مع تفضيلهم للملخصات وبحثهم عن المعلومة المختصرة طــلاب الجامعــات يهجــرون كتابهــم الجامعــي والأســباب في ذمــة الضوابــط الغائبــة لم يعد الكتاب الثقافي والعلمي هو الوحيد الذي فقد هيبته، وهبطت مكانته من رفوف المكتبات، ليسقط على أرصفة الطريق إلى جانب الاكسسوارات وأدوات المنزل، وغيرها من الأمور التي تجدها على الأرصفة، وأصبحت رؤية هذه الكتب من الأمور البديهية التي اعتادت أعيننا على رؤيتها، ولكن ما يحزن في الأمر رؤية ملخصات للكتب الجامعية التي تعود لسنوات سابقة تنتشر على هذه البسطات، وتباع مثلما تباع في مكتبات الجامعة، الأمر الذي أوقفنا ودعانا للتساؤل عن الكتب الجامعية التي لم نعد نجد لها مكاناً لا على رفوف المكتبات الجامعية، ولا حتى على أرصفة الطرقات كباقي الكتب، بعد أن غزت الملخصات الجامعية تلك المكتبات، وتعدت صلاحياتها ليتجرأ الكثير من الطلاب لعرض ملخصات المواد التي قدموها في السنوات الماضية، وعرضها للبيع على الأرصفة، ولأن العديد من طلاب الجامعات بحاجة إلى الكتاب الجامعي، فقد أصبحت الملخصات الجامعية تغزو الجامعات بكلياتها النظرية والعملية، فرخص أسعارها وتناسبها مع دخل الطلاب المحدود جعلهم يفضلونها على الكتاب والمرجع!.
تسجيل المحاضرات
مع مطلع كل عام يأتي عدد من الطلبة ويعرضون علينا القيام بتسجيل المحاضرات وطباعتها للأكشاك، ونحن بدورنا نختار عدداً من الطلاب لكافة المواد للعمل معنا بتسجيل وتفريغ المحاضرات على نسخ ورقية تشكّل ملخصات مصغرة عما يحتويه الكتاب المخصص للمادة المقررة مثلما أوضح لنا “دياب عوفان”، صاحب مكتبة في كلية الآداب، وأكد عوفان أن لا سبب يمنع الطالب من شراء الملخصات طالما أنها توفر المعلومة التي يحتاجها بسهولة، وتعمل المكتبات اليوم على تنظيم حملات اشتراك للطلبة لشراء محاضرات العام الدراسي كله، وبطرق الكترونية متطورة، تهدف في النهاية لمساعدة الطالب على تحصيل درجات مقبولة، أما الطلاب الراغبون في الحصول على معدلات عالية فلا يمكنهم الاعتماد على هذه الملخصات بشكل كلي، لذا نجدهم يلجؤون لشراء الكتب لدراسة كل المعلومات الموجودة، سواء تم ذكرها في المحاضرة أو لا، تحسباً لأي سؤال يأتي من خارج إطار ما ذكره الدكتور في محاضرته.
هجرة للكتاب
أثناء ردهم على تساؤلاتنا حول أسباب لجوء الطالب إلى الملخصات الدراسية، وابتعاده عن الكتب الجامعية التي من المفترض أن تكون المرجع الأول والأخير له في حياته الدراسية والعملية، دافع الكثير من طلبة الكليات العلمية، خاصة كليتي الطب والصيدلة عن الكتاب الجامعي، وأكدواعزوفهم كطلبة عن شراء الملخصات بدلاً من الكتب، وذلك لأن الأساتذة أولاً لا يكتفون بما يلقونه في المحاضرة، ولأن الملخصات غالباً ما تحتوي على أخطاء، ولا تقوم بشرح المعلومة بطريقة يسهل فهمها، وقالوا: إننا ندرس اختصاصات غير سهلة كباقي الفروع الأدبية، أما طلاب الكليات الأدبية فيبحثون عن التلخيص، لأن بعض الكتب، وحسب اتهامهم لها، تمتلئ بالمعلومات الكثيرة التي لا تهم الطلاب، ولكن الهدف منها زيادة عدد صفحات الكتاب، وبالتالي يفضّل الكثير من الطلاب في هذه الفروع الملخصات لأنها توفر الوقت والمال عليهم، عدا على أن الملخصات تحتوي على أهم المعلومات التي ترد في الكتاب حسب قولهم.
أما طلاب أقسام اللغة الانكليزية والعربية، فقد اشتكوا من عدم وجود كتب مطبوعة للكثير من المقررات، لذا يلجؤون لشراء الملخصات عوضاً عن الكتاب، وهنا يبقى اللوم على جامعة دمشق وليس على الطلبة.
أخطاء بالجملة
وبناء على حديث عدد من الطلبة في الفروع الأدبية حول غياب الكتاب الجامعي عن الكثير من الكليات، وعدم وجود ضوابط لبيع الملخصات أو المتاجرة بها من قبل القائمين على المكتبات التي اتخذت من العلم صنعة لها، اتجهنا بسؤالنا لعدد من أساتذة الجامعات الذين نفوا بدورهم غياب الكتاب الجامعي، ورفضوا حلول هذه الملخصات مكان هذا الكتاب، فالدكتورة رشا شعبان، “قسم علم اجتماع”، أكدت عدم تشجيع الأساتذة لطلابهم على شراء الملخصات الدراسية، مشيرة إلى أن معظم أعضاء الهيئة التدريسية يتفقون على عدم شرعية هذه الملخصات باعتبارها اختصاراً للمحاضرات، وغير مدققة من قبل الأستاذ، فضلاً عن احتوائها على أخطاء نكتشفها عند تصحيحنا للأوراق الامتحانية التي تحتوي على الأخطاء نفسها لدى معظم الطلبة، وهذا دليل على أنهم درسوا من الملخص نفسه، أما فيما يخص لجوء الطلاب إلى الملخص الموجود في الأكشاك في حال غياب المقرر الجامعي، فأجاب الدكتور محمد الرفاعي، “قسم اللغة الانكليزية”، قائلاً: هذا أمر نادر، كما أن الجامعة وضعت ضابطاً لهذه المسألة، ففي حال غياب الكتاب بإمكان الأستاذ أن يقدم “النوتة” إلى مطبعة الجامعة التي تتولى بدورها طباعتها وتوزيعها، وفي هذه الحالة تكون المسألة مضبوطة، أما ما يباع في المكتبات فهو نوع من الفوضى غير المقبولة لا من قبل رئاسة الجامعة، ولا من قبل أعضاء الهيئة التدريسية.
نسبة نجاح ضئيلة
اتجهنا في بحثنا إلى الكليات العلمية لنجد أن ملخصات المحاضرات لا يقل وجودها عن تلك التي تباع في أكشاك الفروع الأدبية، وعند سؤالنا للدكتور محمد غريب، “عميد كلية الهندسة المدنية”، كان الجواب واضحاً بأن الكتاب الجامعي هو المرجع الأساسي لجميع الطلبة، وإذا أراد الأستاذ الجامعي أن يعطي شيئاً من خارج الكتاب فله الحق بذلك بنسبة 20{844ffa2143412ea891528b2f55ebeeea4f4149805fd1a42d4f9cdf945aea8d4e}، بما يفيد الطلبة، ونحن في كليتنا في تأكيد دائم لأعضاء الهيئة التدريسية على عدم نشر أية ملخصات سوى عن طريق مكتب النشر والإعلام الالكتروني في الكلية الذي أحدثناه مع بداية هذا العام، ونقوم بمساءلة الأستاذ الذي ينشر أية معلومة دون توقيعه على ذلك، وفي المقابل أكد الدكتور حسين تينة، “عميد كلية الهندسة الميكانيكية”، أن 99{844ffa2143412ea891528b2f55ebeeea4f4149805fd1a42d4f9cdf945aea8d4e} من مواد الكلية عبارة عن كتب مطبوعة، وخاصة مواد السنوات الأخيرة، حيث تكون الموضوعات عملية لا يستطيع الطالب فهمها من ملخصات، بل لابد من العودة للكتاب حتى مستقبلاً في الحياة المهنية، لذا فإن موضوع الملخصات هو مرفوض قطعاً، ونقوم بمعاقبة الأساتذة والأكشاك التي تبيع هذه الملخصات، لكن الأكشاك التي تقع خارج حرم الجامعة لا نستطيع منعها لأنها تكون متعاقدة مع طلاب سريين، أما عن سبب تراجع نسب النجاح في السنتين الأولى والثانية في كلية هندسة الميكانيك، وإلقاء الطلبة اللوم على عدم وجود كتب جامعية، فقد أكد لنا تينة وجود كتب جامعية لهذه السنوات، لكن عدداً من الأساتذة يلجؤون لإعطاء المحاضرة عن طريق تقنية “البور بوينت”، وبالتالي لا يستطيع أحد تلخيص المحاضرة وبيعها، وعند الامتحان تأتي الأسئلة من ضمن المحاضرة، وليس من الكتاب، فنجد نسبة النجاح قليلة ومقتصرة فقط على من حضر المحاضرة!.
ارتفاع التكاليف
وأكد مدير الكتب والمطبوعات بجامعة دمشق، جميل الشيخ، أن الطالب يقوم بشراء الكتاب الجامعي في السنوات الدراسية الأولى، ثم يبدأ في البحث عن الملخصات والمحاضرات الجاهزة التي تكتب بشكل عشوائي، وهدفها الأساسي هو الربح المادي من قبل الأكشاك، واختصار طريق النجاح بجهد وكلفة أقل من قبل الطالب، موضحاً أن جامعة دمشق تنتج سنوياً 500 عنوان بمعدل كتاب ونصف كتاب يومياً، وذلك ما بين طباعة الكتب الحديثة والكتب المعادة طباعتها، وعلى الرغم من ارتفاع تكاليف الكتاب ومستلزمات الإنتاج والأجور، من ورق، وأجور تنضيد، وأجور طباعة، إلا أن الكتاب الجامعي لايزال يطبع كالسابق.
وبين الشيخ أن طباعة كل كتاب جديد تكلف أكثر من 500 ألف ليرة، أما إعادة الطباعة فتكلف نحو 200 ألف ليرة سورية، وذلك مرهون بعدد النسخ، منوهاً في سياقه لوجود 4 آلاف عنوان منذ تأسيس المديرية حتى تاريخه بمختلف الاختصاصات للكليات والمعاهد، حيث إن إنتاج الجامعة من الكتب غزير مقارنة بأي دار نشر أخرى.
خير جليس
يبقى الكتاب من أهم أدوات المعرفة، ونشر الثقافة، والحكمة، والحفاظ على الفكر الإنساني من أن يضيع عبر الحقب والأجيال، ومن ثم كان اختراع الكتاب حدثاً لم يسبق له مثيل، وصدق المتنبي عندما قال: “أعز مكان في الدنيا سرج سابح.. وخير جليس في الأنام كتاب.
بانوراما طرطوس- البعث









