
يأخذ الدعم الدولي المقدم لسوريا مسارات متصاعدة، في دلالات سياسية واقتصادية غاية في الأهمية، لا تتعلق فقط بالجهود المبذولة لدمج سوريا في الأسرة الدولية ومحيطها الإقليمي فحسب، بل تتعلق أيضا بدفع مسارات التعافي قدما وإنجازها في أقل عدد ممكن من السنوات التي تحتاج إليها الدول الخارجة من حرب. وهذا يرتبط بطبيعة الحال بأهمية دور سوريا وموقعها الجيوستراتيجي سياسيا واقتصاديا، وعليه فإن مساعدتها على استعادة هذا الدور والاضطلاع به تحظى باهتمام خاص، وعلى قاعدة المصالح المتبادلة، الفائدة والإفادة.
على أن هذا الدعم يمكن أن يقرأ في سياق آخر من حيث تمكن الدولة السورية من إنجاز الكثير من الملفات بأقل العقبات الممكنة، مع مساع متواصلة لبسط الأمن والاستقرار، وهو ما يحظى، كما يبدو، بقبول دولي يقابله الدعم المتواصل الذي تحتاجه سوريا في إعادة بناء منظومتها السياسية والمؤسساتية والاقتصادية.
ويبرز ضمن ذلك الدعم الموجه للحوكمة، التي تتقدم في كثير من الأحيان على الشؤون الخدمية، انطلاقا من أن الحوكمة أولى وأهم الخطوات في مسارات التعافي والبناء، لارتباطها بمعايير الشفافية والمساءلة وسيادة القانون لضمان توزيع عادل للموارد، إذ تضمن الحوكمة الرقابة على المال العام وترشيد النفقات.
ومن المتعارف عليه أن تطبيق الحوكمة يسهم في تعزيز النمو الشامل، وتحسين مستويات المعيشة للمواطنين، وتخفيض معدلات البطالة والفقر، وتدعيم العدالة الاجتماعية، ومن ثم تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. ولا يمكن الحديث عن الاستدامة دون التطرق إلى الحوكمة كأحد أعمدتها الأساسية، إذ تسهم في بناء أنظمة إدارية متينة قادرة على التكيف مع التغيرات ومواجهة المخاطر بكفاءة.
وسياسيا، تشير الحوكمة إلى مجموعة من القواعد والممارسات التي تهدف إلى إدارة شؤون الدولة بكفاءة وشفافية ومساءلة، من خلال توزيع عادل للسلطات ومشاركة فاعلة للمجتمع المدني، ما يحقق استقرارا سياسيا وتنمية مستدامة.
واقتصاديا، يشير مفهوم الحوكمة الاقتصادية إلى عملية إدارة الاقتصاد من خلال تطبيق مجموعة من السياسات واللوائح والإجراءات، وتؤثر هذه العملية بشكل مباشر في الوضع المالي وفي مستوى التطور الاقتصادي، وتعتمد عليها المؤسسات في تحقيق الأهداف الاقتصادية المرجوة واستدامة التطور الاقتصادي.
محطة جديدة في مسار تطور العلاقات
أعلن البنك الدولي تقديم منحة بقيمة 20 مليون دولار لسوريا، بهدف تعزيز الكفاءة والشفافية والمساءلة في إدارة الأموال العامة.
وذكر البنك، في بيان، أن مجلس المديرين التنفيذيين وافق في 5 آذار الجاري على المنحة المقدمة من المؤسسة الدولية للتنمية “IDA” لدعم مشروع تعزيز قدرات إدارة المالية العامة في سوريا، مشيرا إلى أن المشروع يهدف إلى تحسين المهام الأساسية المرتبطة بإدارة المالية العامة والمشتريات، ووضع أسس للتحول الرقمي للإجراءات والعمليات الحكومية، إضافة إلى تعزيز ضوابط الموازنة.
وقال المدير الإقليمي لدائرة الشرق الأوسط في البنك الدولي، جان كريستوف كاريه، إن الإدارة المنضبطة والشفافة للأموال العامة تمثل أمرا بالغ الأهمية بالنسبة إلى الدولة السورية لكسب ثقة المواطنين والمجتمع الدولي، لافتا إلى أن هذا المشروع سيدعم الأنظمة الأساسية التي ترتكز عليها الحوكمة الفعالة، بما يعود بالنفع على المواطنين، وسيتم تنفيذه وفق نهج تدريجي يبدأ بالأساسيات أولا لبناء الأنظمة والقدرات الأساسية.
وأكد وزير المالية محمد يسر برنية أن المنحة المخصصة لسوريا، التي وافق عليها مجلس المديرين التنفيذيين في البنك الدولي، والمقدمة من المؤسسة الدولية للتنمية “IDA” بقيمة 20 مليون دولار أميركي، تمثل محطة جديدة في مسار تطور العلاقة بين سوريا ومجموعة البنك الدولي بعد عقود من الانقطاع.
وأوضح برنية، في منشور على صفحته في “فيسبوك”، أن المنحة، وهي الثانية التي تقدم لسوريا، تهدف إلى رفع كفاءة وشفافية ومساءلة استخدام الأموال العامة، مشيرا إلى أن من أبرز مكوناتها إنشاء قسم لإدارة المساعدات المالية “SEAFS” ضمن الوزارة، ليتولى تنسيق المشاريع الوطنية والدولية، وتعزيز الرقابة والانضباط المالي على المساعدات المالية المقدمة عبر مختلف القنوات.
ووجه وزير المالية الشكر إلى مجلس المديرين التنفيذيين في البنك الدولي، لأنه يدعم جهود تعزيز حوكمة إدارة المالية العامة في سوريا، معربا عن أمله في أن يرى سوريا مدرجة على جدول أعمال الاجتماع القادم لمجلس المساهمين، حيث ستناقش مشاريع بمنح تتجاوز قيمتها مليار دولار أميركي، تغطي قطاعات متعددة، وذلك بدعم وتنسيق من وزارة الخارجية والمغتربين.
وكان البنك الدولي قد وافق في حزيران الماضي على منحة لسوريا بقيمة 146 مليون دولار لإعادة تأهيل خطوط النقل والمحطات الفرعية للمحولات الكهربائية، وجاء ذلك بعد أن قال البنك الدولي في أيار الماضي إن سوريا باتت مؤهلة للحصول على تمويلات جديدة بعد تسوية متأخرات مستحقة بقيمة 15.5 مليون دولار دفعتها السعودية وقطر.
مفاوضات سابقة
وفي وقت سابق، أعلن برنية أن سوريا تجري مفاوضات للحصول على منح بقيمة مليار دولار من البنك الدولي لتمويل عملية التنمية في البلاد، كاشفا أنه أجرى مفاوضات مع البنك الدولي للحصول على نحو مليار دولار على شكل منح للسنوات الثلاث المقبلة.
وجاء ذلك على خلفية اجتماع وزير المالية مع أكيهيكو نيشيو، نائب رئيس البنك الدولي لشؤون التمويل الإنمائي، حول مكونات المنح التي يمكن أن تحصل عليها سوريا في الفترة المقبلة، والشروط المرتبطة بذلك.
ولفت برنية حينها إلى أن عملية إعادة البناء ضخمة، وتحتاج إلى عشرات مليارات الدولارات، مضيفا: لقد أسسنا صندوق التنمية السوري لتمويل مشاريع البنية التحتية وإعادة البناء، كما نحاول، مع البنك الدولي، إطلاق صندوق استئماني آخر للحصول على الدعم من المؤسسات.
وتركز سوريا على التنمية الاقتصادية وتمويل جهود التنمية، كما تعمل على تعميق التعاون مع المؤسسات التمويلية الدولية، إلى جانب استقطاب الاستثمارات لدعم مسارات التنمية وجهود إعادة الإعمار.
أحد الأدوات المهمة
على الرغم من أن قيمة المنحة ليست كبيرة مقارنة بحجم التحديات الاقتصادية التي تواجهها سوريا، إلا أن أهميتها تكمن في طبيعتها المؤسسية والإصلاحية، إذ تركز على تعزيز حوكمة إدارة المالية العامة وإنشاء قسم متخصص لإدارة المساعدات المالية داخل وزارة المالية، الأمر الذي يفتح بابا واسعا للنقاش حول دلالات هذا النوع من الدعم، وما يمكن أن يعنيه لمستقبل العلاقة بين سوريا والمؤسسات المالية الدولية.
وترى الدكتورة في الاقتصاد المالي والنقدي، مادلين حاج خليل، أن توجيه المنحة نحو حوكمة إدارة المالية العامة، بدلا من تمويل مشاريع خدمية مباشرة، يعكس توجها معروفا لدى البنك الدولي في الدول التي تمر بمرحلة انتقال اقتصادي أو إعادة بناء مؤسسات الدولة. فالمؤسسات الدولية غالبا ما ترى أن تحسين كفاءة إدارة المال العام يمثل الأساس لأي عملية تنمية مستدامة.
وبمعنى آخر، قبل ضخ استثمارات كبيرة في قطاعات البنية التحتية أو الخدمات، تسعى المؤسسات الدولية إلى التأكد من وجود منظومة مالية قادرة على إدارة هذه الموارد بكفاءة وشفافية.
وحول إنشاء قسم لإدارة المساعدات المالية داخل وزارة المالية، تقول الدكتورة حاج خليل في تصريح لـ”الثورة السورية”: هذا الإجراء يمثل خطوة ذات أهمية كبيرة، إذ يمكن أن يسهم في توحيد إدارة المساعدات والمنح الدولية ضمن إطار مؤسسي واضح، وتحسين التنسيق بين الجهات الحكومية والجهات المانحة، وتعزيز الرقابة والانضباط المالي في استخدام الأموال، إضافة إلى رفع مستوى الشفافية والمساءلة في إدارة الموارد العامة.
وفي هذا السياق، تشير التجارب الدولية إلى أن مثل هذه الخطوات المؤسسية غالبا ما تسبق تدفق التمويلات الكبرى. فدول مثل جورجيا ورواندا عملت في البداية على إصلاح نظم إدارة المالية العامة وتعزيز الشفافية، وهو ما ساعد لاحقا في جذب استثمارات ومساعدات دولية أكبر وتحسين الثقة في اقتصادها.
وتوضح الدكتورة في الاقتصاد المالي والنقدي أن وجود وحدة مؤسسية متخصصة بإدارة المساعدات يمثل أحد الأدوات المهمة في إصلاح الإدارة المالية العامة. ففي كثير من الدول النامية كانت المنح والقروض الخارجية تدار عبر قنوات متعددة ومجزأة، الأمر الذي أدى أحيانا إلى ضعف التنسيق أو عدم وضوح الأولويات. وبالتالي فإن إنشاء قسم مثل “SEAFS” داخل وزارة المالية يمكن أن يؤدي إلى تخطيط أفضل لاستخدام المساعدات الدولية وفق أولويات التنمية الوطنية، وضمان تكامل التمويل الخارجي مع الموازنة العامة للدولة، وتحسين عملية متابعة المشاريع الممولة دوليا وتقييم نتائجها، إضافة إلى تعزيز الثقة بين الحكومة والجهات المانحة.
ولعل تجربة المغرب العربي في تطوير منظومة إدارة المساعدات الدولية تقدم مثالا مهما، إذ ساهم إنشاء وحدات متخصصة داخل وزارة المالية في تحسين إدارة التمويل الخارجي وربطه بالخطط التنموية الوطنية.
مجلس المساهمين في البنك الدولي
وحول الرغبة السورية التي أعلن عنها برنية، معربا عن أمله في أن يرى سوريا مدرجة على جدول أعمال الاجتماع القادم لمجلس المساهمين، حيث ستناقش مشاريع بمنح تتجاوز قيمتها مليار دولار أميركي، تغطي قطاعات متعددة، وذلك بدعم وتنسيق من وزارة الخارجية والمغتربين، لفتت خليل إلى أن إدراج سوريا على جدول أعمال اجتماع مجلس المساهمين في البنك الدولي، إذا ما تم، يحمل دلالات سياسية واقتصادية مهمة. فهذا التطور يعكس اهتماما متزايدا بإعادة إدماج سوريا تدريجيا في منظومة التمويل والتنمية الدولية بعد سنوات من العزلة المالية. وغالبا ما تبدأ هذه العملية بمنح وبرامج دعم مؤسسي محدودة نسبيا، قبل أن تتوسع لاحقا لتشمل مشاريع تنموية أكبر في مجالات البنية التحتية والطاقة والخدمات العامة.
وبالتالي، يمكن القول إن المجتمع المالي الدولي بدأ ينظر إلى سوريا مرة أخرى باعتبارها بلدا يمكن إدماجه في برامج دعم وإعادة بناء المؤسسات، كما أن مناقشة مشاريع بقيمة تتجاوز مليار دولار لا تعني بالضرورة تدفق الأموال مباشرة، لكنها تعني أن هناك مشروعات قيد الدراسة والتقييم، وهو ما يمثل خطوة أولى نحو توسيع التعاون المالي الدولي.
ونوهت الدكتورة خليل إلى أن عودة التعاون مع البنك الدولي في هذه المرحلة يمكن تفسيرها في ضوء عدة عوامل، من أبرزها الحاجة إلى إعادة بناء المؤسسات الاقتصادية وتحسين إدارة الموارد العامة، إضافة إلى التحولات التي شهدتها البيئة الاقتصادية والإقليمية خلال السنوات الأخيرة، والتي قد تفتح المجال أمام أشكال جديدة من التعاون الاقتصادي والتمويلي.
ومن هذا المنطلق، وفقا لخليل، قد تشكل هذه المنحة خطوة أولية تمهيدية نحو برامج إصلاح اقتصادي أوسع في المستقبل، وربما نحو تعاون أكبر مع مؤسسات دولية أخرى مثل صندوق النقد الدولي، غير أن هذا المسار يظل مرتبطا، في المقام الأول، بقدرة الاقتصاد الوطني على تنفيذ إصلاحات تدريجية ومدروسة تعزز الشفافية المالية وتدعم الاستقرار الاقتصادي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الخصوصية الاقتصادية والاجتماعية المحلية.
ويطرح في السياق التساؤل التالي: هل يمكن اعتبار المنحة بوابة لعبور سوريا نحو برامج إصلاح اقتصادي أوسع، وربما التعاون مع صندوق النقد الدولي؟ تجيب الدكتورة خليل بأن من المبكر الجزم بذلك، لكن من المعروف أن إصلاح نظم إدارة المالية العامة وتعزيز الشفافية يعدان من أبرز المتطلبات الأساسية لأي برنامج اقتصادي واسع مع المؤسسات المالية الدولية، سواء مع البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، لذلك يمكن النظر إلى هذه المنحة باعتبارها خطوة أولى في مسار طويل يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين الاقتصاد السوري والمؤسسات المالية الدولية.
وقد شهدت دول مثل فيتنام في تسعينيات القرن الماضي مسارا مشابها، حيث بدأت برامج التعاون مع البنك الدولي بإصلاحات مؤسسية محدودة قبل الانتقال لاحقا إلى برامج تنموية واستثمارية أكبر.
وتبين خليل في السياق أن التوفيق بين معايير الشفافية الدولية والواقع الاقتصادي المحلي يمثل تحديا حقيقيا، لكنه في الوقت ذاته فرصة لتحديث الإدارة الاقتصادية. فالشفافية المالية لا تعني فقط تلبية متطلبات الجهات المانحة، بل تساعد أيضا في تحسين كفاءة إدارة الموارد العامة، وتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والدوليين، وتقليل الهدر المالي وتعزيز الانضباط في الموازنة العامة. وبالتالي، فإن إدخال أدوات الحوكمة والشفافية في إدارة المال العام يمكن أن يشكل رافعة إصلاحية داخلية بقدر ما هو استجابة لمتطلبات دولية.
في المحصلة، قد تبدو منحة بقيمة 20 مليون دولار محدودة من حيث الحجم المالي، لكنها تحمل دلالات مؤسسية واقتصادية أعمق. فتركيزها على حوكمة إدارة المالية العامة يشير إلى أن المرحلة الحالية قد تكون مرحلة إعادة بناء الثقة المؤسسية والمالية بين سوريا والمؤسسات الدولية، وإذا ما نجحت هذه الخطوة في تحسين إدارة المساعدات وتعزيز الشفافية، فقد تشكل بالفعل نقطة انطلاق نحو تعاون اقتصادي دولي أوسع يسهم في دعم مسار التعافي الاقتصادي في سوريا.
الثورة السورية – هبا أحمد









