تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية الأديبة فاطمة صالح صالح (صلاةٌ.. لغيومكِ القادمة ) – الجزء السابع:

12177752_901258906628745_922538586_n-225x3001– تريد الذهاب مع محمود – وحدها – إلى حلب ..؟! والله عال ..!!
– أخوها سيلاقيها ..
– قلتُ لك ِ ، يا أم علي ، ألف مرة : إن جنون هذه البنت يخيفني ..
– لكن محمود ، مثل أخيها ..
– محمود ، إبن حلال .. لكن ابنتك ِ تفكيرها غريب ..
– لكنها ، يا أبو علي ، محافظة على شرفها ، وشرفنا ..
– هذا لا يكفي .. أنا أبوها .. مثلما أنت ِ أمها .. ( ويرقّ صوته .. ثم يُطلِق تنهيدة ً عميقة .. ويتابع .. ) :
– أنا أثق بها .. لكن الناس لا يرحمون .. وهذه البنت حظها سيئ .. ولا ينقصها مشاكل .. قولي لها يا أم علي .. قولي لها عن لساني : أبوك ِ يتمنى أن تكوني أحسن الناس .. ولن يقف صخرة ً في طريقك ِ .. لكن .. اعقلي قليلا ً .. لا نستطيع تحقيق كل مانرغب به .. علينا أن نداري الناس ، من أجل سمعتنا ..
قولي لها : أبوك ِ الذي ربّاك ِ .. وهو يثق بك ِ ، كما كان ، وأكثر .. لكن الواقع صعب .. وأولاد الحرام كثيرون .. وهي العارفة ..
– لكن محمود ..
– لا تقاطعيني .. دعيني أكمِل ..
لا أشكّ – أبدا ً – بمحمود .. لكنه قطعٌ نادر هذه الأيام .. وعليها أن تداري وضعها .. لا ينقصها متاعب .. عليها أن تتصرّفَ بما يناسب عمرها .. فقد تجاوزت الستّ والثلاثين ..
– خمسا ً وثلاثين ، يا أبو علي ..
– أعرف .. أعرف .. الفرق ليس كبيرا ً .. لكنها تتصرّف كمراهقة .. ورأسها كبير .. ولا يمكن لأحد أن يقبل الارتباط بها ، وهي كذلك ..
– لكنها تقول ، إنها سوف لن تتزوج ..
– قلتُ لك ِ ، أنها مجنونة ..
( أم علي ، تبكي بحرقة .. وتحدّث نفسها :
– والله ، هي العاقلة ..)
لكنها تلاحظ أن زوجها قد تأثر كثيرا ً ، وهو يكلّمها عن زينب .. وسمعت شهقة ً منه ، تلتها أنّة ٌ طويلة .. فنزلتْ من سريرها ، متأنّية ً ، كي لا يداهمها الدوار الدهليزيّ اللعين .. ثم صعدت سرير زوجها .. نامت قربه .. ووضعت يدها على خدّه الرطب ..
– ماذا يفيدك ِ ..؟! أنا منطفئ .. لم أعُد نافعا ً ..
– لستَ منطفئا ً أكثر من غيرك َ ..
( ويضحكان ) ..
– لكن ، لماذا أنت َ متأثّر هكذا ، يا سليمان ..؟! الحمد لله ، أحوالنا تحسّنتْ كثيرا ً ..
ابننا علي ( أبو تمّام ) الحمد لله ، موظّف .. وراتبه يكفيه .. وكل من يعرفه ، من الرميلان ، حتى الشام ، يحبونه ، ويحترمونه .. وأولاده ، الأوائل بالمدرسة .. وزوجته .. لولا بعض ( الغشمنة ) .. لا توجَد كنة أحسن منها ..
– أنت ِ ، لا أحد يرضيك ِ .. أم تمّام ( غشيمة ) ..؟!
– لم تسمع غير هذه الكلمة ..؟! قلت لك َ إنني لا أحسد أحدا ً على كنته ..
– يكفي أنها تتحمّل هذه المسكينة زينب .. تريحنا منها .. وتريحها منا ..
– لكن زينب لا تقصّر معها .. تتحمّل تربية أولادها .. وتساعدهم في دروسهم .. كما تساعدها على أعمال البيت ..
– علي ، يبقى أخوها .. وهذا واجبه .. لكنها ليست مُجبَرة على ذلك .. ليست أختها ، مهما كان ..
*****************************************************************
{ الصدى ، لا يهمّني ، إلا ليُشعِرني أنني موجودة ..
يهمّني الصدى ، لأنه يعبّر بصدق ، عن انعكاس صورتي في مرآة الآخرين ..
يرون حقيقتي ، وحقيقة أنفسهم .. فينفعِلون بها .. ويحدثُ التغيير نحو الأفضل ..
البعض ، يعني لهم الصدى كل شيئ .. لأنهم يتضخّمون من قوة أصواتهم ..
لا يهمّهم ماذا أحدثَ هذا الصدى في النفوس .. المهمّ ، أن يزيد أناهُمُ المتضخّمة ، ضخامة ً، وتوَرّما ً ..
لكن .. أتساءل :
– إلى أيّ حَدّ ..؟!
يهمّني الصدى ، لأنني – من خلال تفاعُل الناس مع أفكاري – أشعر بقيمة وجودي .. ويزدادُ شعوري بواجبي تجاههم .. ومسؤوليتي ، من خلال ما أقول ..
الصدى ، يُكمِلُ ذاتي ..
وذاتي تكمِلُ الصدى ..
يتفاعلان معا ً .. ليُنتِجا إنسانا ً قريبا ً من الكمال ..
وعالمٌ بلا صدى ، عزلة ..
والعزلة ُ قاتلة .. }
زينب ..
********************
{ حبيبي .. لن أسألك َ عن أحوال ( عين براعم ) .. ولن أسألك َ عن أحوال ( منتهى ) ..
المكتوب يُقرأ من عنوانه – كما يُقال – .. لكن أحوالكم وأحوال منتهى تحديدا ً ، لا تختلف كثيرا ً عن أحوالي ..
أكاد أبكي ، أيها الغالي .. تذكّرتُ هاتف ( مريم ) من يومين :
– أرجوك ِ ، يا زينب .. قولي لمحمود ، ينزل الآن إلى طرطوس ..
– لماذا ..؟! لماذا يرجف صوتك ِ ..؟!
– منتهى .. منتهى ، يا زينب ، في المشفى ..
لا يزال صوتها في أذني .. لم يفارقني نحيبُها ، عبر أسلاك الهاتف ، منذ أول أمس ..
يؤنبني ضميري ، يا محمود ، لأنني تركتك َ تنزل بمفردك َ إلى المشفى ، وأنت َ على تلك الحالة المتوتّرة ..
وكيف أنزل معك َ ، يا محمود ..؟!
كيف ، يا حبيبي ..؟!
هل أقول لأخي .. أو لأيّ أحد : أنا نازلة مع حبيبي إلى طرطوس ، لأن حبيبته في المشفى ، وفي حالة صعبة ..؟!
هل أغلق المحلّ ، وأنزل معك َ .. دون أن أقول لأحد ..؟!
– كعادتي – .. آثرتُ ( السلامة ) ..
حملتُ حزني عليك َ ، وعليها ، في قفصيَ الصدريّ ..}
***************************************************************
– سأكمِل لك َ الحديث الماضي .. لو سمحت َ ..
– ألم نتعاهد على طيّ صفحة الماضي ، ونبدأ من جديد ..؟!
– فقط ، كلمة ، يا محمود .. أرغبُ أن أقولها لك .. كي تقدّر حجم الشرخ الذي تركته على حياتي ، تلك الخطوبة ، غير المباركة ..
– يا الله .. لكن ، بشرط ألاّ تتمادي كثيرا ً ، كي لا تضطرّي إلى أخذ المهدّئات ..
– لا عليك .. لا آخذ حبة إلا بموافقة الطبيب .. ولا أحتاجها في الشهرين مرة .. فقط ، إذا تذكّرتُ التفاصيل ، ولم أجد أحدا ً يفهم عليّ .. أو يستمع إلى همومي باحترام ، واهتمام .. خصوصا ً ، عندما أرى أبي مقطّبا ً ، عندما أدخل البيت .. وأشعر بسلبيّة أمي .. أو أرى بعض النظرات من بعض الناس ، الذين ، يمكنك أن تقدّر مستواهم الفكري ، والإنساني ..
يقولون : مسترجلة .. ومطلقة .. ومعنّسة .. ولا أحد يقبل بها ، لأن أنفها في السماء ..
تصوّر ..! من مدة ، قالت إحداهنّ لزميلتها :
– تعالي ، نذهب إلى عند الكوافيرة زينب ..
ردّت الثانية :
– مريضة نفسيا ً ، ومعقّدة .. كيف تقبلين أن تقصّ لك ِ شعرك ِ ..؟!
– يا الله .. يا الله .. ارجعي إلى موضوعنا ..
– آخ .. يا الله .. آسفة ..
المهمّ .. عادَ السيّد سعيد إلى عند أبي :
– أين زينب ..؟! أين الآنسة ..؟! ألم تأت ِ من أمس ..؟!
ردّتْ أمي :
– ولَو ، يا سعيد ..!! من أمس ..؟! ألم تكن معك ..؟!
– كانت معي ..؟! لا والله .. ماكانت معي ..
كنتُ قد وصلتُ إلى باب الغرفة ، عندما سمعتُ صوته ، كي أدفع التهمة عن نفسي .. وأحكي الحقيقة ، قبل أن يزوّرها لصالحه ، أمام أهلي – كالعادة – ..
رفعَ أبي حاجبيه .. ونظر إليّ نظرة ، ثم حوّلها إليه :
– ماذا جرى لكما ، يا أولاد ..؟!
وقبل أن أفتح فمي ، وأحكي .. استلمَ السيد سعيد الكلام ، بصوت يثقب السطح :
– بنتك ، يا عمي أبو علي ، تريد أن تكون هي الرجل .. وأنا أريد امرأة ً أتزوجها .. لا أريد رجلا ً ..
حاولتُ مرة ً ثانية أن أفتح فمي .. لم يسمح لي أحد ..
ارتفعت الأصوات بين أبي ، وسعيد ..
أمي ، تركت الغرفة ، وخرجت .. لكن أبي وبّخها :
– أين تذهبين ..؟! تعالي واسمعي ، إلى أين وصل دلالك ِ ، وتربيتك ..
أدَرتُ ظهري بعنف ، استعدادا ً للخروج ، محتجّة ً على أن أحدا ً لا يسمح لي بالكلام ..
صرخ بي أبي :
– لا تخرجي .. بلا قلّة أدب .. انتظري حتى يكمل خطيبك ِ كلامه ..
لكنني لم أنصَعْ لأمره هذه المرة .. لأنني كدتُ أنفجر ، يا محمود ..
أغلقتُ باب غرفتي عليّ .. ولم أخرج إلا عندما عرفتُ أن أبي قام ليصلّي المغرب ..
طرقتْ أمي الباب :
– احكي لي ، يا ابنتي .. ماذا جرى بينكما هذه المرة ..؟! صحيح يا زينب ، حتى الآن لم تعرفي الرجال ..؟! كوني مرنة معهم .. لا تعانديهم .. لسنا بقوّتهم ..
انفجرتُ بوجهها :
– خلصنا يا أمي .. اتركوني .. لا أريد لأحد أن يكلّمني بعد الآن .. اعتبروني متّ ُ ..
– لا سمح الله ، يا ابنتي .. يا حبيبة قلبي .. ليس لي غيرك ِ يا زينب .. لا تقوليها ثانية ً ..
– اذهبي إلى زوجك ِ .. واعتبروني لم أخلَق .. اعتبروا أنكما لم تنجبا بنات ..
– هل جُننت ِ ، يا ابنتي ..؟! ماذا فعلتُ لك ِ ..؟! أنا أسأل ، فقط .. أستفسر .. حتى هذا ليس من حقي ..؟!
كوَتني دموعُها ، يا محمود .. شعرتُ بالذنب ..
– لم يعُد باستطاعتي أن أكلّم أحدا ً في هذا البيت .. ليتَ هذه الخطبة لم تتمّ .. ليتنا لم نعرف بيت الترك .. كانت باطلة .. والله ، من يومها قلبي لم يرتحْ له .. ولا عمري ارتحتُ لأبيه ..
رقّ قلبي ، وبكيتُ كثيرا ً ، يا محمود ، عندما قالت لي :
– يا زينب ، أنا أمك ِ ، ولستُ عدوّتك ِ .. اسمعيني كلمة واحدة فقط .. لم أصدّق أن الله سلّمك ِ لي ، بعد أن أخذ إخوتك ِ .. لم أصدّق أنني أنجبتُ ابنة ً .. كنتُ أرقّصك ِ بين يديّ هاتين ، وأقول لأبيك ِ : أنت َ لك َ علي .. وأنا لي زينب .. ونضحك ، ثم نقول : – الحمد لله .. الصبي مثل البنت .. المهمّ ، ألله يسلّمهم ..
احتقرتُ نفسي ، يا محمود .. كلنا ضدّ الضعيف .. أو ، بالأحرى الطيّب ..
– سامحيني يا أمي ، ألله يخلّيك ِ .. وأنا ، مَن لي غيرك ِ ..؟!
دفنتُ رأسي في صدرها .. تشبّثتْ بي .. بكينا .. بكينا مدّة ً ، لا أدري كم امتدّتْ ..
– وحياتك ِ ، يا أمي ، لا يقول الحقيقة .. وحياتك ، إنه يكذب .. أمي .. أنا لا أريد أن أتزوج .. انتهينا .. امسحي دموعك ِ .. لم أعد أريد أحدا ً .. دعيه يذهب .. لا أريده ..
– ما هم من ثوبنا ، يا ابنتي .. صدّقيني ، أن الذي اعتاد الحلال ، لا يستطيع العيش مع مَن اعتاد أن يأكل لقمته بالحرام .. لا يجوز ..
وانتبهتْ أمي إلى شيئ مهمّ :
– لكن .. لا تنسي يا زينب ، أنك ِ مُسَجّلة على ذمّته .. وإن تركتيه ، كل الناس سيقولون ….
– مطلّقة .. فليقولوا .. لا يهمني ..
– لا تنسي أيضا ً ، هو ابنُ مَنْ .. وأننا لا نقدر عليهم ..
– يا أمي .. يا أمي .. نسيت ِ أنا أيضا ً ابنة مَن ْ ..؟! وحفيدة مَن ..؟! لماذا لم نرث الشجاعة عن أجدادنا ..؟! لماذا ..؟!
– لأن هذا الزمان ، زمانهم ، وليس زماننا ، يا ابنتي ..
– غير صحيح .. الباطل ليس له زمان .. له – فقط – مرحلة .. الحق هو الذي سيسود .. ونحن كلنا نساهم في صنع الزمن .. كما قال ذلك المسلسل : ( الدنيا هيك .. ومش هيك .. .. نحنا اللي بنعملها هيك ..)
أمي .. وحياتك .. إذا لم نقف في وجه هؤلاء الناس ، سنكون مساهمين في الغلط .. و ( الساكت عن الحق ، شيطان أخرس ) .. أليس أبي هو الذي يكرّر هذه الحِكمة دائما ً ..؟! تصوّري – لو تزوّجته – سيصبح بيت الترك أقاربنا ..!! سيمثّلوننا أمام الناس ..
كم كنتُ غبيّة .. كم كنتُ عمياء ، عندما قبلتُ ..!!
– لكن .. دخيلك يا زينب .. أرجوك ِ .. لا تخالفي أباك ِ .. تذكّري أن أبا سعيد متفضّلٌ علينا ..
– أموتُ .. ولا أدَعُ أحدا ً من بيت الترك يلمسني ..
– أرجوك ِ يا زينب .. لا تخالفي أباك ِ .. أبو سعيد شغّل َ أباك ِ عنده ، عندما كان الدّ َينُ يأكلنا ..
– أبي ، بعمره لم يأكل قرش حرام ٍ ، يا أمي .. أبي ، لم يأكل ، أو يطعِمنا ، غير الحلال .. وليس لأحد ٍ فضلٌ عليه .. كان .. ولا يزال .. وسيبقى يأكل من تعبه .. ومن تعبه ، فقط ..
نسيت ِ ، يا أمي .. عندما كان يعود من طرطوس ، بعد منتصف الليل ، وهو صائم .. والدنيا مطر غزير ، وسيول ، ورعود .. ولم يكن قد ذاق َ لقمة َ إفطار ، في شهر رمضان الفضيل ، إلا حبة تمر ، أو كأس شاي ..؟!
نسيت ِ ، أنه كثيرا ً ما كان يتناولُ سحوره معنا .. ويقرأ القرآن الكريم .. ويصلّي الفجر .. قبل أن ينزل إلى عمله – ثانية ً – .. ولا يعود إلا بعد الغروب بكثير ، أو قليل ..؟!
– ولم يقبل أن يأخذ تعويضا ً عن خِدماته ، أو إخلاصه ..
– أبي لا يأكل حراما ً ، يا أمي ..
– إيه .. كم حاولَ أبو سعيد أن يُقنعه بأن يهديه بيتا ً في طرطوس ، تعويضا ً عن خِدماته ، وإخلاصه .. دون جدوى ..!! أعرفُ أباك ِ ، أكثر منك ِ ، يا زينب .. قال له حينها :
– والله لا أقبل ، والسماء زرقاء .. فقد كفّيتَ ، ووفّيتَ .. يا أبا سعيد .. جزاك َ الله خيرا ً .. وأنا ، وَفّيتُ أغلبَ ديوني .. وقد أغنانيَ الله عن هذه اللقمة .. الحمد لله ..
– وما بها هذه اللقمة ، يا سليمان ..؟! ما بها ، يا أبو علي ..؟! التجارة ، ألله حَلّلها ..
– لكنني فلاح .. ولا أتقنُ إلا صنعتي ..
– آخ ، يا أمي ..!! الحاجة ، كم تذلّ ..!!
– وأنت ِ أصبحت ِ قاسية ، مثل أبيك ِ يا زينب .. لا تزعلي مني يا ابنتي ..
– انتظروا .. كي أتخلّصَ من هذا الذنب .. وسأريكم مَن هي ابنتكم زينب .. لا يهمّك ِ ، يا أمي ..
– ألله يقدّرك على الخير ، يا ابنتي ..
– آمين ..
******************************************************************
حتى الآن ، يا محمود ، سعيد يستفزّني .. أخافه .. تصوّر أنني لا أزال أخافه ..!! يُربكني بتصرّفاته مرات كثيرة .. مثلا ً .. يأتي بسيارته الفارهة ، مع زوجته وابنه .. و ( صُدفة ً ) يقفُ أمام محلّي ، ليشتري من السوق عندنا شيئا ً ما …. ويمرّ ( صُدفة ً ) في طريقه إلى طرطوس .. يتأبّط ذراعَ زوجته ، التي يطمرها بالذهب ، والألوان .. ويتمخترُ – كأمير – أمامي .. يغلق باب السيارة على ابنه الصغير .. ويترك المسجّلة على أعلى صوتها ، بأغاني تشبههم .. وأحيانا ً ، ابنه يلعب بالبوق ، ويُطلقه على آخره .. ولا أحد يعترض .. تصوّر .. حتى أنا ..!! وأخي علي .. تصوّر .. مرة ً ، رآه أخي هكذا .. سلّم عليه متصنّعا ً الاحترام .. ثم تركه ، ومشى .. لكنه تذكّرَ بعد عدة خطوات أخته .. فعادَ ، ودخلَ المحلّ .. وجَدَني أكاد أجَنّ .. أحبس الدمعة َ ، كي لا يفرح القرد .. قال لي :
– اصبري يا أختي ، وتجاهَليه ..
فانفجرتُ بالبكاء ، بعد أن دخلتُ خلف الستارة .. وصَبَبتُ جامَ غضبي على أخي .. كأنه هو المسؤول عن كل ماجرى ، ويجري لي .. وكما قلتُ لكَ سابقا ً .. كلنا نستسهِل إهانة مَن يحبنا .. عندما نعجز عن إهانة صاحب العلاقة .. لأننا نكون واثقين تماما ً من السلامة ..
نزلتْ دموعُ أخي .. اعتذرتُ منه .. وأنا لا أبرّر لنفسي .. إنما اعتبرتُ أنني أنا سبب كل المشاكل .. وأنني عالة على نفسي وأهلي ومجتمعي ..
******************************************************************
{ لماذا تنظر إليّ بهذه اللهفة ، وهذا الأسى ..؟!
ما هذه التعابير المأساوية ، التي تغلّفُ وجهك َ وأنت َ تودّعني ..؟!
هل لا زلت َ – مثلي – تخافُ الفَقد ..؟!
هل تخشى ألاّ نلتقي – بعدُ – يوما ً ..؟!
آه ٍ .. من هذا الرحيل ..!!
أرجوك َ .. افتحْ بابَ السيارة ، وادخل ..
اخف ِ وجهَك َ هذا ، بتعابيره البالغة الألم .. اخفه عن ناظريّ .. وارحل .. ارحل ، أرجوك َ .. لم أعُد أحتمل كل هذه النظرات الخائفة ..
هل أقول خائفة ..؟!
لا .. لا .. هذا تعبيرٌ سطحيٌ جدا ً ..
هي وَجْلى ..
هي مرعوبة ..
هي بائسة ..
تكادُ تُغلِقُ مداخِلَ الإدراك ، بعدما وَلَجَتْ أوّلَ حُجرة ٍ منها ..
تودّ لو تضغط َ بأصابعها على رموش زرقاء اليمامة .. تغلقُ عينيها .. تشفقُ .. تحاولُ ألاّ تلِجَ من طبقات الخيال إلاّ إلى الأديم ..
أرجوك َ .. أتوسّلُ إليك َ .. اذهَبْ .. لم أعُد أحتمل ..
لكن .. اتركْ لي ذلك الفيضَ العارمَ من أمواج الحنين ، والشوق ..
اتركْ لي ذاتك َ العابثة ، التي كنتَها قبل قليل ، عندما التقينا ..
حبيبي ..
أتحَسّسُ عَقِبَ رحيلك َ هذا ، غيوما ً من قُبَل .. كنتُ قد حلمتُ بها ، فوق حياء شفتيّ ..
وأمرّ بأصابعيَ الثكلى ، على خدّيَ الأيمن ، الأكثر ثُكلا ً .. أبحثُ عن قبلة ٍ يتيمة .. أوْدَعتَها ، أمانة ً عندي ..
أدفنُ رأسي في حضن الحُلم .. أغفو على مَدارج ِ قهري .. في أحضان دموعي .. وعلى أنغام نحيبي ..
أداري .. كي لا تشعر بي أمي .. أو ابنة أخي العاشقة .. هي العارفة بهذه الأمور مثلي ، وأكثر .. فلا تزالُ في عمر الزهور .. ترقصُ على دقات قلبها كل لحظة ..
قرّرتُ الآن .. رأفة ً بالجميع .. أن أغلقَ دفتر ذكرياتي .. أخفي وجهَك َ ، وتعابيره ..
ذلك َ ، إن استطعت ُ ..
فادعُ لي بالسلام ..
أقبّلك َ .. وإلى اللقاء .. ذات َ شوق ٍ متوقّد ٍ دائما ً ..}
زينب ..
******************************************************************
{ تلك َ الرائحة المميّزة ، التي تنبعثُ من غرفتك ِ ، يا غالية .. أثيرة ٌ على قلبي ..
تنعِشُ روحي ..
تحوّلُ غربتي ، إلى حضور ..
تحوّلُ وَحشتي ، أنسا ً ، وانسجاما ً ، وألفة ..
تعطيني دفئا ً ، لا مَثيلَ له .. يُشعِرني بطعم الحياة ..
كأنني ، للتوّ ، غفوتُ في حضنك ِ ، بعد أن أنهَيتُ وجبتي من الرضاعة ..
ذلك الاسترخاء النفسيّ ، والجسديّ ، والشعور بالاستقرار ، والأمان .. لا يمكنني أن أتصوّرَ – يوما ً- أنني أفقده ..
لأنه بلسمُ حياتي .. مَراحُ روحيَ القلقة .. ظلّ ٌ وريفٌ ، في ليالي قيظيَ الطويلة .. }
ابنتك ِ .. زينب ..
*****************************************************************
– هاربٌ منها ، ومن الجميع ..
هاربٌ ، حتى من نفسي ..
آت ٍ إليك ِ ، يا زينب .. لتكوني آخر ملجأ لي .. وآخر استراحة ، في هذا البلد ..
وأطلقَ
زفرة ً من الأعماق .. مرميّا ً – كقتيل ٍ – على الكرسيّ البلاستيكيّ ، الذي كنتُ أتخلّى له عنه ، عندما يأتي .. لأنه – على رخص ِ ثمنه – أكثرَ إراحة ً من أيّ كرسيّ في المحلّ ..
كدتُ أحتضنه .. وأقبّل عنقه .. حين أرخى رأسه فوق المقعد إلى الخلف ، محدّقا ً في اللا شيئ .. مُسْدِلا ً يديه إلى الجانبين .. تتأرجحان ، كيدي ميت .. كالشهداء .. أو ، كالقتلى المحمولين على ألواح الخشب ، عبر شاشات التلفزة العربية ، والأجنبية ..
– يسعدني يا محمود ، أن أكون لك َ ملجأ .. لكنني لم أفهم ما معنى ( آخر ) ..!!
فتحَ زرّ جيب قميصه الأزرق .. ناولني ..
– ماذا ..؟! جواز سفر ..؟!
– غدا ً .. إن شاء الله .. في الصباح الباكر ..
– جُنِنت َ يا محمود ..؟!
– أبدا ً .. أنا الآن أعقل من أيّ وقت ٍ مضى .. كان عليّ أن أفعل ذلك من زمان ..
وتلاحَقت دموعٌ كاللآلئ ، من جانبيّ المقعد .. تتابعت دون إبطاء ، وهو يشهق ، كطفل فقدَ كل ذويه ..
{ ما أرقّك َ ، يا محمود ..!! حين تبكي .. وحين تغضب .. حين تضحك .. وحين تشرب القهوة .. حين تحبّ .. وحين تكره .. ما أروعك ..!! }
سالت دموعي ، دون إذن مني .. شرَقتها .. دون جدوى ..
و – بصوت ٍ مبحوح – :
– لا تستسلم يا محمود .. لا تفقد أروعَ صفاتك َ .. الأمل .. التفاؤل .. الصبر .. المواجهة ..
ماذا جرى لك َ ..؟!
حاولتُ أن أجعل من نفسي واعظة :
– لو أن كل إنسان يستسلم بهذه البساطة ، لما حقّق أحد ٌ أحلامه .. لو انكسرت الأشجار من قوة العواصف ، لما بقيت غابة ..
قاطعَني :
– أرجوك ِ ..!!
صمَتّ ُ – محترمة ً رغبته – ..
قمتُ .. متوجّهة ً إلى الداخل ..
– لا أريد قهوة ..!!
– متة ..؟! زهورات ..؟!
أشارَ لي براحة يمينه ، شاكرا ً …..
دقيقة .. دقيقتين .. أم دهرا ً .. صامتين .. ونبكي ..
جمَعَ كل ما أوتيَ من نزق .. طواهُ في قلبه .. أغلقَ عليه بالسحّاب .. نهَضَ ، ماسحا ً عينيه بمنديل ٍ ورقيّ ، تناوله من العلبة .. سحَبتُ له عدّة َ مناديل :
– خذها ..
– شكرا ً ..
ونهضَ ..
– ادعي لي يا زينب ..
– إلى أين ..؟!
لكنه خرجَ .. وانزلقَ داخل السيارة ، دون أن يلتفتَ إليّ ..
صرختُ :
– محمود …..
أرخى المقودَ ، ونظر إليّ بعينين صافيتين ، مسترخيتين ، خاويتين .. مانحا ً إيايَ فرصة ً أخيرة ً لأتكلّم ..
– سامحيني يا زينب .. لا تبك ِ هكذا .. ألله يخلّيك ِ ..
انتابَني الهَلعُ ، من احتمال أن يتركني – فعلا ً – .. ويسافر .. و .. لا يعود ..
اضطربتُ .. وتردّدتُ ..
هل أعبّر له عن حقيقة مشاعري تجاهه ..؟!
وما قيمة ُ هذه المشاعر ، إن لم تصِله ..؟!
الخوفُ من فقدانه ، أفقدَني السيطرة على الكتمان ..
ومن خلال نافذة السيارة المفتوحة :
– محمود .. أرجوك َ .. أينما ذهبت َ في هذا العالم ، أو خارج هذا العالم .. لا تنسَ كم أحبك َ .. وكم أحترمك َ .. ولا تنسَ أنك َ أهَمّ إنسان في حياتي .. وأنني ، لم .. ولن أحبّ رجلا ً سواك ..
لا تزعزعْ ثقتك َ بي ، أرجوك .. لا تؤاخذني ، أنني لم أستطع يوما ً مساعدتك .. لأنني – دائما ً – بحاجة إلى مَن يساعدني ..
سأكتبُ لك َ كثيرا ً ، يا محمود .. وستعرف أنه لك َ ..
لا تنسَني ، يا محمود ..
لأنني ، لن أنساك َ – أبدا ً – ..
سأخلِصُ لك َ ، على طريقتي في الإخلاص ..
ألله معك .. أينما ذهبتَ .. وحيثما حَللت َ ……
فاجأني خشوعُه ، وهو يستمع إليّ ، كطالب ِ حاجة ٍ ، يستمع إلى واعظ ..
أغلقتُ المحلّ خلفي ..
ضبابُ الدموع ، عرقلَ عليّ رؤية َ المفتاح داخل درج المكتب ..
أمسكته ، لأقفل الباب ، وأضع الستارة فوق زجاجه .. وأفرّغ كل ما لديّ من قهر .. لكنني فوجئتُ به بالباب ، يطرقه ، ويدخل .. وفي هيئة ٍ مختلفة ، ولهجة ٍ مستغربة :
– ماذا قلت ِ ، يا زينب ..؟!
لم أدر ِ ما أحسستُ حينها .. لكنني ، لأول مرة ، قلتُ له :
– اخرجْ .. اخرجْ يا محمود .. أرجوك ، اخرجْ .. وانسَ كل ما سمعتَ ..
– من أجلي .. من أجلي – فقط – أعيدي ما قلت ِ ..
أخفيتُ وجهي بزنديّ ، كطفلة ٍ خجولة .. أحسستُ بسخونة ٍ تجتاحني .. وحَرَج ِ مراهقة ٍ ، أربكها تصرّفٌ طائش ، ندمتْ عليه ..
وعندما عجز أن يُقنعني أن أعيدَ ما قلته .. خرجَ – متباطئا ً – وأغلق َ الباب ..
لم أرفعْ رأسي إلا عندما أطلقَ بوقَ سيارته ، مودّعا ً .. و ..
غاب َ …. داخلَ خيوط المطر ..
************************
أشعلتُ مَوقِدَ المازوت .. غيّرتُ ملابسي .. استلقيتُ على السرير .. أفزعَني شكلُ وجهي في المرآة .. تدثّرتُ باللحاف ، والحِرام الصوفيّ .. تكوّرتُ على نفسي ..
أيقظني – في حوالي العاشرة – مساء ً ، جرسُ الهاتف ..
اعتدلتُ في السرير .. نظرتُ في الكاشف ..
وازدادَ الخفقان ..
هتفتُ :
عين براعم ..!!
– كيفك ، يا زينب ..؟!
– الحمد لله .. مليحة ..
– صحيح ..؟!
– وحَياتك ..
كيفكَ أنت ..؟! وكيف مريم ..؟! و ….
– كلهم بخير .. لكن أنت ِ ..؟! أخبريني عن أحولك ِ ..
– ممتازة .. نمتُ قليلا ً .. بل كثيرا ً ..
قاطعَني :
– ماذا كنت ِ تقولين لي ، يا زينب ..؟!
– …………………..
– هل ندمت ِ ..؟!
– وهل يهمّك َ أن تعرف الحقيقة ..؟!
– جدا ً .. وبالسرعة الممكنة ..
وعَدته أن أرسلَ له رسالة بذلك الخصوص .. بالبريد المضون .. على عنوان مريم .. ورجوته ألا يجعلها تفتحها ظانّة ً أنها لها ..
– وحياتك .. لن يفتحها أحد ٌ غيري .. وعد يا زينب ..
أنا بالانتظار ………
*************
{ لم .. ولن أندَمَ – يوما ً – على ماقلته ، لأنني أعنيه ..
وما اعتدتُ أن أتخذ قرارا ً كهذا ، بشكل انفعاليّ ، غير عقلانيّ .. أبدا ً .. إنما أعنيه ، بكامل قوايَ المادية ، والروحية .. لكنني .. لن أخونَ الضياء .. وأخشى أن أفعل .. فلا تتهمني بالتناقض .. أرجوك ..
لن أعتدي على حقوق الغير ، مهما كانت المغريات ..
أمسِكُ بلجام جموح الجسد .. وأطلِقُ أجنحة الروح ..
هو خاضعٌ لإرادتي ..
لكنها ليست كذلك ..
هو ، لم تدخل الخيانة ُ في نسيجه ..
وهي ، كذلك ..
تعرفني ، يامحمود .. وأعرفك َ جيّدا ً ..
فإنني مذ وُجِدتُ ، وعدتُ الشمسَ – صادقة ً – ألاّ أخونها ..
وأقسِمُ ، أنك َ كذلك ..
وكلانا صادقٌ مع نفسه .. وبالتالي ، مع الآخر ..
أنت َ…. أنت – فقط – …. أخي …. أخي ، وصديقي ، يا محمود ..
أنت َ تعني لي الكثير .. وكذلك منتهى ..
هي ، بانتظارك َ ، يا محمود .. لكن .. اصبر .. مزيدا ً من الصبر .. واعذرها .. اعذرها يا محمود ..
أعرفُ أنك َ تعِبت َ من أجلها كثيرا ً .. لكنها لا زالت بحاجة إلى وقت ٍ إضافيّ ، لتستعيد ثقتها بك َ أولا ً .. ثم بنفسها ، وبالآخرين ..
أعرفُ أنّ مَهَمّتك َ صعبة .. لكنني – بالمقابل – أعرف أنك َ محمود .. صديقي .. الذي أفخرُ به .. وبما يحمل من قِيَم ٍ إنسانية ٍ ، ونبيلة .. ولا تنسَ – يوما ً – أنك َ تملك أعظمَ قوّتين في العالم ..
قوّة الحقّ .. وقوّة الحب ..
تصوّر ، يا محمود .. عندما أغلقت َ البابَ خلفك َ ، وذهبت َ .. أجفِلت ُ .. فأسرعت ُ لأغلِق َ الباب َ ، وأعود إلى غرفتي .. كنت ُ خائفة جدا ً .. أخَفت ُ ابنة َ أخي .. لكنني أوهَمتها أنني – فقط – أعاني من اضطرابات هضمية معتادة .. وتناولت ُ أمامها قرصا ً مخفّفا ً للحموضة ..
أراك َ تتساءل ُ ، ما الذي كان يخيفني ..؟! ببساطة ، أقول لك َ : أكثر ما كنت ُ أخشاه ، كان ، أن يكون أحد ٌ قد سمعني أقول لك َ ( أحبك ) ..
لو قلت ُ لك َ ( أكرهُك َ ) ألف َ مرة ، لما خشيت ُ أحدا ً ..
أما أن يعرفوا أنني أحبك َ .. فتلك َ الطامّة ُ الكبرى ..
الحبّ عطاء ٌ يا محمود ..
وعندما تنتفي صفة ُ العطاء عن الحب ، يصبحُ شعورا ً ، تصنيفه ليس من مفرداتي .. لا تحتويه أبجديّتي ..
الحبّ حاجة .. والمُحِبّ يحتاج إلى العطاء ..
الحبيبان يتبادلان العطاء ..
الحب عاطفة ٌ تبني ..
أما إن هَدَمَتْ .. فهي ليست حبا ً ، أبدا ً .. أبدا ً ..
سافر يا محمود .. سافر .. لكن بشرط .. أن يكون سفرك لاستعادة قواك .. وليس هروبا ً .. بل ، للنظر إلى المسألة من بعيد .. كي تراها بشكل أشمَل .. كمَن ينظر إلى قريته من أعلى قمّة مشرفة عليها .. فيتّسع مدى رؤيته لها .. ويرى كل أبعادها ..
فالإنسانُ – كما تعلمُ أيها الغالي – عدوّ ما يجهل ..
سأقِفُ بجانبكما ماحَييت ُ ..
وستكون سعادتي – كما كانت دائما ً – في خدمة الحق .. والخير .. والجمال ..
هذه أنا .. أيها الغالي .. }
زينب …. أختك ..
السور الأخضر
2004

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك