تخطى إلى المحتوى

السفير البابوي الجديد في سوريا.. تعزيز دور السوريين المسيحيين

أعلن الفاتيكان، يوم الجمعة الفائت، تعيين المطران بويجي روبرتو كونا سفيرا بابويا في دمشق، والذي سيباشر عمله في دمشق في شهر أيار المقبل، بعد انتهاء عمله سفيرا بابويا في السلفادور. ويأتي تعيين كونا في وقت مهم تمر فيه المنطقة وسوريا، خاصة بعد سقوط نظام الأسد، ودخول سوريا مرحلة جديدة من العلاقات مع المجتمع الدولي وما شهدته من انفتاح متبادل.

المطران كونا أعرب في أول تصريح له، نقلته وسائل الإعلام، عن أمله في توافر كل الظروف التي تمكن المسيحيين السوريين من البقاء في بلدهم، وأشار إلى أن حضورهم يشكل مصدر غنى يقدره غالبية المسلمين نظرا لدورهم الفعال والمستمر في بناء المجتمع.

المسيحيون في سوريا ليسوا سكانا طارئين، إنما يرتبط وجودهم بتاريخ سوريا منذ القدم، وهم على تنوعهم من سكان سوريا الأصليين. إلا أن أحداثا مرت بدءا من ستينيات القرن الماضي وما تلاها تسببت بهجرة أعداد كبيرة منهم، ما أدى إلى انخفاض أعدادهم. لكن الأمر حاليا يختلف، إذ فتحت الدولة الجديدة الأبواب لعودتهم من جديد للمساهمة في بناء البلد وإعمارها مع بقية السوريين.

دعوة للحوار والبناء والحفاظ على التنوع أساس للبناء

أشار المطران كونا في تصريحاته حول تعيينه سفيرا بابويا في سوريا إلى أن المسيحيين في سوريا لطالما عملوا على تعزيز الحوار والمساهمة في تطوير البلاد، وأعرب عن أمله في أن تشكل كفاءاتهم وصفاتهم ركيزة لبناء سوريا أكثر غنى، ليس فقط من الناحية الاقتصادية، بل أيضا على الصعيد الثقافي والإنساني.

وقالت الناشطة والمديرة التنفيذية لمؤسسة “أخضر سوريا” التنموية ربا حنا، خلال حديثها لصحيفة “الثورة السورية”، إن نقطة القوة في سوريا هي في تنوعها الثقافي والديني والعرقي، وإن المسيحيين في سوريا موجودون على كامل التراب السوري، وتنوعهم المذهبي والعرقي كتنوع سوريا. لذلك لا بد من إظهار هذا التنوع وقبول الآخر، والعمل على ترويج سوريا بشكلها الحقيقي كبلد حضاري لاستقطاب النخب السورية الاقتصادية والثقافية للعودة، ما سيساهم في تطوير سوريا وتعزيز الحوار فيها. سوريا اليوم لكل أبنائها.

وأوضحت حنا أن المسيحيين في سوريا ليسوا كتلة واحدة، فهم يشبهون بقية السوريين في تنوعهم، كما يشبهون المناطق التي يعيشون فيها في سوريا، وهم يتنوعون عرقيا ومذهبيا. فهناك الإنجيليون والأرثوذكس والروم الكاثوليك واللاتين وآخرون. ومن هنا، فإن نظرتهم للتعامل الحكومي وبعض المسؤولين تختلف من شخص لآخر، ومن طبقة أو منطقة لأخرى، لكنهم، كحال غالبية السوريين، يعتقدون أن صدور قرارات من بعض المسؤولين ترتبط بطريقة وأسلوب الحياة والمعيشة واللباس والمأكل والمشرب، هي قرارات مقلقة.

فهناك، حسب حنا، قرارات تبدو ارتجالية من بعض المسؤولين، وعدم وضوح في بعض المسؤوليات المنوطة بكل مؤسسة أو مسؤول. ولا يجب أن تبقى هذه الحالة، فهي تعطي مؤشرا على بعض التخبط في إصدار القرارات من جهة، وعدم وجود دراية كافية بتفاصيل البلد وتاريخها وكيفية عيش أهلها من جهة أخرى.

تعزيز الدور المسيحي وأهمية المهاجرين منهم

أكد المطران كونا التزامه بدعم المجتمع المسيحي في سوريا وتعزيز دوره الإيجابي ضمن النسيج السوري المتنوع.

وفي هذا السياق، أكدت حنا أن تعيين السفير البابوي والاهتمام من الفاتيكان بسوريا الجديدة هو نتيجة انفتاح سوريا على العالم وما قابله من انفتاح عالمي، فالسفارة البابوية هي كأي سفارة من الناحية الدبلوماسية، ولكن لها بعد مهم يمثله الفاتيكان وثقل يتمتع به في العالم. وهذا يدل على أن سوريا عادت إلى الخارطة العالمية من جديد.

وبحسب حنا، فإن تصريحات البابا بعد التعيين تدل على رغبة في وجود قنوات مفتوحة مع الحكومة السورية من أجل تعزيز الدور المسيحي في سوريا وإيقاف هجرة المسيحيين السوريين. فاليوم لدى سوريا فرصة بالنسبة لأبنائها المسيحيين وغيرهم من المهاجرين، فهم يشكلون كتلة اقتصادية وبشرية كبيرة في البرازيل والأرجنتين وكندا والولايات المتحدة وغيرها من الدول.

وأضافت حنا أن المسيحيين ينظرون إلى سوريا على أنها وطنهم الأزلي والأبدي، حتى من هاجروا منهم، فلا يزالون في بلاد المهجر يعيشون تفاصيلهم وتقاليدهم السورية، وهم لا يرون أنفسهم إلا سوريين، ودائما يرددون تسميتهم المعتادة أنهم بالنسبة لسوريا “ملح الأرض”.

البعث والاشتراكية وانخفاض أعداد المسيحيين

لطالما حاول النظام المخلوع إظهار نفسه على أنه من يقوم بحماية الأقليات في سوريا، ولطالما حاول أن يظهر أن المسيحيين في سوريا كانوا داعمين له في الحرب التي شنها على الشعب السوري بعد اندلاع الثورة السورية في العام 2011.

إلا أن الحقائق على الأرض تقول عكس ما كان يتم الترويج له. فبحسب الصحفي الفرنسي في صحيفة “لوموند” الفرنسية تيران يغافيان، كان قد نقل عن مسؤول كنسي سوري في العام 2021 أنه “كان المسيحيون يمثلون 25% من سكان سوريا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وتقلصت هذه النسبة إلى حوالي 5% قبيل الحرب الأهلية في 2011، وواصلت الانخفاض لتصل إلى 3.6% فقط في عام 2021”.

وفي هذا السياق، أوضحت حنا أن الهجرة المسيحية في سوريا بدأت بشكل لافت وكبير في حقبة وصول “حزب البعث” إلى السلطة في ستينيات القرن الماضي، وصدور قوانين التأميم التي عانت منها الطبقة البرجوازية من المسيحيين، ما دفع غالبيتهم إلى الهجرة، إضافة إلى المعاناة لدى شريحة كبيرة من المسيحيين، وخاصة السياسيين والمثقفين، من المنظومة الاشتراكية التي رسخها حافظ الأسد وما تخللها من قمع واضطهاد. كما انخفض عددهم من خلال الهجرة خلال الحرب التي شنها النظام المخلوع على السوريين بعد اندلاع الثورة، ومن هاجر منهم هاجر كبقية السوريين.

المسيحيون والدولة الجديدة

منذ الأيام الأولى لتحرير سوريا في كانون الأول 2024، كان توجه الدولة السورية الجديدة نحو المسيحيين على أنهم سوريون كبقية السوريين. وعقد أول اجتماع بين الرئيس أحمد الشرع ووفد من رجال الدين المسيحيين بتاريخ 31 كانون الأول 2024 في دمشق، وجاء اللقاء بالتزامن مع احتفالات الطائفة المسيحية بعيد الميلاد ورأس السنة الجديدة.

ولم تتوقف اللقاءات بين رجال الدين والفعاليات من المسيحيين مع المسؤولين في الدولة، سواء رئيس الجمهورية أو مسؤولين آخرين. وجرت زيارات من المسؤولين للكنائس والمناطق التي يعيش فيها المسيحيون للتأكيد على وحدة الشعب السوري واحترام تنوعه الديني والمذهبي والعرقي.

وفي نهاية تشرين الأول من العام 2025، زار الرئيس أحمد الشرع الكنيسة المريمية بدمشق القديمة، والتقى غبطة البطريرك يوحنا العاشر اليازجي، بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، في الدار البطريركية، وذلك تأكيدا على متانة الوحدة الوطنية بين جميع السوريين باختلاف أديانهم ومعتقداتهم.

واطلع الرئيس خلال زيارته آنذاك إلى الكنيسة المريمية على “العهدة المحمدية”، وهي الوثيقة التي جسدت التعايش بين المسلمين والمسيحيين وضمنت حمايتهم وحرية عبادتهم منذ العقود الأولى للإسلام، وتحمل رمزية كبيرة لدى مسيحيي الشام ومصر.

وتعد “العهدة المحمدية” وثيقة نبوية تنسب للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت بمثابة عقد اجتماعي يناسب تلك المرحلة الزمنية في التاريخ الإسلامي، وما تضمنته من حقوق وواجبات خاصة بأبناء الديانة المسيحية. وأسست هذه الوثائق لعهود من التسامح والتعايش المشترك بين أبناء الديانتين الإسلامية والمسيحية، خاصة في بلاد الشام، وهو ما يعيد التركيز على أهميتها لدى المسيحيين في تعايشهم المستمر مع المسلمين في سوريا.

وخط الرئيس الشرع خلال زيارته للكنيسة في دمشق نصا بدأه بالآية الكريمة: “ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون”، وأضاف الرئيس حينها عبارة تقول إن: “دمشق لهي أول عيش مشترك عرفته البشرية”.

الثورة السورية – عاصم الزعبي

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك