار، سواء بشكل مباشر أو عبر توقعات مرتبطة بكيفية استخدام المبلغ، كما تميل الأسر إلى تخصيص الحوالات للنفقات الكبرى أو الطارئة، بينما يُستخدم الراتب المحلي لتغطية اليوميات، ما يعيد توزيع الأدوار الاقتصادية داخل البيت ويغير توازن القرار المالي».

الثورة

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك