
في ظل الارتفاع المتواصل بأسعار الفروج وتفاوتها بين منطقة وأخرى وعدم انضباط الأسواق، اعتمدت مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك في المحافظات نشرات الأسعار التأشيرية للحوم، في محاولة لكبح الغلاء.
وأثار القرار جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والإنتاجية، إذ انقسمت الآراء بين من يراه تدخلاً حكومياً ضرورياً لضبط الأسواق وحماية المستهلك، وبين من يحذر من تعارضه مع قواعد المنافسة الحرة، فضلاً عن وضع قطاع الدواجن، الذي يمر أصلاً بأسوأ أزماته، بينما ينأى المستهلك بنفسه عن هذا الجدل ويواصل مراقبة الأسعار من كثب، بانتظار انخفاضها لتلائم قدرته الشرائية.
الأسعار الرسمية مقابل السوق
في دمشق، أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة الأسعار التأشيرية للفروج، مشيرة إلى أن القرار يأتي حرصاً على تعزيز الشفافية وتنظيم الأسواق، قبل أن تحذف النشرة لاحقاً دون أي توضيح، وحددت النشرة سعر كيلوغرام الفروج المذبوح المنظف بـ320 ليرة جديدة (32,000 ليرة قديمة)، ووردة دبوس 420 ليرة (42,000 قديمة)، والشرحات دون عظم 450 ليرة (45,000 قديمة)، والجناحات 240 ليرة (24,000 قديمة)، والسودة 310 ليرة (31,000 قديمة)، أما الشرحات فبلغت 540 ليرة (54,000 قديمة).
وتبدو هذه الأسعار بعيدة عن واقع الأسواق في دمشق، إذ بلغ سعر كيلوغرام الفروج الحي نحو 380 ليرة جديدة (38,000 قديمة)، بينما تجاوز سعر كيلوغرام الشرحات 700 ليرة (70,000 قديمة).
وفي إدلب، أصدرت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك، نشرة الأسعار التأشيرية الأولى للفروج واللحوم مطلع الشهر الحالي، قبل أن ترفع أسعار الفروج في النشرة الثانية، الصادرة يوم الإثنين الماضي.
وحددت النشرة الجديدة سعر كيلوغرام الفروج اللحم بـ315 ليرة جديدة (31,500 ليرة قديمة) بدلاً من 285 ليرة (28,500 ليرة قديمة) في النشرة السابقة، والفخذ 305 ليرات (30,500 قديمة) بدلاً من 210 ليرات (21,000 قديمة)، والصدر بعظمه وجلده 395 ليرة (39,500 قديمة) انخفاضاً من 430 ليرة (43,000 قديمة) في النشرة السابقة، والجناح 285 ليرة (28,500 قديمة) بدلاً من 170 ليرة (17,000 ليرة قديمة)، والرقاب 45 ليرة (4,500 قديمة)، والسودة الحرة 310 ليرات (31,000 قديمة) بدلاً من 220 ليرة (22,000 قديمة)، والشرحات بجلد بدون عظم 440 ليرة (44,000 قديمة)، أما الشواية فبلغت 325 ليرة (32,500 قديمة).
كما ارتفعت أسعار وجبات الفروج الجاهزة، إذ بلغ سعر الفروج المشوي وزن 1,8 كيلوغراماً 940 ليرة جديدة (94,000 ليرة قديمة)، بينما وصل سعر الفروج بروستد وزن 1,5 كيلوغراماً إلى 1,030 ليرة (103,000 قديمة).
ووصل سعر كيلوغرام لحم الخاروف بعظمه في إدلب وفق النشرة إلى 1,150 ليرة جديدة (115,000 ليرة قديمة)، بينما بلغ لحم الخاروف (هبرة) 1,600 ليرة جديدة (160,000 قديمة)، ولحم الخاروف (دهن مسوفة) 1,450 ليرة جديدة (145,000 قديمة)، ودهن الخاروف 1,100 ليرة جديدة (110,000 قديمة).
وبلغ سعر كيلوغرام لحم العجل 1,400 ليرة جديدة (140,000 ليرة قديمة)، ولحم البقر 1,100 ليرة جديدة (110,000 قديمة)، ولحم البقر (هزيل) 1,000 ليرة جديدة (100,000 قديمة).
وأرجع بعض مربي وتجار الدواجن في إدلب، خلال حديثهم لصحيفة الثورة السورية، الغلاء إلى ارتفاع أسعار الأعلاف المستوردة بالدولار، وزيادة تكاليف النقل والطاقة، إضافة إلى ضعف الدعم المقدم للمزارع الصغيرة وخروج عدد منها من الإنتاج، ما أدى إلى انخفاض المعروض مقابل ارتفاع الطلب.
وأدى هذا الارتفاع في أسعار الفروج واللحوم الحمراء إلى تراجع الطلب عليهما بنسب متفاوتة، إذ يشير بعض المواطنين إلى أن الأسعار في الأسواق أعلى من تلك التي تحددها مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك، إذ يضع بعض الباعة تسعيرتين: واحدة رسمية وأخرى خاصة بهم.
ويوضح محمد العبد الله، نازح يقيم في مخيمات كفرجالس شمال المحافظة، لصحيفة الثورة السورية، أن التجار والباعة لا يلتزمون بالأسعار الرسمية نهائياً، وكل منهم يبيع “على كيفه”، حسب وصفه، وأضاف العبد الله: “منذ بداية شهر رمضان، أدخلت الفروج مرة واحدة إلى مائدة الإفطار بسبب ارتفاع الأسعار وعدم قدرتي المالية على تأمين المادة المهمة والغنية بالعناصر الغذائية”.
غير قانوني
يرى رئيس لجنة دواجن حماة، حازم شنان، أن قرار تحديد الأسعار وتنظيم ضبوط بحق المخالفين “غير قانوني”، مؤكداً أن هذا الأمر “يتعارض مع الإعلان الدستوري الذي يُكرّس مبدأ اقتصاد السوق الحر كأساس للنشاط الاقتصادي”.
واستغرب شنان من “ازدواجية المعايير الرسمية” متسائلاً عن دور الدولة، وغياب تدخلها للتخفيف من الخسائر التي تعرّض لها المربون خلال دورات الإنتاج السابقة.
وأوضح شنان لصحيفة الثورة السورية أن المربي غير قادر على الاستمرار في عمله ما لم يتمكن من تسديد الديون المتراكمة عليه نتيجة تلك الخسائر المتكررة.
ودعا إلى عدم التشديد في الإجراءات على قطاع الدواجن، لكونه قطاعاً بالغ الحساسية، محذراً من أن أي توقف أو تراجع في هذا القطاع سينعكس سلبياً وبشكل مباشر على الأمن الغذائي في البلاد.
ودعا شنان المعنيين إلى حماية مربي الدواجن ودعم استمراريتهم، بدلاً من “تهديدهم بسياسة الاستيراد” التي قد تُقوّض هذا القطاع الحيوي.
إجراء مؤقت
بالمقابل، يقول معاون مدير مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في إدلب، أسامة الكل، لصحيفة الثورة السورية: إن إصدار النشرة التأشيرية لأسعار الفروج واللحوم الحمراء يهدف إلى ضبط الأسواق ومنع استغلال المواطنين، لا سيما في الظروف غير الاعتيادية، مشيراً إلى أن مديرية الأسعار في وزارة الاقتصاد والصناعة تشرف على متابعة حركة الأسعار في المحافظات، بما يضمن حماية المستهلك، وتوفير مرجعية سعرية عادلة، وتعزيز الاستقرار في السوق.
وأوضح الكل، أن القرار لا يتعارض مع اقتصاد السوق الحر، إنما يُعد “إجراءً تنظيمياً مؤقتاً” يهدف إلى منع الاحتكار والتلاعب، وتحقيق التوازن بين مصلحة التاجر وحماية المستهلك، ضمن إطار سوق منظم وشفاف.
وكانت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق، أعلنت تنظيم أكثر من 500 ضبط عدلي وعيني وأغلقت 15 محلاً تجارياً خلال النصف الأول من شهر رمضان المبارك، بحق فعاليات تجارية مخالفة في أسواق العاصمة، وذلك خلال جولات رقابية واسعة بهدف ضبط المخالفات المتعلقة بارتفاع الأسعار والصلاحية والشروط الصحية.
وأكد مدير مديرية حماية المستهلك وسلامة الغذاء حسن الشوا، في تصريح سابق لصحيفة الثورة السورية، استمرار تكثيف الجولات الرقابية لضبط أي مخالفة تموينية، لا سيما تلك المتعلقة بعدم الإعلان عن الأسعار أو البيع بسعر زائد، وضمان عدم استغلال أي قرار تنظيمي بشكل غير مبرر.
وقال الشوا: إن أي زيادة غير مبررة في الأسعار ستواجه بإجراءات قانونية صارمة، وفق القوانين والأنظمة الوزارية النافذة.
تشخيص الأزمة
يرى الخبير في قطاع الدواجن، زياد نمور، أن وضع أسعار تأشيرية لمادة الفروج “محاولة لاحتواء التداعيات والأخطاء الناجمة” عن سلسلة قرارات سابقة متعلقة باستيراد المادة، مشيراً إلى أن هذه القرارات لم تدرس بعناية كافية قبل إصدارها، سواء من ناحية تحقيق التوازن بين مصلحة المنتج المحلي والمستهلك، أم من ناحية توافقها مع المعايير والتشريعات الصحية والبيطرية المحلية والدولية.
واستبعد نمور أن تؤدي الأسعار التأشيرية إلى توفر المادة في الأسواق بأسعار منطقية للمربين والمستهلكين، لأن الفروج سلعة لا تخضع للاحتكار بطبيعتها، فهي منتجة في مزارع متعددة ومنتشرة، ولا يمكن تخزينها لفترات طويلة، كما أن المستهلك يفضل الطازج على المجمد، وتكاليف التخزين مرتفعة وغير مجدية اقتصادياً.
وأوضح لصحيفة الثورة السورية، أن الفروج سلعة مطلوبة طازجة على مدار العام، ومصادر إنتاجها محلية ومتعددة، وأي محاولة لاحتكارها وتخزينها ستؤدي تلقائياً إلى خروج المحتكر من السوق بسبب عدم قدرته على منافسة الأسعار، لذلك، فإن سعر الفروج يتحدد يومياً بشكل طبيعي وفق آلية العرض والطلب، ولا يمكن تثبيته لأكثر من يوم.
وأكد نمور أن الأساس في تسعير هذه السلع هو كمية المعروض في السوق، فكلما زاد العرض بما يلبي الطلب، انخفض السعر، والعكس صحيح، وضرب مثالاً بانخفاض أسعار البطاطا مؤخراً نتيجة وفرة المعروض، دون صدور أسعار تأشيرية.
ضبط الأسواق
من جهته، يرى الباحث الاقتصادي حسام أبو عمر، أن إقرار النشرة التأشيرية لأسعار الفروج واللحوم الحمراء في ظل عدم انضباط السوق وتفاوت الأسعار والتذبذب المستمر مؤشر يدل على أن الحكومة تعمل على كبح الارتفاعات في المواد الأساسية للمواطنين التي تؤثر سلبياً عليه.
وقال أبو عمر لصحيفة الثورة السورية: إن التدخل جاء في وقت تواصل الأسعار الارتفاع، حتى أن النشرة التأشيرية وضعت على أسعار مرتفعة نوعاً ما، ما يشير إلى رغبة حكومية بضبط الأسواق وعدم تحميل المواطنين أعباء إضافية، خصوصاً في ظل تردي الأوضاع المعيشية نتيجة التركة الثقيلة للنظام المخلوع.
وأضاف: إن النشرة التأشيرية لا تتعارض مع اقتصاد السوق الحر (القائم على تحديد سعر السلع على العرض والطلب) في هذه المرحلة، لأن الأسواق بحاجة إلى ضبط حقيقي في ظل جشع التجار، وعدم وجود مقومات حقيقية لاقتصاد السوق الحر حتى الآن.
حلول بديلة
أشار الخبير نمور إلى أن أي سلعة استهلاكية متعددة المصادر وسهلة التداول ومطلوبة طوال العام، لا تحتاج إلى تسعير حكومي، إذ يخضع سعرها لآلية العرض والطلب، وبالتالي، لضمان توفر الفروج بأسعار مناسبة، يجب التركيز على استمرارية الإنتاج المحلي ومنع خروج المربين من السوق، كما حدث مؤخراً بسبب السماح بالاستيراد الذي خلق منافساً جديداً للمنتج المحلي، ما أدى إلى عزوف المربين عن التربية، وتوقف الإنتاج، ومن ثم ندرة المادة وارتفاع أسعارها.
وشدد على أن الاستيراد أو التسعير التأشيري لا يعالجا المشكلة، وأن الحل في ضمان استمرار الإنتاج المحلي بتكاليف منطقية، خاصة أن سوريا كانت من الدول التي حققت اكتفاءً ذاتياً في لحوم الدواجن وبيض المائدة، وحققت فائضاً للتصدير، مشيراً إلى دراسة محلية تُظهر أن نحو 10 بالمئة من سكان سوريا يعملون في قطاع الدواجن بمختلف مراحله.
من جهته، دعا أبو عمر إلى ضرورة اتخاذ إجراءات حقيقية وصارمة ورادعة ضد كل من يسعى إلى استغلال المواطنين المنهكين من تداعيات الحرب، إضافة إلى تفعيل الدعم الحكومي لقطاع الدواجن ومربي الماشية من خلال تقديم دعم مالي عبر قروض، يشمل دعم الأعلاف والأدوية والمحروقات.
الثورة








