تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية الأديبة فاطمة صالح صالح (صلاةٌ.. لغيومكِ القادمة ) – الجزء الثاني:

  12177752_901258906628745_922538586_n

     استيقظتُ – ذات هروب – وكنتُ قد سقطتُ على الرصيف ، قرب عيادة الطبيب .. حين تركني أخي علي ، صباح أحد الأيام السود .. وذهب ليُحْضر لي الدواء ..
كنت نازلة معه إلى طرطوس ، دون إفطار .. لأنني سأجري تحليلا ً في المخبر ، قبل زيارة الطبيب ..
انخفض ضغطي – ربما – .. شعرتُ بالدوار.. صرتُ أرى المارّة ، وأشجار الشارع ، نصفين منفصلين ، يتأرجحان ..ثم شعرتُ بغشاوة ، كأن ستارة ً قد أُسدلتْ على عينيّ .. واستيقظتُ على صوت رجل ٍ حنون :
– اطلبوا الإسعاف .. اطلبوا الإسعاف ..
فتحتُ عينيّ ..
أنا بين يديّ شابّ لا أعرفه .. خِفتُ .. حاولتُ النهوض ، لم أستطع ..
لاحظَ الخوفَ والدهشة َ في عينيّ :
– لا تخافي .. بسيطة .. الحمد لله على السلامة ..
وقبل أن أستوعِبَ الموقف ، كان أخي قد وصل مُرتعبا ً :
– أختي .. مابك ِ ..؟!
كان أحد المارّة ، قد أوقفَ تاكسي ..
ولا يزال محمود ينفعل عندما نذكر تلك الحادثة :
– تصوّري ..!! البنت تسقط أمامهم .. وكأن شيئا ً لم يحدث .. أنا أصرخ : إسعاف .. ولا أحد يلتفتْ .. كأنها ليستْ مسؤوليّة أحد منهم .. والله .. لولا ذلك الرجل .. كنتُ قلتُ : السلام عليكم .. بلدنا خِليتْ ، وخربتْ ..
لم يتركنا ، إلا عندما ساعَد أخي ، وأجلسوني في السيارة .. وانطلقَ ، مُتابعا ً رياضة الهرولة ، بخفّه الأبيض ، وبجامته الرياضية ..
       انطلقت السيارة ، ولم أرفع نظري عنه ، إلا عندما انعطفَ نحو شارع آخر ..
*************
       كان أبو محمد سعيدا ً بعودة رفيق صِباه ، من البرازيل .. حيث ترك المدرسة قبله ، وسافر مع المسافرين ، من مرفأ بيروت ، إلى ( الرّسيف ) .. في رحلة بحرية ، استغرقتْ حوالي عشرين يوما ً ..
       كانت رسائله قليلة .. لكنه لم ينقطع عن متابعة أخبار قريته ، من خلال أحاديث المغتربين الجدد ، الذين يتوافدون – بين فترة وأخرى – إلى مختلف دول أمريكا اللاتينية .. ويحملون رسائل الأهل ، والأصحاب إلى ذويهم ..
      مرّة ً .. قطعَ أبو محمد عِدّة قرى ، سيرا ً على الأقدام .. ليجد شخصا ً يعرف اللغة الإسبانية .. ليكتب له رسالة إلى ابن خاله الذي انقطعت أخباره ، من أكثر من عام .. وكانت آخر أخباره لا تسرّ أبدا ً .. حيث قيل أنه قد جُرح أثناء قطافه الذرة الصفراء ، في إحدى مقاطعات الأرجنتين .. وأن الحمّى ألزمته الفراش .. وأن أصحابه يشترون له الدواء من حسابهم .. ولم يسمعوا عنه – بعدها – أي خبر .. مما كان يزيد من أعباء العائلة النفسية .. خصوصا ً عمته أم كامل ، التي كانت تُبكي كل الرّعاة ، والحصّادين .. حين كانت تُطلق العِنان لصوتها الحنون ، تردّده الحقولُ والجبال : ( يا قلبي ، دَشّر الهدْواس ، وارتاحْ ..) ( كتر البعد ، بيولّد جفا .. آخ .. آخ ..) إلى آخر ما لديها من أغاني حزينة ، تبكي الأحبة .. ولم تهدأ إلا عندما أحضرَ لهم مُغتربٌ آخر ، رسالة مطوّلة منه ، بعد عدّة أشهر من إرسال رسالة ابن عمته كامل .. يطمئنهم أنه بخير .. وأنه تعافى تماما ً، واشتغلَ كثيرا ً من الأعمال ، حتى وفى ديونه .. ثم استقرّ منذ مدة ، مع أحد المغتربين العرب ، بالعمل بالتجارة .. حيث تحسّنتْ حاله ، واستطاع مع زميله ، تأمين عمل لعدد من المغتربين الآخرين .. وأن زوجته ( السورية الأصل ) ، وأبناءهما بخير ..
       سألت أم كامل ، المغترب ابراهيم ، عن ابن أخيها .. فضحك َ ، وقال :
– والله ، يا خالتي ، لا أعرف عنه شيئاً .. هو في بلد .. وأنا في بلد ..
– لكن أولاد العرب ، كل عمرهم يسألون عن بعضهم في الغربة .. مهما كانوا بعيدين ..!!
ضحك مرة أخرى .. ولم يُجب ..
       صار ابراهيم يتلقى العزائم من أبي محمد ، بشكل شبه يوميّ .. يجتمع مع أهل القرية مساء ً في بيت أبي محمد .. وصارت الجلسات أكثر متعة ، وغنى .. بوجود العم ابراهيم ، الذي كان يُتحفهم بالأخبار الجديدة ، والغريبة .. مما كان يُضفي جوّا ً مختلفا ً على القرية التي صارت أكثر حيوية ً ، بترديدها أخبارا ً منقولة عنه .. أومؤلّفة من قِبَل هواة .. وغالبا ً ماكانت ضيافة أبو محمد – بحضور ابراهيم – تحتوي على لحم الدجاج المشوي ، والمغطّس بالزيت والثوم .. أو على البرغل بحمّص ، الذي اختاره ابراهيم كأول ضيافة يتناولها في بيت رفيق صباه ..
وكانت أم محمد تحضّر الطعام ، ثم ترسله إلى غرفة زوجها ، مع أبنائها ، على أطباق من القشّ .. كانت قد ( دارتها ) مع ابنة عمها ( أمينة ) من سيقان القمح الناعمة ، التي كانوا يشترون لها الصباغ المتعدّد الألوان ، من ( الشيني ) .. وكان الحاضرون من أبناء القرية يتناولون الأطباق من أيدي الصغار ، ويضعونها على ( الطبلية ) الخشبية الدائرية .. أمام الضيف .. الذي كان أكثرهم استمتاعا ً بالطعام الذي افتقده خلال غربته ..
       مرّة ً .. كانت أم محمد قد نسيتْ طبق الدجاج المشوي ، بدون حامض .. ربما لأنها غضبتْ من زوجها الذي ذبح الدجاجة البيّاضة ..
نادى أبو محمد :
– هاتوا لنا ليمونة حامضة ..
هرعتْ منتهى ، التي كانت تُمتِعها عملية البحث ضمن التراب الأبيض في الغرفة الغربية ، عن ثمرات الليمون .. مدّتْ يدها في كومة التراب ، فوجدتْ ثمرة ، لكنها عَفِنة .. ربما لأنها لم تُغَطّ جيدا ً بالتراب .. رمَتها جانبا ً ، وتناولتْ أخرى سليمة .. غسلتها ، وناولتها لأبيها ..
– لماذا لم تسلّمي على عمك ابراهيم ..؟!
احمرّ وجهها ، وهي تمدّ نحوه يدها ، التي لم يُرْخِها ابراهيم ، إلا عندما سحَبتها عنوة ً ..
– ما شاء الله ، يا كامل .. صار عندك صبايا ، وشباب ، بغيبتي ..!!
– الحمد لله ..
– ألله يخلّيلك إياهم ..
أنت ِ ( ليلى ) يا عمي ..؟!
– لا .. أنا ( منتهى ) ..
– منتهى ..؟!
– نعم .. منتهى ، يا ابراهيم .. ليلى زوّجناها لابن أبي أحمد .. شابّ آدمي .. وشغّيل .. وعندها وَلدان ..
– بأيّ صَفّ ، يا عمّي ..؟!
– نجحت إلى التاسع ..
– اللهم صلّ على النبي ..!!
           لا حَظتْ منتهى ، أنه ينظر إليها نظرات غريبة ، متفحّصة .. لم ترُقها .. فخرجتْ مسرعة ً ..
وعندما تكرّرتْ – في مرات تالية – تعليقات العم ابراهيم ، ونظراته المنفّرة ، وغير المفهومة ، تجاه منتهى .. صارتْ  تتهرّب من الدخول إلى غرفة أبيها .. على الرغم من طلب أمها أن تساعد إخوتها في نقل الطعام إلى الضيوف ..
وفي مرة :
– أللهم صَلّ على النبي.. كل أولادك صاروا شبابا ً، يا أبو محمد.. لكن .. أين منتهى ..؟! لم أعُد أراها ..؟!
– يا أم محمد .. أين منتهى ..؟! قولي لها تكلّمني ..
– يا أمي .. لن أدخل .. لن أدخل .. قولي لأبي إنني لستُ هنا ..
واختبأتْ خلفَ توابيت الحبوب ..
لكن .. بعد عدّة أشهر .. كانت منتهى قد أصبحتْ زوجة ابراهيم ..
************
– ألله يعطيك ِ العافية ..
رفعَتْ رأسها .. استوَتْ فوق الطرّاحة .. و – بصوت ٍ خفيض متلبّك – :
– ألله يعافيك ..
يبتسم ..
– ماذا تقرئين ..؟! ما هذا الكتاب ..؟!
– أقرأ .. أقرأ الجبر .. هذا الكتاب ، كتاب الجبر ..
سقطَ القلم من يدها .. رفعتْ خصلة ً من شعرها عن وجهها ، وضعتها خلف أذنها .. استغربتْ :
– لماذا يكلّمني أبي بهذه اللطافة ..؟! لماذا يضحك في وجهي ..؟!
تسارعت ضربات قلبها .. شحب وجهها .. لم تفهم شيئا ً .. خافت .. اضطربتْ ..
– أين إخوتك ِ ..؟!
– محمد .. محمد ، في الحاكورة .. وسليم .. سليم راح يلعب .. و ..
لم تكن تدرك ، هل كان أبوها – فعلا ً – يسألها تلك الأسئلة ، ليعرف الجواب ..؟! أم أن له غرضٌ آخر ..
مما زاد من خوفها ، واضطرابها .. لم تستطع التركيز على درس الجبر ، كما كانت قبل حضوره ..
– معقول أن يكون أبي قد فقد عقله ..؟! أم .. أم هل سيحدث له شيء ..؟!
هل يمكن أن يموت ..؟!
      ازداد اضطرابُها .. خافتْ عليه ، ومنه .. تركت القلم فوق الدفتر، ضمن الكتاب المفتوح .. وقامت ..
هدوء ٌ ، غير معتاد ، في ذلك البيت ، يتخلله حوارٌ ، يبدو أنه جادّ .. بين أبيها وأمها ..
الأب يُملي على الأم .. والأم تستفسر .. وتضيف كلمات ، لم تستطع أذنا منتهى ، أن تلتقطا جملة مفيدة .. بل ، لم تحاول ذلك .. إنما فقط ، حاولتْ أن تناقش في ذاتها مايجري من أشياء بسيطة ، لكنها غير مألوفة ..
       شعرتْ بالقلق ، والخوف يزداد داخل نفسها .. اتجهتْ نحو ( الدار) أمام خمّ الدجاج ، الذي كان مسوّرا ً
بحائط يُبْعِدُ عنه عيون الجيران .. كان أفراد الأسرة يقضون فيه حاجاتهم ..
أفرغتْ ما في أمعائها ، ومثانتها ..
ارتاحتْ قليلا ً.. لكنها لم تستطع التخلّص من ذلك الشعور المُقلق .. ما الذي يحدث ..؟!
أبوها يكلّمها بهدوء ، واتزان .. ويبتسم في وجهها .. ثم يذهب إلى الغرفة التالية ، ويتكلم مع أمها بنفس الطريقة ..!! ويعود يتفقد الحظائر ، وكميات الأعلاف .. يتأكّد من إحكام ربطة الحمارة ، ومن نظافة تحت الدواب .. ثم يعود إلى غرفته ، متباطئا ً – متأمّلا ً .. يغسل يديه ووجهه .. يتمتمُ بصلاة ٍ ، لم يكن قد حان موعدها .. يتناول المصحف الشريف من تلك ( الجيّابة ) ذات القماش القطنيّ الأبيض ، الذي طرّزتْ عليه أخته ( أمينة ) كلمة ( الله .. محمد ) باللون الأخضر..وبين الكلمتين ، طرّزتْ زهرة َ قرنفل حمراء.. وعلّقتها فوق رأس أخيها ( كامل ) ليسهل عليه تناول المصحف متى شاء ..
     دخل عليه أحد الجيران :
– ألله يعطيك العافية ..
وبنفس الهدوء ، والرّويّة .. ختمَ أبو محمد تلاوته ، وأغلق المصحف الشريف .. ثم قبّله – بخشوع – عدّة مرات ، ورفعه فوق رأسه ، تاليا ً بعضَ الأدعية غير المفهومة .. قبل أن يردّ التحيّة لجاره بأحسن منها ، ويدعوه للجلوس .. لكن الجار ، كان قد جلس ، واعتذر من أبي محمد ، لأنه لم ينتبه أنه كان يتلو القرآن الكريم ..
     جلسَ على الكرسيّ الخشبيّ المربّع الصغير ، الذي كان قد قشّشه عند أحد حِرْفيّي القرية المجاورة .. شدّ عنده – حينها – ثمانية كراسي صغيرة ، ومثلها كبيرة ، ذات مساند خشبية .. يكفون البيت سنوات عدّة .. لكنه تضايق ماديا ً .. وصار نزقا ً أكثر .. وازدادَ اهتمامه بالزراعة ..
جرّبَ أن يزرع الذرة الصفراء بكميات أكبر .. ولم نعرف مَن الذي أشارَ له بأن يزرع أيضا ً الذرة البيضاء ، التي لعبتْ عليها منتهى مع إخوتها ، عندما كانت حبوبها مكوّمة في ( السيباط ) بجانب كومة القمح ، وأكوام الحبوب الأخرى .. كتلال ٍ صغيرة .. وكان ذلك سببا ً في حكاك ٍ مؤلم ، وتورّم ، واحمرار في أجساد الصغار .. خصوصا ً منتهى .. وقيل – حينها – أنه ( الشرى ) وقد نصَحَت الجارة ، جدّتهم ، أن تحيط أعناقهم بخيوط من الحرير ، ليزول الحكاك .. ويشفون ..
كما زرع أبو محمد ، حوالي ثلاث دونومات من التبغ ، ساعده عليها الكثيرمن رجال القرية ، ونسائها ، وأطفالها.. كانوا ينقلون المياه من العين البعيدة ، على الحمير ، في ( الرّاويّات ) .. في عملية شاقة جدا ً .. أنهَكتْ ، حتى الحيوانات ..  كما زاد من كمية تربية دود الحرير .. حيث ربّوا – حينها – علبة كاملة ، من البذر .. فقّسَتها أم محمد ، بخِبرتها العالية .. واحتاجتْ أن توقِدَ قربها مدفأة الحطب الحديدية الأسطوانية ، وتلفّها بالبطانية ..
أما ( الكرينات ) فقد داستها معها حماتها ، شاركتها منتهى ، وإخوتها .. بالرغم من تقزّزهم من تلويث أرجلهم بروث الحيوانات ..
دارتْ أم محمد وحماتها وابنة عمها ( أمينة ) أكثر من خمسين ” كرينة ” .. بالإضافة إلى الكرينات الباقيات من العام الماضي ..
كانت العملية تدور فوق السطح الترابيّ ، بعد أن يُرَشّ تحت الكرينة ، قليل من التبن ، ليمنع التصاقها بالسطح ..
تذكر أم محمد ، أنها كانت مرة ً مُرهقة إلى درجة كبيرة .. فاستعانت بابنة الجيران الفقيرة ، لتساعدها في قطف كمية إضافية من ورق التوت ، لأن الكمية لم تكف ِ ..
      كانت ( سهيلة ) تتمنى أن تطلب منها أم محمد أية خدمة .. لتردّ لها بعضَ جميلها عليها ، وعلى إخوتها الصغار .. لأنها كانت تساعدهم كلما سنحتْ لها الفرصة .. بالطعام ، أو اللباس ، أو خياطة ، أو ترقيع بعض الألبسة على ماكينة اليد التي عندها .. لذلك ، لم تتردّد عندما طلبتْ منها مساعدتها بالقطاف ..
( حَلّبَتْ ) أم محمد لسهيلة .. أيّ : جعلتْ من كفيها مدرجا ً ، تصعد بواسطته التوتة ..
وعندما استوَتْ فوقها ، أخذتْ تتناول – مُسرعة ً – بعضَ الأغصان بيد ، وتشفط الورق باليد الأخرى ..
لكنها – وهي منشغلة بهذا العمل العَجول – داستْ ، وهي تنتقل من غصن ٍ إلى آخر ، فوق غصن ٍ طريّ ، لم يحتمل جسدها .. فسقطتْ فوق أم محمد .. التي كانت تشفط ، وهي واقفة ، تحت التوتة .. فأحْنتْ لها ظهرها ، الذي لم يكن يحتاج كثير عناء ٍ كي ينكسر .. دون أن تُصابَ هي بأيّ أذى ..
وكانت هذه الحادثة ، ولا تزال .. تُضحِك كل من يذكرها ، خصوصا ً أم محمد .. حتى بعد وفاة المرحومة الشابّة – محروقة – ليلة َ وَضعها مولودها البكر ..
رحمة ُ الله عليك ِ .. يا سهيلة ..
كنت ِ تقومين بأعباء منزلكم المكوّن من غرفة ترابية كبيرة ، مقطّعة غرفا ً صغيرة .. تفصلها عن بعضها توابيت صدئة ، تحتوي على بعض الحبوب .. والدواب تحت ( السيباط ) .. وكنتم عائلة مؤلّفة من ثلاثة عشر أخا ً ، وأختا ً .. بالإضافة إلى العم المعتوه ..
أبوك ِ ، كان يعمل في لبنان .. يضرب بالفاعل ، أغلب أيام السنة ..
أمك ِ، تلك الفلاحة الكادحة ، التي غالبا ً ما تشكو من فقر الدم .. لأنها كانت تحمل كلما أكملت الأربعين .. وعندما يسألها الأشقياء : – من أين ، يا أم سهيل ..؟!
تردّ : – وعَدتُ أبا سهيل ، إن لم يتزوج عليّ لبنانية .. سأنجب له كل سنة ولدا ً ..
     كنت ِ ، يا سهيلة ، الابنة البكر لتلكَ العائلة الشقيّة .. وكنت ِ تقومين بأغلب أعمال البيت ، والحقل .. لم تدخلي المدرسة ، قطّ ..لكنك ِ تعلّمت ِ القراءة ، والكتابة ، في دورة محو الأمّية ، التي كانت منظمة الاتحاد النسائي تقوم بها بشكل دوريّ .. وحرصت ِ على أن تبرزي تلك الشهادة ، عندما جاء ذلك الشابّ الحمصيّ لخطبتك ، مع أهله .. سألتك  ِ جارتك ِ ( آمنة ) – حينها – :
هل تعرفونهم ، من قبل .. يا سهيلة ..؟!
أجَبْت ِ بالنفي ..
تابَعَتْ ، تلك الجارة الحاصلة على الشهادة الثانوية :
– وكيف تتزوجين واحدا ً لا تعرفين عنه شيئا ً ..؟!
أجَبْتِها بزهوّ :
– إنه ابن مدينة .. وأمه وعدتني أن تكون مثل أمي ..
– وماذا يعمل ..؟!
– موظف ..
– أين ..؟!
– لا أدري .. لكنه يأخذ راتبا ً ، أكثر من ألف ليرة بالشهر ..
مسكينة ، يا سهيلة .. كم عُدت ِ بعد زواجك ِ – مرة ً – إلى بيت أهلك ِ ، باكية ً ، رافضة ً أن تعودي إلى حمص ..!!
وكم عادتْ حماتك ِ وراءك ِ ، مترجّية ً أن تعودي معها .. حالفة ً على المصحف ، أن ابنها لن يعيدها مرة ً أخرى .. !!
       آه ٍ .. عليك ياسهيلة .. !! .. آه ..!!
 كويت ِ أهلك ِ ، وقريتك ِ .. شيبَها ، وشبابها .. كبارها ، وصغارها .. نساءها ، ورجالها.. برحيلك ِ الصاعق ذاك ..
لا تزال معاناتك يا سهيلة .. قبل زواجك الخائب ، وبعده .. في بيئتك الغريبة الثانية .. لا تزال تضغط على صدر كل حُرّ ، وحرّة ، ممن يعرفك في ( عين براعم ) وجوارها ..
بكاك ِ الجميع .. شُيّعت ِ في عين براعم ، كما رغِبْت ِ ، قبل أن تلفظي أنفاسَك ِ ، في ذلك المشفى الكئيب ..
أوْصَيت ، أولا ً ، بحسّان .. أخيك الأصغر .. ثمّ بأمك .. تلك التي كانت تدور في ( الزاروب ) ، حين أتاها خبر وفاتك ، صارخة ً .. نادبة :
– كويت ِ قلبي ، يا سهيلة .. وأنت ِ مَن كنت ِ تداوين قلبي .. أين ذهبت ِ ، وتركتِني ..؟! أين ..؟!
ونساء القرية يُفسِحن الدربَ أمامها .. وهي تروح وتجيء .. وتضربُ على رأسها ، وصدرها ، وجبينها .. نادبة ً ، ثكلى :
– ( وينك ، يا ضوّ عيني ..؟! وينك ..؟! ليش رحتي وتركتيني ..؟! ولمين ..؟! لمين تركتيني ، يا روح قلبي ..؟! لمين ..؟!
نار .. يا عالم ، دخيلكم ، نار .. نار شاعلة بصدري ..!! )
          كان الإحساسُ بالذهول ، والقهر ، والحزن عليك ، يغلّف كل القلوب ..
صحيحٌ ، أنك ِ كنت ِ بسيطة .. لكنك ِ كنت طيّبة ، نقيّة ..
صُدِمْت ِ ، حين انتقلت ِ إلى عالم المدينة ، بعد زواجك ..
كان عالما ً غريبا ً كل الغرابة عن بساطة قريتك ، وعفويتها .. كلّ شيء فيه محسوب ..
سُئِلت ِ ، أول مرة ( تهجّين ) أو تهربين فيها إلى عين براعم ، مُستنجدة ً ببيت أهلك .. عُدت ِ لتنامي بين إخوتك ، على ذلك الحصير المهترئ .. فوق الطراريح الدافئة ، التي طالما ضمّتْ أحزانكم ، لسنوات سابقات :
– كيف أتيت ِ دون زوجك ..؟!
ظنا ً منهم أنك أتيت ( ردّة الإجر ) .. كما كانت تدعى الزيارة الأولى للعروس إلى بيت أهلها ، بعد زواجها بعدّة أيام ؟؟
لم تجيبي على ذلك السؤال .. إنما اكتفيت ِ بإضاعة الحديث من خلال أحاديث تافهة ، متواصلة ..
لكنك ِ – بعد أيام – وكنت ِ قد تغيّرت ِ كثيرا ً يا سهيلة .. لم تعد نظرتك خجولة ، أو بريئة .. صارت خائفة ، حائرة .. بدَوْت ِ مستغربة ً عالما ً أبعَدَ ما يكون عن عالمك في عين براعم ..
وبعد إلحاح من أعز صديقة لك ، شرحت ِ كل شيء دفعة ً واحدة ..
كنت ِ – أول الحديث – حريصة ً ألاّ يسمعه أحدٌ إلا ( فداء ) .. لكنك ِ، ما إن استرسلتِ بالحديث الهامس ، حتى صار صوتك ِ يتعالى تدريجيا ً .. وصرت ِ تسردين ما حصَل لك ِ بسرعة ٍ هستيريّة .. غير عابئة بالفضوليين الذين تجمّعوا حولكما ..
ومن ضمن ما قلت ِ :
– تمنّعْتُ قليلا ً .. كنتُ خجلة .. وخائفة .. لكنه ضربني .. وصرخ في وجهي :
   ( شِبِك ، ولِك ْ .. ؟! العَمَه ..!! أول بنت بشوفا هيك بحياتي ..)
وجُنِنت ِ .. صرخت ِ .. شتمت ِ .. بكيت ِ .. ارتعَبْت ِ :
– يا ويلي ..!! ماذا فعلتُ بنفسي ، وبأهلي ..؟! إلى أين أتيتُ ..؟! يا ويلك ، يا سهيلة ..!! يا ويل أهلك ..!! وعين براعم كلها ..!! لكن ، أين تذهبين ..؟!
 كانت هذه أول جولة هروب لك من ذلك الزوج الوحش .. أما الثانية ، التي تلتها بعد أن أقنعتك حماتك ، أن ابنها سيعاملك أحسن معاملة إذا رجعت ِ .. ولم تتجاوز عودتك ِ شهرا ً من الزمن .. ظنّ الجميع أن حالك اصطلحتْ مع زوجك .. حتى عُدت ِ في حالة أبشع من الأولى بكثير ..
بَدَوْت ِ فيها مختلفة ً جذريا ً .. تحوّلت ِ من فتاة رقيقة ، خجولة .. إلى امرأة ٍ هستيرية ، متصدّعة ، مشتتة ، قلقة .. صوتها يشبه صوت الرجال .. وسلوكها أيضا ً .. لا يُخجلها شيء .. لا تحبّ شيئا ً .. ولا تكره شيئا ً .. أو ، ربما كنت ِ تكرهين كل شيء.. إلا دارَ أهلك ِ ، و ( الدّوّارة ) التي احتضنتْ أول خطاك ِ .. و ( الجْدار )
والحقول التي كنت ِ ترعين فيها دوابك ، و( التلازيق ) التي كنت ِ تحشّين أعشابَها، أو تبَوّرين فيها (كحالة ) .. بعد أن وضعَتْ عِجْلها ..
 اختبأت ِ ، أول ما وصَلت ِ ، تحت ( السيباط ) خلف الدواب .. عَجّت ( كحالة ) ونهقت الحمارة .. وارتفعَ ثغاءُ الخراف ، حين شمّوا رائحتك ِ يا سهيلة .. كنت ِ ترجين ملاذا ً آمِنا ً طالما منحَك ِ الاطمئنان والدفء .. كنت ِ توَدّين العودة إلى زمن ٍ دافئ ، رغم قسوة فقره .. لكنه إنسانيّ ، محَلّيّ ، أهليّ ..
     اجتمَعَ عقلاء القرية .. بطلب ٍ من أهلك .. أقسم زوجك على المصحف الشريف ، وعلى شرف أمه .. أمام أهلك وأهله ، وعقلاء عين براعم .. أنه يتعهّد أن يغيّر أسلوبه جدّيا ً معك ِ هذه المرة .. وأنك ِ جعلت ِ منه إنسانا ً آخر ..
     صَدّقوا .. وصَدّقت ِ .. أو ، ربما حاروا .. وحِرت ِ ..
و عُدت ِ .. ولم تعودي – بعدها – إلى عين براعم ، إلا جثة ً محروقة ، وعلى حضنها رضيعٌ ، مات – كما يقال – عقب ولادته مباشرة ً ..
أما كيف حصل ذلك ..؟! فالعلم عند الله ..
     بقيت ِ عدة أيام في المشفى .. لم تبوحي بطريقة حرقك ، أو بمن حرقك .. لكنك ِ عندما شعرت ِ بدنوّ أجَلك .. طلبت ِ إحضار أكبر اثنين من إخوتك .. لازموك ِ حتى فارقت ِ الحياة – مبتسمة ً – رغم الآلام التي لاتطاق .. بعد أن أوصَيت ِ بأخيك ِ الأصغر .. وبأمك ِ البائسة .. وبأن يدفنوك ِ في عين براعم ..
وبقيت ِ تردّدين الوصيّة ، إلى أن ارتقتْ روحُك ِ الطاهرة ، إلى بارئها .. تاركة ً سرا ً .. أو أسرارا ً .. سيحلّها الزمان .. لكن ، متى ..؟! أيتها الشهيدة ُ الضحيّة ..؟!!!
           ليتك ِ عرفت ِ مكانتك ِ بين أهل قريتك ِ ..!! ليتك ِ عرفت ِ كيف اجتمعوا في جنازتك ، يبكونك – بصمت ٍ جليل – .. كأنهم يعتذرون لك عن ذنب ٍ ما .. ظنوا أنهم اقترفوه بحقك ..
كنت ِ استنجدت ِ بحبهم لك .. وشرحت ِ لهم ظروفك ِ ..
كانوا حفظوك ِ في قلوبهم ، يا سهيلة ..
لم يستطيعوا أن يقدّروا وضعَك ِ .. أغلبهم ، كانوا ببراءتك .. أو ، ربما أرادوا لك ( السّترة ) بالزواج .. ظنا ً منهم أنك ِ ستعيشين حياة ً مرفهة ً، في المدينة .. خالية ً من روث البقر .. وطين الأسطحة .. ونقل المياه من العيون البعيدة ، ليلا ً ، ونهارا ً ، بالجرار الفخارية ..
ظنوا أن يديك ستصبح ناعمة .. لكنهم شاهدوها محروقة ..
ظنوك ِ ، ستنسين الحليب الذي رضِعْتِه ، في عين براعم .. حين تتذوّقين الكبّة باللبن ، والحلويات العربية ، والأسماك …. إلخ
لم يعرفوا أنك لا تستطيعين الحياة ، أو الموت .. إلا في عين براعم ، بينهم .. وأنهم كانوا ، وسيظلون ، عالمك ِ الأرحَب ، والأحَبّ .. إلى نهاية الدنيا ..
( سامحينا ، يا سهيلة ..!! ) كلهم قالوها في وداعك ..
ولم يجرؤ ذلك القذر، أو أمه ، أو أيّ فرد من طرَفهم ، أن يقتربَ من عين براعم .. لا في تشييعك ِ .. ولا بعده ..

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك