
تشهد الأسواق السورية تفاوتاً ملحوظاً في أسعار السلع مقارنة بمثيلاتها في الدول المجاورة والمنطقة بشكل عام، ما أثار تساؤلات حول الأسباب الحقيقية وراء هذه الفجوة، خاصة بعد تصريح وزير المالية محمد يسر برنية، حول ارتفاع أسعار الحلويات في السوق السورية قياساً إلى نظيراتها في الإمارات، مرجعاً ذلك إلى “جشع بعض التجار” إضافة إلى “ضعف التنافسية”.
لكن بالمقابل يرى البعض أن المسألة مرتبطة بمجموعة من العوامل الاقتصادية، بدءاً من تكاليف الاستيراد وصولاً إلى بنية السوق المحلية، بما يشمل النقل، والكميات، والرسوم والضرائب، إضافة إلى بعض الممارسات الاحتكارية المحدودة.
عوامل متعددة
في حديثه عن فروقات الأسعار، قال برنية لقناة “الإخبارية”: “كنت خلال فترة العيد أشتري بعض الحلويات وأقارن ثمن نفس البضاعة.. من نفس المحل والماركة (العلامة التجارية) في دبي وأبو ظبي ودمشق.. وكانت في دمشق أغلى.. لا أريد أن أذكر ماركة معينة.. أغلب ماركات الحلويات السورية الفاخرة والجيدة موجودة في دبي والسعودية والأردن.. أنا تفاجأت.. هل تكلفة الإنتاج في سوريا أعلى من تكلفة دبي؟ هل تكلفة العمالة لدينا أعلى من تكلفة العمالة في دبي؟ وهل إيجارات العقارات في سوريا أعلى من إيجارات العقارات في دبي؟”.
في هذا السياق، يرى المحلل الاقتصادي الدكتور إيهاب اسمندر، أن الفارق بين السوقين السورية والإماراتية يرتبط ببيئة الأعمال، حيث تتمتع الإمارات باستقرار اقتصادي وبنية لوجستية متطورة، وإمكانية الاستيراد بكميات كبيرة، ما يسهم في خفض التكاليف.
في المقابل، يواجه الاستيراد في سوريا تحديات تتعلق بتوافر القطع الأجنبي، وتعقيدات الإجراءات، وضعف القطاع المصرفي، ما ينعكس على ارتفاع الأسعار.
من جهته، يشير الخبير الاقتصادي الدكتور فادي عياش، إلى أن الفروقات السعرية تعود إلى مجموعة من العوامل، بينها “عدم وضوح الرؤية الاقتصادية من خلال بعض الإجراءات التي تؤثر على استقرار توازنات أسعار الصرف والتكاليف التي تنعكس بدورها على المستوى العام للأسعار”.
وأضاف: “ما زالت توجد بعض حالات الاحتكار والتهريب، وإن بأشكال مستترة، مما يضعف المنافسة الحرة والعادلة التي تسهم في التوازنات السعرية”، لافتاً إلى أن “بعض التجار يلجؤون إلى المبالغة في التحوط لمواجهة حالة عدم اليقين، مما يزيد من هوامش الأرباح ويؤثر على ارتفاع الأسعار”.
بنية التكاليف وبيئة السوق
تعكس فروقات الأسعار اختلافاً في بنية التكاليف، حيث تمر العديد من السلع المستوردة إلى السوق السورية عبر وسطاء، وليس مباشرة من بلد المنشأ، ما يضيف حلقات ربح إضافية وتكاليف نقل أعلى.
كما تلعب الكميات المستوردة دوراً مهماً، إذ إن الاستيراد بكميات محدودة يرفع كلفة الوحدة، مقارنة بأسواق تعتمد على استيراد واسع النطاق، ما يتيح تخفيض الأسعار.
إلى جانب ذلك، تؤثر تكاليف النقل الداخلي والطاقة وأجور العرض في الأسواق على السعر النهائي للسلعة.
وبالحديث الأوسع عن السلع الاستهلاكية بشكل عام، أوضح نائب رئيس غرفة تجارة دمشق السابق، محمد الحلاق، أن بعض العلامات التجارية العالمية أو المواد المتميزة لديها خصوصية سعرية، حيث تتفاوت الأسعار حسب العروض عليها من مركز تسوق إلى آخر، خاصة في دول الخليج.
كما تتفاوت مصادر التصنيع (مصر، السعودية، الإمارات..)، ويؤثر بلد المنشأ على السعر.
وقال الحلاق لصحيفة “الثورة السورية”: من يرغب بشراء مواد متميزة، يجب عليه أن يدفع زيادة، وهذا أمر طبيعي، إذ إن سياسة تسعير السلع المتميزة تقوم بالأساس على وجود فروقات سعرية وعروض متميزة.
كما لفت إلى أن كثيراً من السلع لا يتم استيرادها إلى سوريا من بلد المنشأ، والكثير منها يتم استيرادها بكميات قليلة، وبالتالي تكون أسعارها مرتفعة، نظراً لأنه لا يتم استيرادها من بلد المنشأ أو من المعمل مباشرة، أو قد تكون تواريخ الصلاحية قريبة من الانتهاء، وبالتالي تُباع بأسعار منخفضة للتخلص منها.
التنافسية
في ضوء ما سبق، يتضح أن الفروقات السعرية نتيجة تداخل عوامل عدة، تشمل تقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف الاستيراد والشحن، والرسوم والضرائب، وضعف المنافسة في بعض القطاعات، إضافة إلى بعض الممارسات الاحتكارية المحدودة.
في المقابل، تستفيد الأسواق في الإمارات من بيئة تنافسية مفتوحة، واستقرار نقدي، وكفاءة لوجستية، ما ينعكس على انخفاض الأسعار.
ويؤكد عياش أن المقارنات تُظهر أن الفروقات السعرية بين سوريا والإمارات، خاصة في السلع المستوردة، تعكس اختلافاً في بنية التكاليف وبيئة السوق أكثر مما تعكس عاملاً واحداً بحد ذاته.
وعليه، فإن معالجة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة تشمل تعزيز المنافسة، وتبسيط إجراءات الاستيراد، وخفض التكاليف اللوجستية، إلى جانب تفعيل أدوات الرقابة، بما يسهم في تحقيق توازن أفضل في الأسعار.
من جهته، يتفق الحلاق مع وزير المالية حول أن التنافسية هي الحل، لكنه يرى أن من يرغب بشراء السلع المعروفة والمتميزة فعليه أن يدفع قيمتها.
وأعرب الحلاق عن أسفه، قائلاً: “ما زلنا ندور بنفس الحلقة المفرغة منذ سنين طويلة، وهي اتهام قطاع الأعمال أو التجار بالجشع، حتى في الخضار وارتفاع الأسعار يُتهم التاجر ولا يُتهم الفلاح”، لافتاً إلى أن وجود التنافسية وتعدد الخيارات هو الحل، والقرار يعود للمستهلك”.
وأضاف: “لا شك أن هناك بعض الجشعين، وهناك بعض الإساءات، لكن هذه هي سنة الحياة، ولهذا الأمر وجدت التشريعات والقوانين كي تضبط الأمور”.
الثورة السورية – هلال عون









