تخطى إلى المحتوى

بين الأفق الريفي والاكتظاظ المدني.. هل يكسر “الاستثمار التشاركي” جمود إعادة الإعمار؟

بانوراما سورية:

تفرض خريطة الدمار في سوريا واقعاً هندسياً واقتصادياً متبايناً، حيث تختلف إعادة إعمار الأرياف جذرياً عن المدن نظراً لسيادة نمط الحيازة الفردية والمساحات المفتوحة وسهولة اللوجستيات في الريف، مقابل تعقيدات الملكيات الطابقية وضيق المساحات وتهالك البنى التحتية العميقة في مراكز المدن.

وفي ظل أزمة التمويل الخانقة، يبرز “مبدأ التشارك” كطوق نجاة واقعي عبر معادلة المسكن مقابل الحصة الطابقية، حيث يتولى المقاول التنفيذ “على المفتاح” للمتضرّرين مقابل الحصول على شقق إضافية في العقار ذاته، وهو نموذج، وإن كان يحمل بريق الحل السريع، إلا أنه يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الجدوى الاقتصادية للمتعهّد في المناطق ذات القيم العقارية المنخفضة، ومدى قدرة المخطّطات التنظيمية على استيعاب زيادة الكثافة الطابقية لضمان ربحية هذا التشارك.

وفي هذا السياق، يرى خبير التقييم العقاري الدكتور المهندس يوسف سلوم أن السكن الريفي يندرج أساساً في إطار سياسة التنمية الريفية الهادفة لتثبيت السكان المحليين وتشجيعهم على البقاء في مناطقهم للقيام بأعمالهم التي تدعم الاقتصاد الوطني.

واستعرض في حديثه لـ”الوطن” تنوّع أنماط القرى السورية بين القرى المتكتلة وثيقة المساكن في المناطق عالية الكثافة، والقرى المتفرقة في المناطق الزراعية والرعوية، وصولاً إلى القرى الخطية الممتدة على طول الطرق أو الأنهار، والقرى الدائرية والشبكية التي تتميز بتخطيط منتظم وتوزّع مدروس للشوارع والمراكز الحيوية.

ويوضح سلوم أن شكل المسكن ومادته يتدرجان من النمط البدائي إلى الحضري العصري بتأثير العوامل الجغرافية والمناخية ونوع الصخور المتوافرة، حيث تعتمد مادة البناء في الأنماط البدائية غالباً على الطين المخلوط بالتبن أو الأحجار، بينما تتجه القرى في مناطق الزراعة المستقرة ذات الكثافة العالية نحو المساكن المتجاورة والمتلاصقة المبنية من البيتون المسلّح أو الآجر، مع مراعاة التصميم المعماري للأسقف في المناطق المطيرة.

ويعتقد سلوم أن التشاركية بين المقاولين والمالكين تمثّل الحل الأمثل لإعمار المناطق الريفية التي تمنح عائداً استثمارياً مجدياً، غير أن المعضلة الحقيقية تكمن في المناطق غير المجدية اقتصادياً، والتي تتطلب “خريطة طريق” تبدأ بتكليف مراكز الإحصاء بإعداد دراسات اجتماعية وسكانية لتصنيف المناطق المدمّرة، تليها جهود نقابة المهندسين والجامعات للبحث في استخدام مواد بناء محلية طبيعية غير مكلفة تتوافر في البيئة المحيطة.

ويشدّد سلوم على ضرورة إيجاد صيغة قانونية مبتكرة تسمح بربط مناطق التطوير العقاري المجدية القريبة من الأرياف بدعم وبناء السكن الريفي في المناطق المتضرّرة التي تفتقر للجدوى الاستثمارية، لضمان توازن عملية الإعمار وحماية الهوية العمرانية للريف السوري.

ختاماً، تبقى المراهنة اليوم على اجتراح حلول تمويلية وتشريعية تتجاوز الصيغ التقليدية، لتضمن تحويل “التشاركية العقارية” من مجرد مقترح هندسي إلى محرّك اقتصادي قادر على إعادة النبض للأرياف المدمّرة، عبر استثمار الموارد المحلية وتطويق فجوات الجدوى الاستثمارية، بما يكفل صون الهوية العمرانية وتأمين سكن لائق يعيد لمّ الشتات السوري في بيئة مستقرّة ومستدامة.

الوطن

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك