تخطى إلى المحتوى

بين “مخاض الحقول” وضغوط الممرّات.. كيف تؤمّن سوريا أمنها النفطي في حال تعطّلت التوريدات؟

تعتمد سوريا بشكل جزئي على التوريدات النفطية، ففي حال تعطلت هذه الخطوط نتيجة الحرب، ما الخيارات الاقتصادية المتاحة أمام الحكومة السورية لتجنّب شلل قطاع النقل والإنتاج؟ وهل يمكن لزيادة الإنتاج من الحقول المحلية (التي استعادتها الدولة مؤخراً) أن تُغطّي الفجوة، أم إننا أمام سيناريو اضطراري لمواجهة تكاليف الاستيراد بالسعر العالمي؟

أستاذ إدارة اعمال في جامعة حلب الدكتور خليل حمدان أوضح لـ “الوطن” أنه إذا تعطّلت التوريدات النفطية نتيجة الحرب أو بسبب اضطراب الملاحة في مضيق هرمز أو باب المندب، فإن التأثير لن يقتصر على نقص المحروقات فحسب، بل قد يمتد بسرعة إلى قطاعات النقل والكهرباء والإنتاج الصناعي وحتى أسعار السلع الغذائية، فالاقتصاد السوري يعتمد جزئياً على الاستيراد لتأمين جزء من احتياجاته النفطية، وبالتالي فإن أي اضطراب في خطوط الإمداد الخارجية يخلق ضغطاً مباشراً على السوق المحلية ويزيد من كلفة الإنتاج والنقل.

ورأى استاذ الاقتصاد أنه في مثل هذه الظروف، لا يكون الحل الواقعي البحث عن بديل فوري يُعوّض كامل الكميات المستوردة، بل إدارة الأزمة عبر حزمة من الإجراءات الاقتصادية والتنظيمية التي تخفّف من آثار الصدمة، وأول هذه الإجراءات هو إدارة الطلب على الطاقة، وذلك من خلال إعطاء الأولوية في توزيع الوقود للقطاعات الأكثر ارتباطاً بالحياة اليومية للمواطنين واستقرار الاقتصاد، مثل النقل العام، والزراعة، والمشافي، والأفران، ونقل السلع الغذائية، مضيفا: فترشيد توزيع الموارد المحدودة قد لا يحل المشكلة بالكامل، لكنه يمنع تحوّلها إلى شلل اقتصادي واسع.

واقترح حمدان أن يتم إلى جانب ذلك العمل على تعزيز بدائل الطاقة لتخفيف الضغط على المشتقات النفطية، سواء من خلال زيادة الاعتماد على الغاز في تشغيل محطات توليد الكهرباء، أم توسيع استخدام مصادر الطاقة المتجدّدة مثل الطاقة الشمسية، التي بدأت بالفعل تنتشر تدريجياً في بعض القطاعات المنزلية والتجارية، فكل زيادة في إنتاج الكهرباء من مصادر غير نفطية تعني تقليل استهلاك الفيول والديزل المستخدَمين في التوليد.

ومن الإجراءات المهمّة أيضاً وفقاً لحمدان تنويع مصادر الاستيراد وعدم الاعتماد على مسار تجاري أو مورد واحد، فالتعامل مع الأزمات الدولية يتطلب مرونة في شبكات التوريد، بما يسمح باللجوء إلى أسواق بديلة أو طرق نقل مختلفة عند حدوث اضطرابات في بعض الممرات البحرية.

ويرى أستاذ إدارة الاعمال أنه كما يمكن للحكومة العمل على تعزيز المخزون الاستراتيجي من المشتقات النفطية قدر الإمكان، بحيث يتم تكوين احتياطي تشغيلي يكفي لفترة زمنية معقولة في حال حدوث اضطرابات مفاجئة في الإمدادات، فوجود مخزون كافٍ يمنح صانعي القرار مساحة زمنية لإدارة الأزمة من دون انعكاسات فورية على السوق.

أما بالنسبة إلى الحقول النفطية المحلية التي عادت مؤخراً إلى سيطرة الدولة، فنوّه حمدان بأنها تمثّل فرصة مهمة لتحسين الوضع الطاقي على المدى المتوسط، لكنها ليست حلاً فورياً في المدى القصير، فرفع الإنتاج من هذه الحقول يتطلب إعادة تأهيل البنية التحتية، وإدخال تقنيات ومعدّات حديثة، وتوفير استثمارات تسمح بزيادة القدرة الإنتاجية تدريجياً، ومع مرور الوقت يمكن للإنتاج المحلي أن يخفّف من الاعتماد على الاستيراد، لكنه لن يكون قادراً وحده على سد أي فجوة كبيرة بشكل فوري.

وفي حال استمرار الاضطرابات لفترة طويلة، يرى حمدان أنه قد تجد سوريا نفسها مضطرة لتأمين جزء من احتياجاتها النفطية من السوق العالمية رغم ارتفاع الأسعار، وهنا يصبح من الضروري العمل على إدارة كلفة الاستيراد من خلال تحسين كفاءة النقل والطاقة داخل الاقتصاد، وتقليل الهدر في استهلاك الوقود، وتشجيع التحوّل إلى وسائل نقل أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.

وختم حمدان بالقول: بصورة عامة، فإن مواجهة مثل هذه الأزمات لا تعتمد على إجراء واحد، بل على مزيج من السياسات الاقتصادية لا عبر إدارة الطلب على الطاقة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الاستيراد، وتوسيع استخدام البدائل الطاقية، فهذه الأدوات مجتمعة يمكن أن تساعد على تقليل أثر الصدمات الخارجية والحفاظ على قدر من الاستقرار في النشاط الاقتصادي والأسواق المحلية.

محمد راكان مصطفى

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك