تخطى إلى المحتوى

الثورة السورية: من الشرارة الأولى في درعا إلى امتداد الحراك في المحافظات

للعام الخامس عشر على التوالي، يحتفل السوريون بذكرى انطلاق الثورة السورية التي تصادف في الثامن عشر من آذار من كل عام، حيث انطلقت الثورة في هذا اليوم بعد أن مرت بإرهاصات خلال الأشهر التي سبقت هذا التاريخ، مهدت الطريق أمام احتجاجات شعبية سلمية طالبت بإصلاحات واسعة، قبل أن يرفع السوريون سقف المطالب بإسقاط النظام، بعد أن سقط ضحايا من المتظاهرين منذ اليوم الأول، في محاولة من الأجهزة الأمنية لقمع وإسكات الشارع السوري، لتعم المظاهرات في جميع أنحاء البلاد.

واتخذ النظام المخلوع وأجهزته الأمنية القوة المفرطة والعنف وسيلة لإنهاء الاحتجاجات الشعبية والسيطرة على توسع المظاهرات، من خلال إطلاق الرصاص الحي على التجمعات السلمية وارتكاب مجازر، إلى جانب شن حملات اعتقال استهدفت بشكل أساسي المحافظات والمدن المنتفضة، لكن ذلك لم يجد نفعا، لتدخل الثورة السورية في مرحلة جديدة بعد أشهر، حيث دفع النظام المخلوع المدنيين إلى حمل السلاح للدفاع عن أنفسهم، قبل بدء انشقاق ضباط وعناصر من الجيش والأمن.

إذ لم يكن الانتقال إلى عسكرة الثورة خيارا، بل أجبر النظام المخلوع المتظاهرين على حمل السلاح لحماية المظاهرات السلمية، بعد أن اتهم النظام ما أسماهم بـ “المندسين” باستهداف المتظاهرين وعناصره الأمنية للتنصل من تحمل المسؤولية، في حين أن كاميرات الناشطين وثقت عمليات إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين من قبل عناصر النظام نفسه.

بينما أعلن عسكريون منشقون، على رأسهم المقدم حسين هرموش، في حزيران 2011، تنظيم صفوفهم ضمن “لواء الضباط الأحرار”، قبل تأسيس “الجيش السوري الحر” بقيادة العقيد رياض الأسعد في تموز 2011.

إرهاصات مهدت لانطلاقة الثورة

ما حصل في سوريا في آذار عام 2011 لم يكن معزولا عن الربيع العربي والإطاحة بالنظام التونسي وهروب زين العابدين بن علي، ثم تنحي الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك إثر ثورة كانون الثاني، في الوقت الذي انطلقت فيه احتجاجات في ليبيا واليمن للمطالبة بإسقاط نظاميهما، بينما شهدت دول أخرى تحركات شعبية محدودة طالبت بإصلاحات وانتهت بالاستجابة لمطالب الشارع.

في الوقت ذاته، بدأت تحركات فردية مهدت الطريق أمام انطلاق الثورة السورية وامتدادها إلى باقي المحافظات، إذ تمثلت هذه التحركات بدعوة للتظاهر في الجمعة الأولى من شهر شباط، أطلقها ناشطون سوريون عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خارج البلاد، لكنها لم تلق استجابة، إلا من الأجهزة الأمنية التي انتشرت في الشوارع للسيطرة على أي تحرك شعبي.

لكن شهدت بعض المحافظات، بينها العاصمة دمشق، كتابات مناهضة لنظام الأسد على الجدران دون إثارة ضجيج أو انتشار واسع لذلك، نتيجة السيطرة الأمنية ومراقبة تحركات الناشطين.

وفي السابع عشر من شباط، خرجت مظاهرة دامت لدقائق على خلفية إهانة شرطي لمواطن في الحريقة بدمشق، وأطلق شبان هتافات مثل “الشعب السوري ما بينذل”، لكن سرعان ما تحولت إلى هتافات مؤيدة للرئيس المخلوع بشار الأسد.

بعد ذلك، نفذ ناشطو المجتمع المدني وقفة أمام السفارة الليبية تأييدا للثورة الليبية في الثاني والعشرين من شباط، حيث رددوا هتافات مثل “يا حرية وينك وينك حكم معمر بينا وبينك”، و”خاين يلي بيقتل شعبو”.

إلا أن الحدث الذي حمل بعدا آخر كان كتابات على جدران مدرسة في درعا البلد بمحافظة درعا، جنوبي البلاد، إذ جرى اعتقال مجموعة أطفال أواخر شباط بتهمة كتابة عبارات مناهضة لنظام الأسد على سور مدرستهم، مثل “الشعب يريد إسقاط النظام” و”إجاك الدور يا دكتور”، وتم اقتيادهم إلى فرع الأمن السياسي في درعا حيث تعرضوا للتعذيب.

وفي حين تعرض وجهاء من ذويهم للإساءة من قبل رئيس الفرع عاطف نجيب، مهد ذلك للشرارة الأولى من المحافظة الجنوبية التي باتت تعرف بعد ذلك بـ “مهد الثورة السورية”.

وفي الخامس عشر من آذار، خرج العشرات بمظاهرة في سوق الحميدية بدمشق، وردد المتظاهرون هتافات تنادي بالحرية، لكن سرعان ما فضت القوات الأمنية المظاهرة واعتقلت عددا من المشاركين فيها، إذ جاء ذلك على خلفية دعوة أطلقها ناشطون عبر صفحة “الثورة السورية ضد بشار الأسد” على منصة “فيس بوك”.

بينما نظم أهالي معتقلي رأي وناشطون حقوقيون اعتصاما أمام وزارة الداخلية للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين في سجون النظام السوري في اليوم التالي، لكن جرى قمعه من قبل القوات الأمنية واعتقال بعض المشاركين والمشاركات.

انطلاق الثورة في 18 آذار

تحت اسم “جمعة الكرامة”، أعاد ناشطون الدعوة إلى التظاهر في الثامن عشر من آذار، حيث استجابت مدينة درعا بخروج مظاهرة سلمية شارك فيها المئات، في حين ردت القوات الأمنية بإطلاق الرصاص الحي والمباشر على المتظاهرين، بعد عدم قدرتها على السيطرة على الموقف وفض المحتجين، ما أدى إلى سقوط أول شهيدين في الثورة السورية، هما محمود الجوابرة وحسام عياش.

ويعد ذلك أحد أسباب استمرار الثورة وامتدادها إلى المدن والمحافظات الأخرى، ليكون تاريخ الثامن عشر من آذار تاريخ انطلاق الثورة وعيدها.

في اليوم ذاته، استقدم النظام السوري تعزيزات عسكرية إلى مدينة درعا، وصلت بعضها عبر الطائرات المروحية بعد انطلاق المظاهرة من جامع الحمزة والعباس في المدينة، إذ اقتصرت المطالب على الحرية والمطالبة بالتغيير، إلى جانب إطلاق سراح الأطفال المعتقلين.

وشهدت بعض المدن السورية حراكا محدودا مثل مدينة دوما بريف دمشق وبانياس وحمص، لكنه لم يستمر طويلا.

تحول تشييع الشهيدين في اليوم التالي إلى مظاهرة رفعت شعارات نادت مجددا بالحرية، مثل “الله سوريا حرية وبس” و”من حوران هلّت البشاير”، في إشارة إلى انطلاق الثورة ودعوة المدن والمحافظات السورية للانخراط في الثورة.

بعد أيام، نفذت قوات النظام المخلوع مجزرة أثناء اقتحام الجامع العمري بدرعا البلد، حيث جرى تنفيذ إعدامات ميدانية راح ضحيتها أكثر من عشرة أشخاص، بينهم الطفلة ابتسام المسالمة (11 عاما)، والطبيب علي غصاب المحاميد، الذي قتل أثناء إسعاف الجرحى في سيارة الإسعاف، وهو أول طبيب قتل بنيران النظام المخلوع.

ما حصل أثار أهالي ريف درعا الذين توجهوا إلى المدينة سيرا على الأقدام بأعداد قدرت بالآلاف حاملين أغصان الزيتون تعبيرا عن سلمية المظاهرة، حيث وقعت مجزرة “الأربعاء الدامي” في الثالث والعشرين من آذار، راح ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى من ريف درعا الشرقي، معظمهم من مدينة الحراك وبلدة خربة غزالة.

وازدادت وتيرة الاحتجاجات في محافظة درعا في الجمعة التالية في الخامس والعشرين من آذار، إثر استخدام النظام المخلوع العنف المفرط والرصاص الحي، بينما انتشرت نقاط تظاهر سلمية في دمشق وريفها وحمص وحماة واللاذقية وبانياس ودير الزور، قابلها النظام المخلوع وجيشه بالعنف أيضا، ما أدى إلى وقوع المزيد من الضحايا.

بعد ذلك، عمت المظاهرات سائر المدن والمحافظات السورية بمشاركة فئات مختلفة من الشعب السوري، في حين أن النظام المخلوع بدأ يصف المتظاهرين بالإرهاب تمهيدا لاقتحام الجيش للمدن الثائرة.

حيث اقتحم جيش النظام المخلوع بالدبابات والمدرعات عدة مناطق، بينها درعا والمعضمية بريف دمشق، ونفذ حملات دهم واعتقال بعد تنفيذه مجزرتين: الأولى مجزرة الساعة بحمص في الثامن عشر من نيسان، والثانية في الثاني والعشرين من نيسان عند سوق الهال – الزبلطاني بدمشق.

واصل النظام السوري في ذلك الوقت استخدام العنف المفرط في سبيل قمع الثورة السورية، لكن الحراك الشعبي استمر رغم وقوع أعداد كبيرة من الضحايا، الأمر الذي دفع السوريين إلى الاستمرار بهدف الخلاص من النظام، الذي واصل حملات الاعتقالات والتعذيب، بينهم الطفل حمزة الخطيب، الذي استشهد في أيار 2011 بعد اعتقاله وتعذيبه بشكل وحشي.

لم يتم اختيار درعا

انطلقت شرارة الثورة السورية من محافظة درعا، لكن من دون تنسيق مسبق مع ناشطين داخل أو خارج البلاد، إذ لم يتم تحديد درعا لتكون نقطة البداية، بحسب حديث الناشط عمر عللوه، الملقب سابقا بـ “عبد الله أبازيد”، الذي نقل ما جرى في الأيام الأولى من انطلاق الثورة لوسائل الإعلام باعتباره شاهدا على ما يجري.

وقال عللوه، في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، إن درعا لم تختر لبداية الثورة، بل إن الظروف اجتمعت فيها لتنطلق منها الشرارة الأولى، وليس نتيجة قرار سياسي أو تنظيمي، بل كان نتيجة ظروف اجتماعية وسياسية متراكمة، آخرها اعتقال الأطفال وإهانة أهاليهم، ما ولد شعورا جماعيا بالإهانة وتحول إلى احتجاج جماعي.

وأضاف: “ما حدث في درعا طبعا لم يكن مجرد احتجاج محلي، بل كان لحظة تاريخية أدرك وأيقن فيها السوريون أن صوتهم يمكن أن يسمع، وأن الخوف الذي حكم حياتهم لعقود يمكن أن يكسر”.

ولعبت درعا دورا مهما في انتقال الحراك لبقية المحافظات السورية، لكن ليس من خلال التنظيم المباشر، بل من خلال التأثير المعنوي والإعلامي على الرأي العام السوري، وفق عللوه.

وواجه النظام المخلوع المظاهرات السلمية في جميع المدن والمحافظات بالقمع والرصاص والاعتقالات، إلى جانب فصل المناطق عن بعضها بوضع حواجز بينها، ما أعطى شعورا للشعب بوصوله إلى نقطة اللاعودة، الأمر الذي رفع سقف المطالب من المطالبة بالتغيير إلى إسقاط النظام.

دور المساجد

نتيجة القمع السياسي للنظام المخلوع على مدار أزيد من خمسة عقود، لم يكن الشعب السوري قادرا على تنظيم نشاطات اجتماعية أو سياسية في ظل غياب أي فضاءات حرة، لذلك لم يكن هناك مكان عام يمكن أن يتم الاجتماع فيه والتخطيط غير المساجد، التي تحولت إلى مراكز لانطلاق المظاهرات منها.

وبات بعضها مستشفيات ميدانية، مثل المسجد العمري في درعا البلد في الأيام الأولى لانطلاق الثورة، إضافة إلى جامع خالد بن الوليد في حمص، وجامع الرفاعي في دمشق.

إذ خرجت أول مظاهرة في درعا بعد صلاة الجمعة من جامع الحمزة والعباس، لكن ذلك لم يكن نابعا من صبغة دينية بقدر ما كان خيارا تكتيكيا، لتوفر عدة عوامل أهمها تجمع عدد كبير من الناس في توقيت محدد يمكن أن يشاركوا فيه من دون تردد.

ويرى الناشط عمر عللوه أن المساجد والساحات العامة من أهم الأماكن التي تجمع فيها الناس بشكل طبيعي، جراء القيود المفروضة على العمل السياسي والمدني في عهد النظام المخلوع، إذ لم تكن هناك فضاءات عامة كثيرة يمكن الاجتماع فيها، حيث لعبت المساجد دورا مهما في هذا الجانب.

وأضاف عللوه لـ “الثورة السورية” أن “المساجد – خصوصا بعد صلاة الجمعة – أصبحت نقطة تجمع رئيسية للمحتجين، حيث كانت تنطلق المظاهرات من هناك باتجاه الساحات والشوارع الرئيسية، أما الساحات العامة فكانت مساحة رمزية للاحتجاج السلمي في حينها، حيث يجتمع الناس للتعبير عن مطالبهم بشكل جماعي ودون خوف”.

وختم الناشط عللوه حديثه بالتأكيد على أن الاحتجاجات في بداية الثورة كانت ذات طابع مدني وشعبي واسع، وشارك فيها كل أفراد المجتمع من مختلف الخلفيات الاجتماعية والثقافية والإثنية.

ومرت الثورة السورية بمراحل متعددة تغيرت فيها أدوات العمل ضد النظام المخلوع، من المظاهرات السلمية إلى المواجهة العسكرية وتشكيل هيئات سياسية، في حين تعرض الشعب السوري إلى التهجير والنزوح واللجوء، ناهيك عن التدمير الممنهج الذي تعرضت له سوريا، خاصة بعد دخول روسيا كحليف عسكري إلى جانب النظام المخلوع، إلى أن انتصرت الثورة السورية في الثامن من كانون الأول 2024، ما أعاد الأمل إلى السوريين للبدء من جديد.

الثورة السورية – أغيد أبو زايد

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك