{ منتهى ، في مأزق .. ووضعي الخاصّ ، ليس أحسن منها .. ووضع وطني ، في فم الغول ..
فلسطينُ تُذبَح .. ويُحشَرُ أهلُها في زاوية ٍ ضيقة .. مقدّمة ً للقضاء ِ عليهم .. أو ، على مَن تبقّى منهم ، بسهولة ..
أو ، نفيهم خارجَ التاريخ .. خلفَ جدار الفصل العنصريّ .. وخلفَ عيون العالم .. خلفَ كلّ ماهو إنسانيّ ، وحقّ ، وجميل ..
أمهاتٌ تبكي ، وتندب .. ولا من مُعتصِم ..
وإن وُجِدَ المُعتصِم .. فهو مُكبّلٌ بألف قيد ٍ ، وقيد ، من كلّ الأنواع ..
وماذا تفيده أجنحته .. وجَسَدُه مُكَبّل ..؟!
العراقُ .. بين دماء ٍ ، ودماء ..
بين عدوّ خائن ، يشربُ من دمه ، ليُشبعَ غرورَه ، وغطرسته ، وضخامته المرَضيّة ..
وعدوّ يتسلّح بالعلم .. لكن ، أيّ عِلم ..؟! علم ٍ مادّيّ ، عنصريّ ..
وأيّ ُ نفع ٍ لعِلم ٍ يُدَمّرُ أحلاما ً جميلة .. ليبني فوق رمادها ، أحلامَه بالسيادة على الكون ..؟!
يقتلُ الطفولة َ ، والبراءة .. يسلبُ رُقادَ البائسين .. وطعامَ الجائعين .. ومالَ الفقراء .. وأمنَ العُزّل .. وكرامَة َ المُستضعَفين .. ؟!
أين أنت ِ ، أيتها الحقيقة ..؟!
لماذا توارَيْت ِ خلفَ دخان الباطل ..؟!
غنتْ لك ِ فيروز ، في زمن ٍآخر ، كان مقدّمة ً لهذا الزمان الرديئ .. ( هل هو الرديئ ..؟! أم نحن ..؟! ) ..
داعية ً، أن تكون ( عينك علينا ..) .. وغنى لك ِ وديع ، داعيا ً ، ألاّ تهجري سماءَ لبنان .. وألاّ تتركيه للطامعين ..
فأين أنت ِ ..؟!
سامحيني ، أيتها الحقيقة .. فأنا من أكثر الناس إيمانا ً بوجودك ِ .. وبسيادتك ِ على الكون .. لكنني أستدعيك ِ من روح ٍ مُشبَعة قروحا ً داخلية ً، وخارجية .. خاصّة ، وعامة .. مشتاقة ً لمعانقتك ِ .. راغِبَة ً أن يُطِلّ وجهُك ِ المُشرق ، الصّبوح .. وأن تفردي أجنحتك ِ الشفّافة ، العملاقة .. على صفحة وطني .. وعلى العالم أجمع ..
على البائسين ، والمستضعَفين ، في هذا العالم المتخبّط في مستنقع الظلام .. بين متقاعِس ٍ ، ومُستسهِل .. وجاهِل ٍ ، ومُجَهّل .. بين فقير ، ومُفَقّر .. بين مَن استسهَلوا الدخول في تيّار التجهيل ، أو الجهل .. الآتي من أودية البشاعة .. كمارد ٍ أسود ، ظالم ٍ ، طاغ ٍ ، متمرّد على كل قوانين النور والضياء ..
أتدرين ، أيتها الحقيقة .. أنني أحبك ِ ، من خلال حبيبي ..؟!
محمود .. يحمل بعضا ً من صِفاتك ِ .. من نورك ِ ، وسِحرك ِ ..
يا منبعَ الخير ، والجمال ، والعدل ، والرحمة .. الأزليّ .. السرمديّ …. }
زينب ..
السور الأخضر
2004
******************************************************************
( كنا على العشب ، نرعى البقر .. ركضت ِ ، يا منتهى :
– محمود .. محمود .. فراشة ..!!
قفزتُ خلفك ِ .. صعَدت ُ السلسلة .. أمسكتُ بطرف فستانك ِ الأحمر .. حَنِقت ِ :
– كدتَ توقعني .. هات يدك َ ..
ركضنا خلفها .. تابَعناها بأعيننا ، وجسدينا الصغيرين .. حَلّقتْ روحانا معها .. بل أبعَدَ من مداها بكثير .. تعثّرت ِ بالحجر .. سالَ دمٌ من ركبتك ِ الصغيرة .. صرخت ِ :
– محمود ..!!
– لا تخافي يا منتهى ..
أسرعتُ نحوك ِ .. بحثتُ .. لم أجد سوى كفّي .. ضغطتُ على جرحك ِ النازف .. صرخت ِ ، وارتجفت ِ :
– تؤلمني يدُكَ أيضا ً ..
– لا تخافي ..
ومسَحتُ الجرحَ بطرف قميصي شبه المهترئ ..
وكان لي ، في البيت ، حسابٌ مع أمي :
– وهل يحتمل قميصُك َ – بَعدُ – غَسْلة ً واحدة ..؟!
– لكنها كانت تتألّم ..!!
– وما شأنك َ أنت ..؟!
عودي يا منتهى ..
عودي .. أيتها الطفلة ُ الحبيبة ..
ويصدمني صوته :
– هل أنت َ جاهز ..؟! البضاعة ُ في السيارة .. واسمُ كل زبون ، على الأكياس ..
رافقتك َ السلامة ..
وانطلقتُ .. وأنت ِ تجولين ، دمعة ً ، في خاطري يا منتهى ..
دمعة ً .. وزهرة ..)
محمود 2004
******************************************************************
كنتُ في المحلّ ، بمفردي .. وكان يوم عطلة رسمية .. كنتُ مستغرقة ً في كتابة بعض الخواطر ، بعد أن أقفلتُ البابَ الزجاجيّ من الداخل .. وأسدلتُ الستارة الزهرية ، لأخفي نفسي عن المارّة .. وأتفرّغ للقراءة والكتابة ، دون أن أشرد ..
أشعلتُ المصباحَ الكهربائيّ .. جلستُ على ذلك المقعد البلاستيكيّ المُريح .. أرَحتُ قدميّ على عارضة المقعد المقابل .. الطربيزة إلى جانبي الأيمن ، أضع عليها بعض الأوراق والكتب ..
لا أريد متّة ..
بي حاجة ملحّة للكتابة ، للبَوح .. لا تقاوَم ..
{ شيئ ٌ ما ، انكسَر ..
هناك شيئ ما ، حدَث َ فيه شرخ ٌ كبير ..
بعض الأشياء ، يمكن أن تلتئم إن هي شُرِخَتْ ، أو تصَدّعَتْ .. لكن هناك شيئ ٌ ما في روحي ، انشرخ وتصَدّعَ ، شبه مستحيل ، إن لم يكن المستحيل كله ، أن يعود كما كان ..}
شقَقتُ الورقة .. وضعتها جانبا ً .. لا أريد أن أتمادى في التداعي ..
حاجتي ملحّة لأن أكتبَ أشياء أخرى ، قد تكون مختلفة .. لكنني لا أعرف ماهي ..
سأترك لقلمي أن يترجم مشاعري ، دون رقيب .. فأنا الآن بمفردي .. وسأبوحُ لك َ أيها الصديق القديم ، الجديد .. المتجدّد دائما َ ..
{ عندما تُختصَر الحياة .. وتصبح مسحا ً ، وجليا ً ، وطبخا ً ، واستقبالات ، وأحاديث مكرّرة ، متشابهة ، وأعمالا ً روتينية .. يُدخِلُ السأمُ ، والركودُ سمومَه في دمائنا ..
الملل .. زيادة الطعام – كتعويض – .. ثم السمنة .. البذر .. المتة .. البحث عن الجديد البرّاق .. اللهاث وراء الحديث عن الأمور المادّية .. دون جدوى ..
نجَمّد عقولنا في دوائر مقفلة بالإغراءات الاستهلاكية .. فتفرغ الروح .. تضغط على أعصابنا ، لأننا لا نشعر بالاكتفاء الحقيقيّ .. الاكتفاء الروحيّ .. ونبقى جائعين .. بل نزداد جوعا ً .. وسمنة ً .. وخمرا ً .. وأدوية .. ونميمة .. وخواء ً .. يوما ً بعد يوم ..
كأننا دخلنا في سيرك ٍ .. الممثلون فيه أقزام ..
شعراء أقزام .. وفنانون ، أصواتهم قرقعات .. ورسومهم مزوّرة .. وشيوخ ٌ ، صلواتهم لا تتجاوز الشفاه .. وأطفالٌ ضائعون .. ليست لهم قدوة ٌ واضحة .. }
جرسُ الهاتف ، قطع َ عليّ الاسترسال في عالمي الخاصّ جدا ً.. الذي لم أدخل منه في هذه الجلسة ، إلاّ ( مَدْوَر ) البيوت الطينية .. نظرتُ في الكاشف .. لم أعرف الرقم ..
– أنا مريم .. أخت محمود ..
استغربتُ اتصالها .. وسُررتُ به .. هي من رائحته ..
تودّدتْ لي بصدق :
– أخي يحبكم كثيرا ً .. صداقتكم ، سندٌ له في ظروفه هذه ..
ورجتني أن أشجعه على أن يحبّ أخرى من عندنا ، أثق بها .. كي ينسى حبا ً مستحيلا ً..( منتهى ) ..
سألتني عنه .. قالت :
– اتصلتُ بالشركة التي يعمل بها ، قالوا لي أنه مسافر إلى منطقتكم .. فإن مَرّ عليكم ، أرجوك يا زينب ، قولي له أن يتكلّم معي فورا ً .. لأمر ٍ مهمّ ..
– تكرم عينك .. لكن ، إن شاء الله خيرا ً ..؟!
– إن شاء الله .. أمر بسيط ، لكن يجب أن يعرفه ..
وكان الموضوع – كما أخبرني محمود لاحقا ً – حين اضطربت ملامحه ، بعدما كلّمَ أخته .. أن سلمان زوج منتهى ، قد تزوّج عليها ..
***********************
– هل أضعُ قليلا ً من أحمر الشفاه ..؟!
لا .. لا ..
– هل سيراني جميلة بدونه ..؟!
أشعلتُ النيون ، وسحَبتُ الستارة الزهرية السميكة ، كي لا يراني مَن في الشارع ، وأنا أراقب نفسي بدقة في المرآة ..
– هل ستنفّره تلك الشعرات البيضاء في غرّتي ..؟!
اقترحتْ عليّ أغلب زميلاتي ومعارفي ، أن ( أحَنّي ) أو أصبغ شعري .. لكنني لم أقتنع ..
– عنيدة .. لا تغيّر قناعاتها بسهولة ..
– كل عائلتهم هكذا ..
عَقّبتُ – حينها – :
– سنبقى نحكي بالعائلات ، والجماعات ، والعشائر ، والطوائف .. حتى تسحقنا حجر الطاحون ، التي سَحَقتْ غيرنا .. عائلة ً ، عائلة .. وجماعة ً ، جماعة …إلخ
– ولِك يا ستّي .. نمزح .. نمزح .. دائما ً تحوّلينها إلى جدّية ..؟!
– لأن هذا النوع من التفكير ، وهذا التعميم .. هو مَقتلنا .. كحَيّة التبن .. تقتل في الخفاء ..
أعَدْتُ ملقط الشعر إلى مكانه في حقيبة كتفي .. بعد أن نزعتُ عِدّة شعرات بارزات في حاجبي .. أعجَبَني انسيابُ شعري على كتفي .. لكنني أعَدتُ ربطه كما كان ، بربطة سوداء ..
تذكّرتُ ( صباح ) ….
كنا في الصف الأول الإبتدائي .. أبوها رئيس المخفر .. من شمال سورية .. ربما من حلب ، أو إدلب ..
كانت لهجتها مختلفة عن لهجتنا قليلا ً .. كنا على المقاعد – والآنسة تشرح الدرس – نشدّ شعرها المنساب – كشلال كستنائيّ – فوق ظهرها .. نعابثها .. ونحبها ..
تلك التلميذة السمراء النحيلة .. كانت أقصَرَنا قامة ً ، وأطولنا شعرا ً ..
أين أنت ِ يا ( صباح ) ..؟!
أنت ِ الوحيدة ، التي ذكرتك باسمك ِ الحقيقيّ ، في روايتي هذه ..
لا أزال أحبك ِ .. وأحنّ إليك ِ .. وإلى زمن ٍ بريئ ، جَمَعَ براءاتنا ..
ليتني أخذتُ صورة ً معك ِ ، قبل أن ترحلي ..!!
لم أكن أصدّق يا ( صباح ) أن الزمن يمكن أن يفرّقنا .. بل ، لم أكن أشعر بالزمن ..
هل ، لا تزالين تحبيننا ، كما أحببتِنا سابقا ً ..؟!
أتكلّمُ باسمي – فقط – .. لأن هذا الزمان أصبح فرديا ً .. ولم يعُد جماعيا ً ، كما كان .. لذلك أقول :
– لا أزال أحبك ِ ، يا ( صباح ) .. لا أزال أوَدّ لو أقبّلَ شعرك ِ الطويل ، ذاك .. الذي كنا ندعوه – معابثين – ( ذيل الحصان ) .. وكنت ِ تردّين على عَبَثنا ، بعبث ٍ مشاكس ٍ ، مثله :
– إي .. شو عَليه ..؟! ذيل الحصان نظيف .. نحن كل يوم ننظف حصان بابا الأحمر ، بالساقية .. ونغسله بالصابون ..
أحِبّ الخيول ، يا ( صباح ) ..
وكُرمى لعينيك ِ .. أحبّ ذيولها النظيفة ..
******************************************************************
{ كلما طُرقَ الباب ، أهرعُ بشغف ٍ يستغربه الحاضرون ..
وعندما أعود ، مكسوفة الفؤاد ، أداري .. عساهم لا يلحظون انكسار روحي ..
يتكلمون .. أشاركهم بجُمَل ٍ متقطّعة ، غير مترابطة ، غير مكتملة الوضوح .. لا تُشبِعُ فضولهم ..
لكن أخي الذي يهتمّ بأمري أكثر من الجميع .. يسألني :
– مابك ِ ..؟!
وأجيبُ بابتسامة ٍ مصطنعة :
– لا شيئ ..
يظنون أنني مشغولة ٌ بشيئ آخر ..
لا يمكن أن يتصوّروا أنني أنتظرك ..
أنتظركَ فقط .. ليكتملَ الحضور .. لتثري حياتي ، وروحي ، وقلبي ، وعمري ، وكياني ..
لتُشعِرني بالاستقرار ، والأمان ..
وتُصِرّ روحي .. يُصِرّ حدسي .. أنك َ لابدّ قادم ..
وتأتي ..
تأتي ، بحضور ٍ طاغ ٍ .. يغني عن كل حضور ..
يا غالي على قلبي .. }
زينب ..
***************
{ كتبتُ لك َ ، ذات شوق :
– كم كان عيد ميلادي سعيدا ً ، هذا العام ..؟!
أثريته بحضورك َ الطاغي ..
هل حَدَستَ أنني أنتظرك ..؟!
صدقت َ يا غالي .. أيها المُترَفُ بالهطول ..
صدّقني .. عندما يكون مكانك شاغرا ً في حياتي .. لا يمكن لأحد ٍ – مَن كان – أبدا ً .. أن يملأه ..
لماذا استعصَت ِ اللغة ُ عليّ هكذا ..؟!
لماذا ضاقت بالمعاني التي أرَدتُ أن ألبِسَها إياها ..؟!
هل ، لا يمكن للحبّ أن يُحتوى ، كلّما كبُر ..؟! ربما ..!!
سؤالٌ ، يا غالي :
– مَن يتضرّرُ ، إن أسكنتك َ ضلوعي .. واحتويتك َ بأمان قلبي .. وغفوتُ ، ضامّة ً ساعديّ ، كي لا يهرب الحلم ..؟!
المهمّ ، أن تعرف أن مقعدك شاغرٌ ، ولا أسمح لأيّ كان أن يجلسَ على حافته .. لأنه سيبدو قزما ً ، أمام حضورك َ الممتلئ .. أيها الجميل الرحب .. يا ذا المقعد الوحيد ، فوق مصاطب روحي الخضراء ..}
زينب ..
2004
**************
بكيتُ – حينها – كما أبكي كلّ مرة أكون فيها صادقة ً مع نفسي ..
– ويحي ..!! مَن أكون ..؟!
وتلك المعذّبة ( منتهى ) ..؟!
يالي من ظالمة ..!! لكن الأمر ليس بيدي .. صدّقني يامحمود .. لم أدر ِ كيف دخلت َ قلبي .. ولا كيف كنت َ الوحيد .. لكنني أدرك ُ أن الأمر لم يأت ِ من فراغ .. لم يأت ِ من عَدَم ..
هل تعذرني بحبك َ يا محمود ..؟!
تقول ، وأقول :
– وهل الحبّ ذنب ..؟!
ربما أتساءل داخل نفسي : – أدّعي أنني أحبّ منتهى إلى أبعَد الحدود .. وأتعاطفُ معها .. وأنني مستعدّة ٌ لخدمة عينيها .. لكنني ، بالمقابل ، يا عزيزي ، أحسّ بالصراع ، حين أعلن لنفسي أنني أحبك َ بهذا القدر .. وأتهم نفسي بالخداع ..
النفاق ، أبعَد مايكون عن طبيعتك يا زينب .. فماذا دهاك ِ ..؟!
هل ضللت ِ ..؟!
أنك ِ صرت ِ أصدَقَ ماتكونين مع نفسك ..؟!
وحين يُشقيني هذا الإحساس بالضياع .. أو بعدم التبرير لنفسي أنني أحبك َ .. وأحبّ حبيبتك َ بنفس الوقت ..
حين يقلقني هذا الشعور القاسي ، بأنّ ذلك فيه ، ولو قدر ٌ ضئيل ٌ من المكر و ( الخيانة ) ..
وما أبغضَ تلك اللفظة عليّ ، وعليك َ يا محمود ..!!
حين أسهر الليالي .. وأعجز عن النوم ، وأنا مُشتّتة .. لتبرير ( فِعلتي ) أمام نفسي أولا ً .. وأغوصُ داخل ذاتي إلى الأعماق.. أكتشفُ أنّ حبك َ حاجة ..
حبك َ يا حبيبي ، يملأ ثغرة ً في الروح ..
لولاك َ ، لما شعرت ُ بالتوازن ..
حبك َ يا غالي ، ليس أيّ حبّ .. أبدا ً ..
كل حبّ ممكنٌ أن يملأ بعضا ً من فجوات الروح لديّ ..
لأنّ الحبّ من ضمن تركيبة روحي ، وجسدي .. ويشغل أكبر مساحة فيهما ..
لكن حبك َ ، أيها الغالي .. حبك أنت َ تحديدا ً .. فهو ، كلعبة ( الليغو ) .. أو ، كالمكعّبات الخشبية ، في أيدي الأطفال البارعين .. يأتي في المكان الصّح .. ليُكمِلَ اللوحة.. ليعيدَ تشكيل نسيج الروح .. فتصبحُ أكثر انسجاما ً..
وأنت َ .. أنت َ فقط ..
وبعد أكثر من خمسة وثلاثين عاما ً ، استطعت َ – بحضورك َ الطاغي – أن تملأ هذا الفراغ .. أن ترمّمَ ذلك الشرخ .. فكيف لي ألاّ أشعر بهذه القيمة ..؟! كيف لي ، أو لك َ .. أو لأيّ شخص ٍ ، أن يلومَني على حبك َ ..؟!؟!
حاوَلَ الكثيرون قبلك َ ، يا محمود ، أن يشغلوا ذلك الموقع .. دون أن يتركوا أثرا ً.. ومنهم مَن مَلأ جزءا ً يسيرا ً جدا ً من تلك الهوّة ، بين ذاتي ، وذاتي .. لكنّ المكان بقيَ مخلخلا ً.. كانوا أضألَ من حجمه .. فعَبَروا جميعا ً ..
أما ذلك الطاووس ، الذي – رغم أنه لم يمكث طويلا ً – لكن المدة كانت كافية لتوسيع ذلك الفراغ .. لزيادة ذلك الشرخ .. وتشويه تلك الحاجة .. وبَعثرة أجزائي ، أكثر ، وأكثر .. بالإضافة إلى تلك الشروخ التي أعقبَتْ ( تسريحي ) له – بلغة العَسكَر – وما أحدَثه ذلك التسريح ، من شروخ ، بيني وبين أهلي .. أهلي ، الذين يدّعون الحِكمة َ ، والتعَقّل .. الذين توارثوا عبادة الحق .. لكنهم أنكروا عليّ حقي في أن أكون ذاتي ..
هل يجب علينا يامحمود ، أن نعبُدَ التقاليد ، أو الموضة السائدة .. ونظنّ أننا نعبد الحق ..؟!
أوَلَم تأت ِ الأديان لتحثّنا على تحطيم الأصنام .. وإعمال عقولنا ، وأفكارنا ، التي نتميّز بها عن باقي مخلوقات الله تعالى ، لنصِلَ إلى ماينفع الناس .. دون أن نطغى ، أو نظلم أنفسنا ، أو الآخرين ..؟!
لماذا ضللنا يا محمود ..؟!
أتصوّرك َ الآن ، تقرأ هذه السطور .. وتقول لي – متذمّرا ً كالعادة – :
– أفهمك ِ .. فاختصِري ..
فأفزع .. وأخجل من ذاتي ، حين أتصوّر أنك َ تعرف أنني أحبك َ .. وبهذا الفيض ..
صدّقني .. لا أعرف كيف أحببتك .. ولا متى .. لكنني ، عندما استعَدتُ توازني .. واستعَدتُ ما يشبه اكتمال إنسانيتي .. فكّرتُ بالسبب .. فإذا به حبك َ ..
حبك َ ، الذي هبط – كالغمام – على صحراء الروح .. كديمة ٍ مليئة ٍ بالسنابل .. أنعَشَتني .. فأثمرتْ أشجارها العاقر ، وحقوليَ الجديبة .. وراحت توزّع الخصب ..
يالي من عاثرة ..!!
يالي من محظوظة ..!!
أم أنه القدَر .. ؟! القدَر الذي تمتدّ إلينا يدُه بالغذاء .. وعندما تقتربُ اللقمة ُ ، يُبعِدها ، قليلا ً ، أو كثيرا ً .. كي نبقى في شوق .. وكي يزداد هذا الشوق .. وكلّما ازداد ، كلما حثثنا الخطا .. وشحَذنا الهِمّة .. كي نواصِلَ المسير ، بهِمّة ٍ عالية .. باتجاه ذلك الغذاء الروحيّ …. تلك الحاجة للاكتمال ..؟!
لك َ حبي .. واعذرني ..
فأنت َ بَحرٌ يا محمود ..}
زينب …. أختك ..
السور الأخضر
2004
****************************************************************
مرة ً ، كنا أنا وأخي علي نرعى الدواب على ( الرّبّيصة ) .. تلك القطعة المَشاع من الأرض ، التي كانت تلي قريتنا ( السور الأخضر ) .. متاخِمة ً ( البوّيلة ) .. التي كانت مغطاة بالبلاّن ، والشفشاف .. والتي أصبحت اليوم مغطاة ً بالأبنية السكنية ..
كانت ( الرّبّيصة ) مغطاة ً بالعشب الأخضر الناعم ، والأزهار الصغيرة ، ذات الألوان المتعدّدة .. كان أطفال القرية ، كثيرا ً ما يجعلونها مَلعبا ً ل ( الصّبّ ) و ( الخامسا ) و ( الحَلجة ) .. لكن اللعبة الأكثر شيوعا ً على ( الرّبّيصة ) كانت ( الكَلِل ) .. أي ( الدُّحَل ) .. حيث يسهل على الأطفال حفر الجُوَر ، التي تنزل بها ( الكِلّة ) ..
كانت ( الشيخ بدر ) التي هي الآن مركز المنطقة .. تبعد عن ( السور الأخضر ) نحو عشرة كيلو مترات ، غربا ً .. تضمّ عدّة قرى صغيرة .. وكانت تُدعى ( الأندروسة ) .. ولا أعرف متى سُمّيَتْ باسم المزار الذي فيها .. والذي يُلَقّب ب ( الخفير ) .. ربما لأنه كان خفيرا ً في عصره .. ويجب أن يكون مناضلا ً شعبيا ً .. لذلك ، لا يزال يُزار من قِبَل المئات من قرانا ، ومن القرى الأخرى البعيدة .. ويُقصَد لذوي الحاجات .. ربما كما كان يُقصَد في عصره ..
في بلادنا ، لا تنتهي الثقة بالشريف بعد وفاته .. أو بالمناضل بعد رحيله .. بل يبقى حيا ً في نفوس الناس ، وملاذهم ، حين تنقطع بهم السّبُل .. يُكرّمونه ، كما في حياته .. وربما أكثر .. لأنه يصبح معنى ً ساميا ً.. ورمزا ً .. بطلا ً .. شفيعا ً .. مُنقِذا ً .. مُنصِفا ً .. عادلا ً .. وربما إنسانا ً كاملا ً .. ظلّ إله .. فوق هذه الأرض التعِسة .. المظلومة ..
**************
كنا على ( الرّبّيصة ) نرعى ، ونقطف أزهار ( الخاروف ) البيضاء ، والمزهّرة .. ونبحث عن ( الطلباظ ) .. الذي يكثر عليها .. نميّزه من أوراقه الخضراء الرفيعة الطويلة المَحنية .. وزهرته الصفراء .. نهوي على التراب من حَوله ( بمناكيشنا ) ..
لم تسمح لنا جدتي باصطحاب أكثر من ( منكوش ) واحد .. لأنها تحتاج الآخر دائما ً ..
كان علي ، يستأثر بالمنكوش – غالبا ً – .. ولأنه أكبر مني ، يثق بقدرته على استخراج رأس ( الطلبَيزة ) سالِما ً ، أكثر مني ..
كنا نستلذّ بطعمه .. وكان أخي يجمع عدة رؤوس مع بعضها ، ويربطها بواسطة أطول سوقها ، ويأخذها إلى جدّتي ، التي كانت تأكل واحدة ، وتوزّع البقيّة على أفراد العائلة .. فتسمح له – بسهولة – في اليوم التالي ، أن يأخذ ( المنكوش ) ..
– زينب .. زينب ..
والتفتّ .. فإذا بثلاثة أحصنة تختال.. فوقها ثلاثة إحراشيّة ( موظّفو أحراش ).. كانوا قد تناولوا الغداء في بيتنا ..
اقتربتُ من أخي ، لائذة ً ، خائفة ً من صوت حوافر الأحصنة المَحْديّة ، فوق حَصى الطريق ..
صاحَ أوّلهم بأخي – باسِما ً – :
– ( عمْ ترعى بأر ..؟!)
ربما كان يتودّد لابن أبي ، البِكر .. بعد أن ملأ معدته من بيتنا ، وأكرِمَ من قِبَل أبي ، وأهل القرية كلّهم ..
كانوا يخشونه كثيرا ً ، إذا اضطرّ أحدهم إلى قطع شيئ من الحطب ، أو بعض أغصان السنديان ، ليُطعِمَ دوابّه ، حين تقِلّ كميّة التبن ، والشعير ، أو الكرسنّة ..
كان أبي يشفع لهم عند ( مأمور الأحراش ) .. لكن .. في مرة ٍ .. فلتتْ عنزاتنا من الزريبة ، بعد أن فتحت جدتي عليها الباب المصنوع من ألواح خشب متصالبة ..
طوال الليل ، والعنزات : ماء .. ماءءءء ….
كنا نسمع أصواتَ قرونها تتصارع ، وتصطدم ببعضها بقوة وعنف شديدين .. ثم نسمع خربشات وأصوات حفيف أوراق شجر ، وسقوط ..
جدّتي ، الوحيدة التي كانت تعرف ما يجري .. أما نحن الصغار ، فكنا نعود إلى النوم بسهولة ، قربَ مَوقِد الحطب الحديديّ ..
عمي .. صالح .. كان ينام في غرفة جدتي .. على تخت ٍ خشبيّ .. قربه ( طبليّة ) خشبية مستديرة .. عليها دفاتره ، وكتبه ، و ( ضَوّ نمرة أربعة ) .. مليء بالكيروسين .. به فتيلة تمتصّ الزيت .. نوقِدها بأعواد الثقاب ، ونضع فوقها ( بَلّورة ) شفافة ، تحمي الضوء من الهواء ، وتسمح بعبور النور ..
كانت أمي تعَلّمنا كيف نمسح البلّورات من الشّحّار الناتج عن الاحتراق غير الكامل للكيروسين .. حيث نغلق فوهة البلّورة من الأسفل براحة كفنا ، وننفخ فيها ، كي نرطّب الشحّار .. ونُدخِل قطعة قماش صغيرة في البلّورة .. نحرّكها داخلها بواسطة عود صغير حتى تنجلي .. استعدادا ً لا ستخدامها مرة ً أخرى ..
كم مرة جرحتني تلك البلّورات اللعينة ..!! وكم أكلتُ قَرصة ً في ذراعي من أمي ، حين أكسر إحداها ..!!
كانت تلك العملية تتكرّر كل يوم ، قُبَيل المغيب ..
نهَضتْ جدتي حليمة ( أم سليمان ) صباح ذلك اليوم المُثلِج .. كانت قد وضعتْ فوق موقد الحطب المحفور – بشكل دائريّ – في وسط تراب غرفتها .. والذي بقي متوقّدا ً طوال ذلك الليل الصقيعيّ ..
كانت قد وضعت فوقه وعاء ً نحاسيا ً كبيرا ً ( الدّستْ ) مملوءا ً بالماء .. فوق منقل ٍ حديديّ .. تناوَلتْ ب ( الكال ) بعضَ الماء الساخن ، ومزجته من الخابية ، بقليل من الماء البارد ، في إبريق من الصيني المدهون بالأزرق من الخارج ، والأبيض من الداخل ، والمتآكل .. حتى ليكاد الصدأ يثقبه ..
غسَلتْ وجهها ، ويديها ب ( المَدْوَر ) ، بعد أن أزاحَتْ لفحتها عن رأسها ، وأبقتها معلّقة على عنقها ..
مسَحَتْ رأسها ، وهي تتشهّد ، وتصلّي على النبيّ وآله وصحبه الطاهرين .. ثم نشّفتْ بطرف اللفحة ..
كادت تقع في ( المَدْوَر ) عندما حاولت النهوض ، لأنها داست على طرف فستانها الفانيلا السميك ..
– أستغفر الله العليّ العظيم .. شو صاير لي ، علام بكرة الصبح .. يا فتّاح ، يا عليم ..؟!
صالح .. يا صالح .. صاحَ الديك من ساعة ، يا إبني .. وتكاد الشمس تظهر .. انهَض يا بنيّ ..
وأطلقتْ صوتها الحنون – كعادتها عندما تتأثّر ، أو تتذكّر – فتغني أحزانها ، وفقدانها الأحبّة .. وتتبع عتاباها ومواويلها ب ( آخ .. آخ ..)
فتحَت الباب الخشبيّ المُعَشّق بالتوتياء من الخارج .. لكنها احتاجت لمزيد من القوة حتى انفتح ..
الخشبُ نافِشٌ من الرطوبة والهواء الغربي ، الذي توقّفَ في ذلك الليل ، بعد أن بقي يعصِفُ ثلاثة أيام متتالية ..
– أرحَم من الشرقي – مهما يكنْ – ..
الشرقي – في كانون – / يُزَنطِر / ويشقّق الجلد العاري ، حتى يسيل الدمُ من الأيدي والشفاه ..
– عندما يهبّ الشرقي ، يظلّ بابنا يَصُرّ طوال الليل ، إن لم نغلقه / عَصو / بالخروق ، التي نضعها بينه وبين الحائط ..
– أنوفُ أولادنا لا تجفّ ، أثناء هبوب الشرقي ..
– صالح .. يا صالح .. قم يا بني .. انظر .. أللهمّ صَلّ على النبي .. والله مبكّر يا مبارك ..
– ماهو المبارك ، يا أمي ..؟!
– انظر يا صالح .. الثلج على الركبة .. والدنيا كلها بيضاء .. بيضاء ..
عدّة سطول من ( الدّست ) لم تستطع أن تفتحَ طريقا ً أمام البيت بشكل كاف ٍ .. لتستطيع جدتي أم سليمان ، أن تخرج لتطعِمَ الدواب ، وتسقيها ماء ً من البرميل .. إذا استطاعت أن تكسر جليده .. فتمزج الماء الجليديّ ببعض الماء الساخن ، لتسقي دوابها ، وتكسر به جليد جرن الدجاج ..
أزعجتها أصواتُ الحيوانات التي ارتفعت وتيرتها ، عندما فتحت الباب ، وسمعت ْ صوتها ..
تناوَلتْ عصا جدّي ( الشيخ يحي ) الذي كان ( عقيدا ً ) أيام الثورة .. غرزتها في الثلج .. وتوكأت عليها ، حتى استطاعت الوصول إلى باب ( الصّيرة ) .. فتحتْ بابها الخشبي العتيق ، وذهبت إلى الغرفة الغربية ، التي كانت عمتي سكينة تنام فيها .. حيث ملأت ( قِفّة ) من التبن ، خلطته بقليل جدا ً من الكرسنّة .. تغري بها الدواب ، لتُقبِل على التبن و ( القصْرينة ) ..
( تمتمَتْ ) :
– ألله يرضى عليك ِ يا سكينة .. أصرّيت ِ على الذهاب إلى عند أختك .. هل هذا وقتها يا سكينة ..؟!
كيف أستطيع أن أقطعَ السنديان بمفردي ، في هذا البرد .. ويدايَ ( مُكَرفِحتان ) ..؟!
– أنا أساعدك ِ ، يا امرأة عمي ..
– لا أنت ِ ، ولا هي ..
أنت ِ ، اذهبي إلى أولادك .. وأنت ِ يا أمي ، ضعي أمام الدواب قليلا ً من قشور الذّرة .. وأنا ، وأخي صالح ، نقطع السنديان ..
– انتبه يا سليمان .. كي لا تتزحلق ، مثل المرة الماضية ..
– لا زلت ِ تعتبرينني صغيرا ً ..؟!
( وصاحَ بالعنزات ) :
– سيكْ .. سيكْ ..
فلتت العنزات .. ألله يستر ..
أيقظتنا أمي لنفرح بالثلج ..
– أحّ ح ح .. لكن ، يقولون : – ( لما تَلْجِتْ .. فَرْجِتْ ..)
- الرئيسية
- ثقافة
- يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية الأديبة فاطمة صالح صالح (صلاةٌ.. لغيومكِ القادمة ) – الجزء الخامس:
يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية الأديبة فاطمة صالح صالح (صلاةٌ.. لغيومكِ القادمة ) – الجزء الخامس:
- نشرت بتاريخ :
- 2015-11-03
- 5:23 م
Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print
تابعونا على فيس بوك
https://www.facebook.com/PanoramaSyria
تابعونا على فيس بوك









