
مع سعي سوريا إلى استقطاب رؤوس الأموال الأوروبية ضمن خطة لإطلاق عجلة إعادة الإعمار، يشدد الخبراء على أن النجاح يتطلب بيئة اقتصادية وسياسية مستقرة، ومؤسسات قوية، وشفافية عالية، وبنية تحتية متطورة، إلى جانب وضوح الأولويات الاستثمارية.
وفي هذا السياق، تلعب الجاليات السورية في أوروبا دوراً محورياً كجسر لتشجيع الاستثمارات والتواصل ونقل الخبرات، ما يعزز فرص الانفتاح الاقتصادي ويضمن استدامته على المدى الطويل.
وخلال زيارته إلى ألمانيا والمملكة المتحدة، ركز السيد الرئيس أحمد الشرع، على استقطاب الاستثمارات الأوروبية.
وفي لقاء مع ممثلين عن كبرى الشركات البريطانية ورجال الأعمال البريطانيين والسوريين، بمقر ريفورم كلوب في لندن، الثلاثاء، قال الشرع: نحن الآن في صراع حقيقي في معركة إعادة إعمار بلدنا المدمر، مؤكداً أن سوريا تشكل فرصة مهمة جداً للجميع، وأنها من أفضل الفرص الاستثمارية في العالم.
كما أشار في كلمته خلال منتدى الأعمال السوري الألماني بالعاصمة برلين، الإثنين، إلى إجراءات، بينها تعديل قانون الاستثمار، لتسهيل وتشجيع الاستثمارات في سوريا.
ولفت الشرع أيضاً إلى وجود جالية سورية كبيرة في ألمانيا، ما يتيح للجهات الألمانية التي ترغب بالاستثمار في سوريا الاستفادة من هذه الكوادر التي تعلمت بالجامعات الألمانية.
خيار صائب
رأى عضو نقابة الاقتصاديين السوريين عبد الكريم الناعم، أن التركيز على جذب الاستثمارات الأوروبية يُعد خياراً استراتيجياً صائباً لأسباب عدة، أبرزها أن هذا النوع من الاستثمارات يميل إلى أن يكون طويل الأجل ونوعياً، ما يتناسب مع متطلبات إعادة الإعمار في سوريا.
وقال الناعم لصحيفة “الثورة السورية”، إن أوروبا تمتلك خبرات متقدمة في مجالات حيوية مثل الطاقة المتجددة والبنية التحتية وإدارة الموارد.
إضافة إلى ذلك، فإن القرب الجغرافي والعلاقات الاقتصادية التاريخية يعززان من فرص التكامل مع السوق الأوروبية.
لكن في المقابل، لفت الناعم إلى أن المستثمر الأوروبي يعتمد على معادلة دقيقة ترتكز على مقارنة العائد المتوقع بالمخاطر الكلية، وهي مخاطر لا تزال مرتفعة في الحالة السورية.
أدوات جذب الاستثمارات
أشار الناعم إلى أن جذب الاستثمارات الأوروبية يتطلب حزمة متكاملة من السياسات، تتجاوز الإطار التشريعي إلى أدوات مالية ومؤسسية ودبلوماسية.
فمن الناحية القانونية والمالية، تبرز الحاجة إلى إنشاء صندوق ضمان استثماري مشترك لتغطية المخاطر، واعتماد أنظمة تحكيم دولية، إضافة إلى تقديم إعفاءات ضريبية مدروسة وتسهيلات جمركية.
وفي هذا الإطار، تتجه هيئة الاستثمار السورية نحو إنشاء مركز دولي للتحكيم في المنازعات الاستثمارية، حيث شكّلت لجنة خبراء لإعداد نظامه الداخلي، وذلك بهدف توفير آليات فعالة وسريعة لفض النزاعات، وتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، بما يتماشى مع الممارسات العالمية لضمان بيئة استثمارية آمنة.
أما على المستوى المؤسسي، فيُعد إنشاء هيئة مستقلة للاستثمار وإطلاق منصات رقمية شفافة للتراخيص من الخطوات الأساسية لتقليل البيروقراطية وتعزيز الثقة، وفق الناعم.
بينما تشمل الأدوات الدبلوماسية توقيع اتفاقيات حماية الاستثمار والانخراط في مؤسسات دولية تعنى بضمان الاستثمارات، ما يسهم في تخفيض المخاطر وتحفيز دخول رؤوس الأموال.
تحديد الأولويات
يأتي تحديد القطاعات ذات الأولوية في مقدمة الأدوات العملية التي يراها الخبراء ضرورية لجذب الاستثمارات.
وقال الخبير الاقتصادي حسام عايش، لصحيفة “الثورة السورية”، إن من المهم التركيز على مجالات مثل البنية التحتية، والطاقة التقليدية والمتجددة، والزراعة، والصناعة، والاقتصاد الرقمي، وهي رؤية تتقاطع مع تحليل الناعم الذي يؤكد أهمية توجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات القيمة المضافة العالية.
هذا التحديد يسهم في توجيه الاستثمارات بكفاءة، ويساعد أيضاً على تقديم صورة واضحة للمستثمرين حول الفرص والعوائد، خاصة عند دعمها بدراسات جدوى دقيقة.
وفي هذا الإطار، برز اهتمام ألماني أولي خلال زيارة الرئيس الشرع بإمكانات الاستثمار في قطاعي الطاقة والنقل، إضافة إلى مشاريع الطاقة المتجددة، وهي قطاعات تتقاطع مع أولويات إعادة الإعمار في سوريا.
الجاليات.. جسر واعد
يبرز دور الجاليات السورية في أوروبا كأحد المحاور الرئيسة للمساعدة في جذب الاستثمارات.
وأكد الناعم أن هذه الجالية تمثل جسراً اقتصادياً وثقافياً مهماً، إذ تضم شريحة واسعة من الكفاءات المهنية، إلى جانب امتلاكها موارد مالية يمكن توجيهها نحو الاستثمار، فضلاً عن معرفتها العميقة ببيئة الأعمال الأوروبية.
لكن، رغم هذه الإمكانات، يواجه هذا الدور تحديات حقيقية، من بينها ضعف الثقة المؤسسية، وتعقيدات النظام المصرفي الأوروبي، إضافة إلى تفضيل بعض المستثمرين توجيه أموالهم نحو بيئات أكثر استقراراً.
ويتفق عايش مع هذا الطرح، مشيراً إلى أن دور الجالية يجب أن يُدمج ضمن استراتيجية شاملة، وألا أن يُنظر إليه كبديل عن الإصلاحات الداخلية.
البيئة الاقتصادية
ضمن الإصلاحات التشريعية الخاصة بتهيئة بيئة مناسبة لجذب الاستثمارات، صدر المرسوم رقم 114 لعام 2025، ونص على تعديل بعض مواد قانون الاستثمار رقم 18 لعام 2021 وتعديلاته.
ورأى عايش، أن تعديل قانون الاستثمار يمثل خطوة إيجابية من حيث المبدأ، لكنه يظل مرهوناً بجودة هذه التعديلات ومدى توافقها مع معايير الاستثمار الدولي.
ويتقاطع هذا الطرح مع ما يذهب إليه الناعم، الذي شدد على ضرورة الاطلاع على التجارب الدولية المقارنة.
فنجاح أي إطار تشريعي، بحسب الخبراء، يعتمد على نصوصه، وأيضاً على البيئة الاقتصادية الكلية التي تحيط به، بما في ذلك استقرار سعر الصرف، وتوفر النقد الأجنبي، وكفاءة البنية التحتية، إلى جانب مؤشرات مثل التصنيف الائتماني ومستوى الشفافية.
وأشار الناعم إلى تجربة رواندا، التي نجحت في جذب الاستثمارات بفضل بناء مؤسسات قوية ومكافحة الفساد، في حين لم يحقق قانون الاستثمار العراقي نتائج ملموسة رغم تقدمه من الناحية التشريعية.
منظومة متكاملة
يشدد الخبراء على أن التحدي الأبرز أمام جذب الاستثمارات بشكل عام، والأوروبية بشكل خاص، يتمثل في تحقيق الاستقرار التشريعي والمؤسسي.
وأكد الناعم أن الحوافز القانونية والضريبية تمثل شرطاً ضرورياً، لكنها ليست كافية. إذ تُظهر التجارب الدولية في دول خرجت من حروب، مثل العراق وأفغانستان والبوسنة، أن عودة الاستثمارات الأجنبية ترتبط أولاً بالاستقرار الأمني، ثم المؤسسي، ثم السياسي.
ويتفق الخبراء على أن جذب الاستثمارات الأجنبية يتطلب منظومة متكاملة تشمل الاستقرار السياسي والأمني، والإصلاح المؤسسي، وتعزيز الشفافية، إلى جانب تطوير البنية التحتية والنظام المصرفي.
وضمن هذه المعادلة، يمكن لسوريا أن تستفيد من موقعها الجغرافي ومواردها المتنوعة لإعادة تموضعها كمركز اقتصادي إقليمي، شرط توفر البيئة المناسبة لذلك، وتحويل الرؤى المطروحة إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
الثورة السورية – هلال عون









