
وفاء فرج
مع الإعلان عن زيادة الرواتب والأجور في سوريا، يترقب المواطنون والقطاع الاقتصادي معاً آثار هذه الخطوة على القدرة الشرائية وحركة السوق المحلية.
وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة إصلاحية للرواتب والأجور وتحفيز حركة الاقتصاد المحلي، وسط تحديات اقتصادية قائمة وأسعار متصاعدة، ما يجعل الرهان على أثر هذه الزيادة محور اهتمام الجميع.
وأصدر السيد الرئيس أحمد الشرع، المرسوم رقم 67 لعام 2026، الذي يقضي بإضافة نسبة 50 بالمئة إلى الرواتب والأجور المقطوعة النافذة بتاريخ صدوره، للعاملين في الجهات العامة والقطاع العام والمشترك الذي لا تقل مساهمة الدولة فيه عن 50 بالمئة.
ويشمل المرسوم، العاملين الدائمين والمؤقتين والمياومين والمتعاقدين، بمن فيهم العاملون بدوام جزئي أو على أساس الإنتاج، وفق ضوابط تتعلق بمستوى الأجر والمؤهل.
كما نص المرسوم على رفع الحد الأدنى العام للأجور والحد الأدنى لأجور المهن لعمال القطاع العام الخاص والتعاوني والمشترك غير المشمولة بأحكام القانون الأساسي للعاملين بالدولة رقم /50/ لعام /2004/ وتعديلاته ليصبح /12,560/ ليرة سورية جديدة (1,256,000 ليرة قديمة) شهرياً.
ويُعمل بالمرسوم اعتباراً من 1 أيار 2026.
وتندرج هذه الزيادة ضمن مسار إصلاح شامل لمنظومة الأجور، وصولاً إلى مستوى يضمن حياة كريمة لجميع العاملين، وفق ما أعلن وزير المالية محمد يسر برنية.
وأضاف برنية أن الأجور المقوّمة بالدولار ارتفعت بأكثر من 550 بالمئة مقارنة بما كانت عليه قبل التحرير، فيما ارتفعت بعض الرواتب بأكثر من 1200 بالمئة.
تنشيط الاقتصاد
تتجاوز التكلفة السنوية للزيادات الأخيرة نصف مليار دولار، تُغطّى بالكامل من موارد ذاتية حقيقية، وفق ما أكد برنية، الذي أشار إلى تمويل الأجور والرواتب والإنفاق العام من موارد الدولة الذاتية دون اللجوء إلى التمويل بالعجز أو طباعة النقود، ما أسهم في استقرار سعر الصرف وانخفاض معدلات التضخم، بعكس أيام النظام المخلوع الذي كان يمول حصراً بالعجز.
ورأى رئيس اتحاد غرف الصناعة السورية، الدكتور مازن ديروان، أن زيادة الرواتب والأجور في سوريا تحمل مؤشرات إيجابية قد تسهم في تنشيط الاقتصاد المحلي.
وأوضح ديروان لصحيفة “الثورة السورية”، أنه لم يطلع مباشرة على تفاصيل الموازنة العامة، لكن مبادئ علم الاقتصاد والمنطق، إضافة إلى معرفته بالواقع السوري، تدفعه لتوقع أن تكون هذه الزيادة “حقيقية” وليست تضخمية.
ويستند ديروان في توقعه إلى استقرار سعر صرف العملة الوطنية لفترة طويلة.
وأشار إلى أن الزيادات السابقة خلال فترة النظام المخلوع، كانت تعتمد على طباعة العملة دون وجود رصيد إنتاجي يدعمها، لذلك تؤدي دائماً إلى ارتفاع الأسعار قبل وصولها إلى المستفيدين، مما يجعلها زيادات وهمية.
وتوقع رئيس اتحاد غرف الصناعة تدوير الجزء الأكبر من هذه الزيادة لتنشيط الاقتصاد المحلي، موضحاً أن مستفيدي هذه الزيادة هم في معظمهم من ذوي الدخل المحدود، الذين لا يزالون بحاجة لتأمين ضروريات الحياة الأساسية، مثل الطعام واللباس والطاقة، وغالباً ما تكون هذه المنتجات محلية.
وأضاف أن قرار زيادة الرواتب الحالي يعكس التوجه نحو دعم القدرة الشرائية للمواطنين وتشجيع الاستهلاك المحلي، ما ينعكس إيجابياً على حركة الإنتاج والتجارة الداخلية.
وبحسب وزير المالية، تولي الحكومة اهتماماً كبيراً لاحتياجات ذوي الدخل المحدود، وجميع الإصلاحات المدرجة ضمن موازنة 2026 ستصب في دعمهم.
وجدد ديروان التأكيد على ما يطرحه اتحاد غرف الصناعة باستمرار، وهو أن تحرير الاقتصاد وإدخال المنافسة هما السبيل الأمثل لرفع المستوى المعيشي للجميع، وعلى رأسهم ذوو الدخل المحدود.
توازن الدخل والنفقات
أكد برنية أن الإصلاحات لا تُنفّذ دفعة واحدة، بل وفق مسار تدريجي يراعي توفر الموارد، بحيث تُتخذ خطوات جديدة كلما تحسنت إيرادات الدولة.
ويتعين ألا تكون هناك آثار تضخمية لهذه الزيادات، حيث لا يزال هناك كبح في جانب الطلب يصاحبه تحسن مستمر وإن كان بطيئاً في الإنتاجية، وارتفاع الأسعار غير المبرر في بعض الأحيان يحتاج لمقاربة جديدة، وفق وزير المالية.
ورأى الخبير الاقتصادي والنائب السابق لرئيس غرفة تجارة دمشق، محمد الحلاق، أن الزيادات الأخيرة في الرواتب والأجور “مهمة جداً”، وبدأت تؤدي “بمكان ما لتخلق توازن” بين الدخل والنفقات والأعباء المعيشية للمواطنين.
وقال الحلاق لصحيفة “الثورة السورية”، إن هذه الزيادات تسعى بشكل أساسي إلى سد الفجوة بين الدخل المتاح للأفراد ومتطلبات الحياة اليومية المتزايدة.
واعتبر أن زيادات الرواتب قد تكون تضخمية، إلا أنها ضرورية في ظل الظروف الحالية لضمان حد أدنى من القدرة الشرائية للمواطنين، مشدداً على ضرورة أن تصاحب هذه الزيادات خطط مدروسة وجادة لجعل الاقتصاد السوري “إنتاجياً أكثر مما يكون استهلاكياً”، بما يضمن استدامته وقدرته على مواجهة التحديات المستقبلية وتحقيق التنمية المنشودة.
ويميز الحلاق بين التضخم الناتج عن تمويل العجز أو عدم وضوح الرؤية الاقتصادية، وبين الزيادات التي تكون “مطلوبة وضرورية” لسد الفجوة المعيشية.
ومع ذلك، رأى الحلاق أن هذه الزيادات قد تؤدي إلى “ارتفاع كتلة الرواتب” على المستوى الوطني، دون أن يقابلها بالضرورة خلق فرص إنتاجية حقيقية تعزز النمو الاقتصادي.
وشدد على أن بناء اقتصاد قوي ومستدام يتطلب توازناً حقيقياً بين النفقات والإيرادات، وأن يكون هناك “اتصال حقيقي يضخ إيرادات للحكومة” من خلال رسوم وضرائب ناتجة عن الأرباح في مختلف القطاعات الاقتصادية الحيوية كالصناعة والتجارة والزراعة والسياحة.
وبحسب الحلاق، هذه القطاعات هي التي تحقق التوازن المطلوب وتعيد الدورة الاقتصادية إلى مسارها الصحيح. وحينما يضعف الإنتاج أو تعاني الظروف الاقتصادية، فإن هذه الزيادات قد تؤدي إلى “خلق عجوزات” في الموازنة العامة.
وأشار إلى أن الاقتصاد قد يستطيع تحمل هذه العجوزات على المدى القصير، لكن رغم ذلك، من الضروري إيجاد بدائل لرفع الإيرادات الحكومية عبر “زيادة عمل الفعاليات الاقتصادية”.
كما أوضح أن هذه الزيادات قد تخلق “ارتباكاً بقطاع الأعمال في بعض الأحيان”، حيث يرتفع الحد الأدنى للأجور، وبالتالي ترتفع حصيلة التأمينات الاجتماعية التي يتعين على أصحاب العمل سدادها. وفي حال عدم قدرة قطاع الأعمال على مواكبة هذه الارتفاعات، قد يضطر إلى تقليص العمالة، مما يحدث “خللاً” في سوق العمل ويؤثر على الاستقرار الاجتماعي.
ولفت الحلاق إلى صعوبة الوضع الاقتصادي الراهن نتيجة الظروف المحلية، وأيضاً بسبب التحديات الإقليمية والدولية، لذلك فإن معالجة الواقع الاقتصادي تتطلب “طاولة مستديرة” تجمع أطراف العلاقة الاقتصادية كافة، بهدف خلق توازن حقيقي ومستدام.
نشاط مؤقت أم دفعة حقيقية للنمو؟
أعرب برنية عن أمله في أن تدخل البلاد عام 2027 وقد تم إنجاز كامل خطوات الإصلاح والتصحيح، بالتزامن مع صدور قانون الخدمة المدنية الجديد، الذي سيُستتبع بنظام متكامل للأجور والرواتب وتقييم العاملين، بحيث ترتبط الزيادات الدورية بغلاء المعيشة وبأداء الموظف.
بدوره، أكد الخبير الاقتصادي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وتأسيس الشركات القابضة، مهند الزنبركجي، أنه نظرياً يمكن تقدير أثر الزيادة الأخيرة في الرواتب على النشاط الاقتصادي بنسبة 50 بالمئة عبر مضاعفة الاستهلاك.
وقال الزنبركجي لصحيفة “الثورة السورية”، إن افتراض أن عدد موظفي الدولة والمتقاعدين المستفيدين من الزيادة يتراوح بين 1.2 و1.5 مليون شخص، وأن زيادة متوسط الراتب بنحو 300 ألف ليرة شهرياً، ما يعني ضخ سيولة إضافية في السوق تتراوح بين 360 و450 مليار ليرة شهرياً، وعلى أساس سنوي قد يصل هذا الضخ إلى 4–5.4 تريليون ليرة داخل الاقتصاد الاستهلاكي المحلي.
وأوضح أن هذه الأرقام توضح آلية “إعادة تدوير الدخل”، حيث إن معظم هذه الزيادة لن تتحول إلى ادخار أو استثمار، بل ستتجه مباشرة للاستهلاك، خصوصاً في السلع الأساسية مثل الغذاء والنقل والطاقة والدواء. وعادة، في الاقتصادات التي تعاني ضعف الإنتاج المحلي، يذهب نحو 70 بالمئة إلى 85 بالمئة من أي زيادة في الدخل مباشرة للاستهلاك، مما يعني نشاطاً ملحوظاً في الأسواق المحلية الصغيرة على المدى القصير، خصوصاً في تجارة المواد الغذائية والأسواق الشعبية والنقل المحلي والخدمات الصغيرة.
من الناحية العملية، رأى الزنبركجي أن هذه الزيادة قد تزيد التضخم بسبب رفع الأسعار من قبل بعض التجار، وتطبيق آلية اقتصاد السوق الحر بطريقة “خاطئة مع انعدام الرقابة التموينية”.
وأضاف أن من أبرز أسباب التضخم المتوقع بعد زيادة الرواتب، تتعلق بأن الاقتصاد السوري يعمل خلال السنوات الأخيرة بطاقة إنتاجية منخفضة نسبياً نتيجة تراجع الصناعة والبنية التحتية والاستثمار. وعندما يرتفع الطلب بسرعة أكبر من قدرة الإنتاج المحلي، يحدث ما يعرف اقتصادياً بـ”تضخم الطلب”، أي أن جزءاً كبيراً من السيولة الجديدة لا يتحول إلى إنتاج بل إلى ارتفاع في الأسعار.
لذلك، غالباً ما كانت الزيادات السابقة في الرواتب تفقد جزءاً كبيراً من قيمتها خلال فترة قصيرة بسبب التضخم.
وحول الأثر التنموي لهذه الزيادة، أوضح الزنبركجي أن السيولة الجديدة قد تسهم في زيادة الطلب المحلي وتحريك التجارة والخدمات، وفي أفضل السيناريوهات قد تضيف ما يقارب 1 بالمئة إلى 2 بالمئة من النشاط الاقتصادي قصير الأجل. أما إذا تسارع التضخم أو ارتفع سعر الصرف نتيجة زيادة الكتلة النقدية، فقد يتحول الجزء الأكبر من هذه الزيادة إلى تضخم، مما يقلل من أثرها التنموي الفعلي.
أما من حيث القطاعات الأكثر استفادة، فمن المرجح أن يستفيد قطاع التجارة الداخلية أولاً، خصوصاً تجارة المواد الغذائية والسلع الأساسية، ثم قطاع النقل والخدمات اليومية. بينما القطاعات الإنتاجية مثل الصناعة والزراعة لن تستفيد بشكل كبير إلا إذا رافق الزيادة برنامج اقتصادي داعم للإنتاج، مثل تخفيض تكاليف الطاقة، وتوفير التمويل، وتحفيز الاستثمار المحلي.
وبدون ذلك، يبقى التأثير محصوراً في تحريك الطلب الاستهلاكي وليس بناء نمو اقتصادي مستدام.
وشدد الزنبركجي على أن الزيادة الحالية قد تضخ مليارات الليرات في الاقتصاد وتعيد تحريك الأسواق لفترة، لكنها لن تتحول إلى تنمية اقتصادية واضحة إلا إذا حدث تحول في بنية الاقتصاد نفسه، أي زيادة الإنتاج وتوسع الاستثمار وتحسن الاستقرار النقدي. ودون هذه العناصر، تبقى الزيادة أداة لتخفيف الضغط الاجتماعي مؤقتاً أكثر منها سياسة نمو اقتصادي طويل الأجل.
الثورة









