علي الراعي:
تنوعت مسيرة عرض الأعمال الفنية، سواء لأجل تسويقها، أو لعرضها جمالياً أخذت ملامح، وأشكالاً كثيرة، تبدأ من جدران الكهوف، ثم إلى الساحات،
ومنصفات الطرق، وصولاً إلى الصالات الفنية الخاصة بعرض الأعمال التشكيلية، و..أخيراً الفضاء الأزرق – الشبكة العنكبوتية – و..ما يهمنا هو الحالة الأخيرة من «العرض الإلكتروني» فهل مثل هذا النشر، أو العرض، فتح آفاقاً، أوسع للعمل التشكيلي، سواء بالتسويق، أو الإعلام، وغيره. ذلك ما سنتلمس إجابته في آراء لعدد من الفنانين التشكيليين، فإلى التفاصيل:
انقلاب على التقليدي
تأتي تجربة فنان الكاريكاتير السوري عبد الله بصمه جي، كعلامة فارقة في المشهد التشكيلي السوري بشكلٍ عام، وهي معلم هام من معالم ساحة رسم الكاريكاتير في سورية، بصمه جي التي عرفت رسوماته عشرات الصحف والمجلات في العالم العربي، وغيره، يقول: كما هو متعارف عليه فإنّ اللوحة التشكيلية بيئتها المعارض وصالات العرض، و..من المعلوم، إن عدد زوار المعارض قليلون، وهم هي عادةً من النخبة الذّواقة، والمهتمة بالفن التشكيلي، و.. من ثمّ، بقيت الأعمال التشكيلية في غالبيتها بعيدة عن الجمهور العام. ويرى أن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت نوافذ هذه القرية الكونية على بعضها البعض مع الآخرين، فأصبح باستطاعة كل فنان، أن ينشر ويوصل أعماله إلى أكبر عدد من المتابعين و..ذلك ما عجزت عنه وسائل الإعلام التقليدية، و..حتى صالات العرض والمعارض مجتمعة.
و..أما بخصوص فن الكاريكاتير وعن تجربته الشخصية في هذا المجال، فيذكر: لقد عملت ببداية حياتي المهنية كرسام كاريكاتير بجريدة الثورة السورية لمدة ست سنوات (1982- 1988)، لأنتقل بعدها للعمل بالصحف العربية لمدة تزيد عن خمسة وعشرين عاماً، و»المصيبة» أنني بقيت بعيداً عن الجمهور السوري، فلم يعد يرى أعمالي، وهذا الجمهور بالذات ما كان يعنيني بالدرجة الأولى في خطابي الفني والجمالي. ورويداً رويداً غاب اسمي وتلاشى عن الساحة الفنية السورية، غير أنه، ومع ثورة وسائل التواصل الاجتماعي، وبفترة قصيرة نسبياً استطعت من خلالها العودة الى الساحة السورية والتفاعل مع جمهورها الخاص والعام من خلال توصيل أعمالي لهم، من هنا اعتبر هذه الوسائل أكبر مسوّق لأعمال الفنان، وأنها ساعدت على الانتشار السريع.
من جهتها ترى الفنانة مفيدة الديوب: إنّ الفن التشكيلي بحد ذاته نوع من أنواع التواصل في المجتمع، وذلك لما يتيحه من طرح مواضيع مختلفة والمشاركة في فعاليات عديدة، والتواصل الاجتماعي بطرقه الحديثة هو الأسرع في نقل الحدث، وفرصة للتواصل مع شرائح مختلفة، حيث تتيح للفنان من موقعه، نشر تجاربه الفنية وإيصال فكرته والتعريف بأسلوبه وهدفه لأكبر شريحة مختصة بالفن خلال وقت وجهد أقل، كما أن هذه الوسائل أصبحت طريقة لتسويق الأعمال الفنية ومتابعة المعارض والملتقيات والأنشطة الفنية وإيصال فكرة الفنان بأسلوب معاصر بحيث يساعد على التعارف بين الجيل القديم ذي الخبرة، والقدرات الفنية وجيل الشباب، ويُتيح فرصة للمتابعة مع شرائح مختلفة من المجتمع ومحبي الفن والثقافة وإمكانية التواصل أكثر مع الفن التشكيلي والتشكيليين، كما وأن مواقع «السوشل ميديا» فتحت آفاقاً جديدة لنشر الفن من خلال دعوات المعارض والندوات والملتقيات الفنية بوقتها المحدد وبأسرع وقت وجهد ممكن وبأقل التكاليف. واستطاعت إيصال الثقافة الفنية وتبادل الخبرات بين الفنانين من بلدان أخرى، ومعرفة ثقافتهم الفنية والاطلاع على تجاربهم ومشاركة بعضهم البعض في معارض من أنحاء العالم كافة. وتُضيف الديوب: أصبح بإمكان المتابع اليوم، فهم مضمون العمل الفني ومدلولاته والتواصل مع الفنان لشرح أعماله الفنية ومناقشتها، وإيصال الفكرة والهدف من وجهة نظر الفنان.
أبواب واسعة
أكثر ما عُرفت أعمال الفنانة فاطمة إسبر، كان من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، وعن أهمية هذا الأمر تقول إسبر: أرى أن وسائل التواصل الاجتماعي فتحت باباً واسعاً للتواصل في المجالات كافة. وبخاصة في مجال الرسم، والتعرف على الفنانين وأعمالهم، وليس أمامنا حاجز أن ندخل ونبحث عن أي اسم وأعماله إلا ونجده أمامنا وبسهولة.. إيجابيات التواصل الشبكي، أولها بالنسبة لي الوقت، فكثيراً ما يفوتني متابعة معارض، وبسبب الوقت أحرم منها، لكن حين ينشر الفنان من أعماله، ومن معرضه أشعر بسعادة، وأعتقد أنه يتيح الفرصة لأكبر عدد من المتلقين أن يشاهدوا أعماله، وتُضيف: سأتحدث عن نفسي وتجربتي، إذ كلما حاولت إقامة معرض تقف أمامي عوائق، فأصرف النظر، وقد أحسست أن الفيسبوك – على سبيل المثال – فتح باباً وإن كان أضيق، إلا أنه وضع بعض أعمالي أمام عيون أكثر مما يمكن أن تكون عن طريق معرض عادي، وإن كان أكثر أهمية من حيث الرؤية المباشرة للعمل بحجمه الطبيعي. ولا بد من ملاحظة أن الفنانين جميعهم لا يكتفون بالعرض في الصالات، بل يعرضون أعمالهم على صفحات التواصل والمواقع الإلكترونية، وفي اللحظة التي ينزل العمل، يكون هناك مشاهدون من بلدان مختلفة، وهذا وحده انتشار مهم .. لاشك أن هناك سلبيات لهذا التواصل – تردف إسبر – وهو أن هذه الوسائل لم تستخدم بطريقة يُمارس فيها النقد البناء، وتبادل الرأي الذي يرتقي بالفن ويدفع بالفنان إلى أفق جديد، وأظن أن هذه سلبية مشتركة في العالم الحقيقي أيضاً.
يتوه المراقب
الفنان التشكيلي علي سليمان يرى أن مواقع التواصل الاجتماعي فتحت آفاقاً واسعة، لكن بشكل فوضوي كما هو الحال بالنسبة للساحة التشكيلية العربية اليوم.. وذلك بغياب النقد والتحليل الفني الجاد، في أوروبا مثلا، يكون من خلال ذلك سوق فنية وصالات وثقافة بوجود ثقة بالمنتج وخبرة المتلقي والجهة التي تعرضه.. الفنان الحقيقي يعرض والطفيلي ينسخ اعماله.. والجو عجاج. نحن في البداية والظروف سيئة، ونحتاج الوقت والفرج. والعمل المخلص والصبر. أما الفنان التشكيلي نزار صابر فيؤكد أن وسائل الاتصال الاجتماعي فتحت دروباً جديدة لنشر الإنتاج الثقافي، ومنها اللوحة. وصرنا نرى آلاف الشعراء والرسامين، و..عدد أقل من المنظرين. وتاه المراقب «غير المختص» من يصدق. ! و فجأة أصبح بعض الفنانين، و بعض المنظرين، وبعض الشعراء، وبعض الرسامين عالميين ..! فقد زادت أعداد الرسامين والنحاتين و سواهم، من ناحية ترى الأمر صحياً، ومن ناحية أخرى، يضيع كل شيء، يضيع العادي مع المتفوق، والرخيص مع الثمين. أما الفنان بولس سركو، فيُشبه هذه المواقع ب»معرض دائم» ومفتوح أمام البشرية جمعاء، أما الفنان أحمد خليل، فيرى ان مواقع التواصل الاجتماعي ساعدت من جهة، وهدمت من عدة جهات، لأن الحقيقة غير مؤكدة، وصفحات التواصل الاجتماعي تساعد في الإعلان عن نشاط وليس لنشر لوحات، وذلك لسبب أن اللوحة لا تُعطى حقها، لا بالحجم ولا باللون، ويعتقد خليل أن هذه الصفحات ساعدت في تعريف المتصفحين العاديين على تعلم الرؤية الجمالية.
و..أخيراً يرى الفنان المصور الضوئي بسام البدر إن لمواقع التواصل أهميتها في نشر الأعمال الفنية، فهي وسيلة كما كانت في يوم من الأيام المجلات والصحف وسيلة للنشر، ومن ثم تأتي المواقع الالكترونية، ومن بعدها جاءت مواقع التواصل الاجتماعي، كالفيس والتوتير والواتس أب، وهناك مواقع متخصصة لنشر الأعمال الفنية وخصوصاً الصور الفوتوغرافية وهو موقع الانستغرام .. وغيرها.
الثورة










