تخطى إلى المحتوى

الجزء الثامن والأخير من رواية الأديبة فاطمة صالح صالح (صلاةٌ.. لغيومكِ القادمة )

12177752_901258906628745_922538586_n-225x3001{ لماذا تغيّرت َ يا محمود ..؟!
هل تريدني ألاّ أتعلّق َ بك َ أكثر ..؟!
هل تريد أن تُعلِمَني ، بطريقتك َ الراقية ، أن حلُمي لا قرارة َ له ..؟!
أبكيتني يا حبيبي ..
وإن تصادفَ أنني ضعفت ُ – يوما ً – وبُحت ُ لك َ بمشاعرَ خاصّة بي وحدي .. فأنا آسفة ..}
زينب .. أختك ….
****************
{ الخامسة عصرا ً ، ولم تأت ِ يا محمود ..
ما أبطأ الثواني .. بل ، ما أسرعها ..!!
ثلاثة شهور ، وأنت َ غائبٌ يا غالي ..
وكم سأعُدّ يا محمود ..!! كم سأعدّ يا حبيبي ..!!
سألتُ أختك َ اليوم عنك ، على الهاتف .. قالتْ أن موعد مكالمتك َ الثانية لها ، في الأول من الشهر القادم ..
آه ٍ .. أيها الغالي .. ما أبعَدَ المدّة ..!! ما أطولَ الأيام ..!!
أتساءلُ يا محمود : هل أنا – فِعلا ً- إنسانة ٌ ناضجة ٌ عاطفيا ً ..؟! هل أمَثّلُ سنّي ..؟! هل لمثلي أن تعشقَ بهذا الفيض .. وقد كسّر َ الزمانُ أجنحة َ روحها .. وعانت ما عانت .. وانتكست علاقاتها بالرجال أكثر مما تعرف أنت َ بكثير ..؟! كيف يمكن لها أن تعود وتحبّ رجلا ً .. وبهذا الشكل الذي يشبه حُبّ مراهقة ..؟!
هل تستطيع تفسير ذلك يا محمود ..؟!
دائما ً أترك لك َ الجواب ..
المهمّ .. وعَدَتني العزيزة مريم أن تتصل معي ، وتخبرني عن أحوالك ، فور تلقّيها مخابرتك .. وكنتُ قد أخفيتُ عنها لهفتي عليك ، بافتعالي المزاح :
– كم أنت ِ بخيلة يا مريم ..!! إن لم أكلّمك ِ أنا ، لا تكلّمينني ..؟! هل هذا يعني أن محمودا ً وحده الذي كان يربط بيننا ..؟! بالمناسبة ، ما هي أخباره ..؟!
– لا وحياتك ، يا زينب .. تعرفين غلاوتك عندي .. لكن …..
لم أدَعها تكمل .. :
– لا تهتمّي .. إنني أمزح .. لكنني اشتقتُ لكم جدا ً ..
– ونحن أكثر .. لا تزعلي مني ..
واعتذرتْ بلباقة ، ورقّة … تشبهك َ ..
أنا بالانتظار ، يا حبيبي ..
لن أجلس َ كمراهقة حقيقية .. وأضيّع وقتي باجترار الذكريات .. أبدا ً .. سأتصرّف كعاشقة ٍ ناضجة .. أملأ وقتي بالعمل ، والقراءة ، والكتابة ، والاجتماع بالصديقات الرائعات ..
سنتناقش بأمور الحياة العامّة ، والخاصّة .. ( بلا رقيب ) .. كما أشارَ لنا مُقدّم برنامج ( عالم الأدب ) .. حين أوصانا بالكتابة الحرّة الصادقة ..
وبالمناسبة .. أحيانا ً ألومه ، وأمثاله كثيرا ً .. كما ألومُ نفسي ، وألومك َ ، وأمثالنا كذلك .. حين أصِلُ إلى درجة ٍ كبيرة من الشقاء ، وفقدان الأعصاب ، نتيجة تعامُلي مع الناس بهذه الصفة الخاصة ، جدا ً .. جدا ً .. ( الصدق ) .. و أختها .. ( الحرية ) .. فأصبّ جامَ غضبي عليه ، وعلينا :
– في أيّ مصرف ٍ من مصارف هذا الزمان الرماديّ ، الأسود ، والأصفر ، يُصرَفُ الصدقُ ، والعفويّة ُ ، والنزاهة ..؟!
في أيّ زمن ٍ نعيش ..؟! ( على رأيك َ ، سابقا ً ، يا محمود ..؟! ) ..!!
لكنني ، أقسمتُ ألاّ أتخلّى عنهما .. على الأقلّ في الأدب .. لأنني لم أعُد أعتبره ترَفا ً ، أو إثبات ذات – فقط – .. لقد تجاوزتُ هذه المرحلة ..
صرتُ أعتبر الأدبَ رسالة .. وأنا مُصِرّة ً أن أؤدّيها بأمانة ..
فادعُ لي يا غالي ..
زينب ..
السور الأخضر .. 2004
وبما أنني مُصِرّة ً على ألاّ أطلِعَك َ على مذكّراتي الخاصة بك َ .. أقول :
– بوُدّي يا غالي .. أن أغني الآن ، في هذه اللحظة بالذات :
/ خايفة لمّا تسافر .. عالبلد الغريب ……….. تنسى إنك فايتْ في بلدك حبيبْ
مستنّي بأشواق .. وتعبان .. تعبان من فراقك ..
وموَلّع لك شمعة .. بنورها مستنّيك ..
وبعيونو دمعة .. بتمسحها بإيديك ../
************************************************************
– غدا ً ، الخميس .. ستنشَر لي قصة جديدة في ( مُلحَق الثورة الثقافي ..)
– بعد كل ما عانيت ِ .. لم تُحبَطي ..؟!
– مَن قال لكَ أن الآلام ، ليست وَحدها مفجّرة الإبداع ..؟!
– آخ ..!! إذا ً ، يجب أن تتفجّرَ من صدري كل فنون الدنيا ..
– كلنا كذلك يا محمود .. لكن الإنسان ، إذا التجأ إلى البوح .. إلى صديق ، مثلا ً .. أو ، إلى قلمه ، يرتاح كثيرا ً .. وحياتك يا محمود ..
– ( وخير جليس في الأنلم ، كتابُ ..)
– ودفترُ .. أيضا ً ..
أنت َ لا تقدّر يا محمود ، كم أشعر بالراحة عندما أكتب قصة .. صدّقني ، أشعر أنها فرّغتْ عن صدري ضغطا ً كبيرا ً .. خصوصا ً ، بعد أن صارت قصصي تصل إلى شريحة واسعة من الناس .. أشعر أن كل من يقرأها يشاركني مشاعري .. ويتفاعَل مع أفكاري ، وهمومي .. أنهم يدعمونني ..
وعندما أقرأ أيضا ً .. أشعر أن أصدقائي قد أصبحوا كثرا ً ..
– هنيئا ً لك ِ ..
– صحيح .. لماذا لا تحاول أن تكتب ، وأنت قارئ جيد ..؟!
– مَن قال هذا ..؟!
– أمانة .. ؟! لكن لماذا لم تقرأ لي شيئا ً من كتاباتك ..؟!
– قولي : ان شاء الله ..
******************************************************************
كنتُ أغلي القهوة ، حين استأذنني ، وقرأ :
{ سأقتله يوما ً .. أو ، سأساهم في قتله ..}
– أوفّ ..!! أعرفك ِ لا تكرهين أحدا ً .. فمن هذا العدوّ الظالم ، الذي تنوين قتله ، كي أساعدك ِ عليه ..؟!
– ليتك َ تفعل ..!!
– مَن هو ، بالله عليك ِ ..؟!
– الجهل ، يا محمود ..
– آخ ..!! وضعت ِ يدك ِ على جرحي ..
– جرحنا جميعا ً ، يا صديقي ..
– صدّقيني .. عندما أراك ِ متحمّسة للكتابة .. وأرى تصرّفاتك ِ ، وعفويّتك .. وحبك للناس .. أتساءل : في أيّ زمن ٍ تعيشين ، يا زينب ..؟! هذا زمنُ الخراب .. زمَن الباطل ..
– ليس للخراب ، أو للباطل زمَنٌ يا محمود .. لهما مَرحَلة عابرة ، فقط .. الزمان – دائما ً – يغربل .. ولا يُبقي إلا ما ينصر الحياة .. ما يخدم الحق ..
– يا ألله .. كم أنت ِ مثالية .. ونحن في زمن : ( إن لم تكن ذئبا ً .. أكلتك َ الذئاب ..)
– الذئاب .. أنت َ قلتها .. الذئابُ ، هي التي تأكل البشر .. هل رأيت َ ، أو سمعت َ ، أن إنسانا ً يأكلُ ذئبا ً ..؟!
– في المجاعات .. الإنسانُ يأكلُ – حتى – ابنه ..
– الجوع ُ ، يحوّلُ الإنسانَ إلى وحش ٍ مفترس .. وعندما يصل الإنسانُ إلى درجة أن يأكلَ أخاه الإنسان .. يكون الجوعُ الجسديّ ، والروحيّ ، قد حَوّلاه إلى وحش ..
– دائما ً تفحِمينني ، يا زينب ..
– ودائما ً ، يُثريني حضورُك َ ، يا محمود ..
– آخ .. يا منتهى ..!!
– اصبر .. قلنا ، لا يصحّ إلاّ الصحيح ..
– لم أعُد قادرا ً على الصبر ..
– لا أصدّقك َ .. لسبب بسيط .. أنك َ محمود .. صديقي .. الذي أعرفه جيدا ً ..
******************************************************************
{ حلمت ُ – اليومَ – يا حبيبي ، أنك َ أتيت .. وكنت ُ عند مريم .. أشمّ رائحتك ..
زرتها ، لأنني أحبها كثيرا ً .. لكن الهدف المخفي ، هو أن أتواصَلَ مع أحد يخصّك .. أو ، أيّ شيئ يذكّرني بك َ .. ويُشعِرني أنني قريبة ٌ منك َ ..
وأتيت َ من السفر .. واستقبلناك َ ، أنا ومريم ..
حاولت ُ أن أكون َ حياديّة ، قدر الإمكان .. أو ، جدّية .. وأنا أسلّم عليك ..
تحاشيتُ وضعَ يدي في يدك .. كي لا ألفت َ نظرها ..
لا أستطيع وصفَ فرحتي برؤيتك .. وإحساسي بالسعادة ، والأمان .. أخفيت ُ مشاعري ، حتى عنك .. وربما فعَلت َ أنت َ شيئا ً يشبه ذلك ..
كانت مريم – أحيانا ً – تتحوّلُ إلى منتهى .. وعندما تكونها ، أشعر بالألم ..” هل أنا منافقة ..؟! هل أنا خائنة ..؟! ” .. لكن صراعيّ اللاشعوريّ ، يجدُ حَلا ً منسبا ً .. فأستيقظ ..}
زينب .. أختك ..
******************************************************************
بقيت ُ مدة غير قصيرة ، حتى استطعت ُ إقناع َ أمي أنني عندما أتعامَلُ مع رجال ، أعرف مع مَن أتعامَل .. وأن جمهور ( اتحاد الكتاب ) ، و ( المركز الثقافي ) ، متميّز ، فكريا ً .. وحضاريا ً ، عن جمهور الملاهي ، وحفلات الخمر ، واللهو ..
– أليستْ نظرتك ِ مثالية قليلا ً ..؟!
– أبدا ً ، يا محمود .. لكلّ قاعدة استثناء .. كل مجموعة من الناس ، تحتوي على كل الأنواع .. لكن جمهور الفكر ، والقراءة ، يبقى مميّزا ً ..
– ليس الجميع ..
– مَن قالَ لك َ أنني أعَمّم ..؟! لكن – كما قلت َ أنت َ ، من زمان – : كلّ إنسان يبحث عمّن يشبهه ..
– صحيح ..
– ولنكنْ منطقيين ، يا محمود .. ماذا نريد من الآخر ، إلا أن يعاملنا بندّية .. بإنسانية .. واحترام ..
– لا شيئ ..
– هل علينا أن نحَلّلَ شخصيّة َ كل إنسان نتعامَل معه .. وأحيانا ً نفهمه صَحّ ، وأخرى خطأ ..؟!
لديّ قناعة تامّة ، أنه ، لو أن كل شخص منا استطاع َ أن يطوّرَ نفسه أولا ً .. بالعِلم ، والمعرفة .. ويجرّب .. ويفشل .. وينجح .. أيّ ، يستخدم طاقاته الفعّالة .. عند ذلك – فقط – يستطيع أن يواجه َ الجهل َ ، والاستعمار َ ، والنفوسَ المريضة ..
أمّا أن نظلّ كل الوقت .. كل واحد يقيّم الآخر .. ويرى نفسه أفضلَ منه .. فهذا حرام .. والله حرام ..
ألله ، سيسألنا جميعا ً – يوما ً ما – عن أعمارنا ، كيف قضيناها .. أليس كذلك ..؟!
– الآن ، فهمت ُ لماذا يتهمك ِ الناس بالجنون .. لأنك ِ – فِعلا ً – غير طبيعية ..
– بدون ميوعة .. ( وأضربه على كتفه ) .. ونضحك معا ً ..
يا الله .. قمْ ، يا متخلّف .. خذ القهوة .. يا الله ..
– لا .. ألستُ رجُلا ً ..؟!
( أغلِق ُ فمي ، بكفّي الأيمن ) .. يستدرك :
– ( طظّ ..!! ) .. قوليها .. قوليها ..
– حاشاك ، يا محمود ..
******************************************************************
– هل ترين يا زينب ، أننا اختصَرنا تفكيرنا بأمور خاصّة .. وأننا لا نعطي الأمور الكبيرة حقها من التفكير ..؟! وأن الأحداث التي يمرّ بها الوطن العربيّ .. ومنطقتنا تحديدا ً .. وتزلزلها .. لا تأخذ حقها من تفكيرنا ..؟! وأنّ المآسي التي يتعرّض لها أهلنا في فلسطين ، والعراق ، والسودان ، وكل مكان .. كأنها خارج دائرة اهتمامنا .. كأننا نتفرّجُ على فيلم ٍ خياليّ .. وأن أحداث هذا الفيلم ، تدورُ في منطقة ٍ خارج الكرة الأرضيّة ..؟!
– صحيح .. أو ، كأنها تدور في ( ماكوندو العربية ) ..
آخ .. يا محمود .. !! وهل نستطيعُ أنا أو أنت َ ، التفكير إلا بأنفسنا .. ومشاكلنا ..؟!
أنا أرى أن الوضعَ كله من بعضه .. وكله متشابه ..
مشاكلنا الخاصة ، والعامة .. كلها قضايا مصيرية .. ومسألة وجود ، وكرامة .. أو العكس .. و ( فاقد الشيئ .. لا يعطيه ) ..
الإستعمار .. ليس شكلا ً واحدا ً ، يا محمود ..
*****************************************************************

{ الأبناء يشعرون بالملل ، والفراغ ، خلال العطلة الصيفية .. والآباء مُرهَقون من تنقية الحبوب .. وطحن البرغل .. إلخ ..
لماذا لا يتعلّم الجيل الجديد ، أن من واجبهم مساعدتهم ..؟! ويقضون أوقات فراغهم بالعمل المنتج ، الفعّال .. بدل الجلوس أمام التلفزيون لساعات .. ولعب ( الأتاري ) والأفلام الهَدّامة ..؟!
لماذا لا يشاركون أهلهم العمل .. حتى يشعروا بأهمّية ذواتهم ، واحترامهم لأنفسهم .. لأنهم أعضاء فاعِلين في المجتمع ..؟!
فيشعرون بالثقة ، والقوة .. عندما يكتسبون معارف جديدة ، واقعية ، وخِبرات ، تساعدهم على الحياة بشرف .. فيشعرون بالكرامة ..؟!
غدا ً .. إذا أكَلوا برغل – مثلا ً – يقولون : نحن نقّينا الحنطة ، وحَرّكنا البرغل على السطح ، وساهمنا في تنزيله ، وطحنه .. مثلا ً ..
مبدأ تربَويّ صحيح .. مُعادَلة :
القيام بالواجبات .. للحصول على الحقوق ..
أترك ُ لك َ التعليق ، يا محمود ..
*******************
{ هناك وضعٌ ، يُدعى ” القابليّة للاستعمار ” .. أنا لا أستطيع أن أكونه .. لا أقبَل أن أكون مستعمَرة .. ولا مُستعمِرة ..
أنا أؤمن بحرّية الإنسان .. الحرية ، التي تستوجِب المسؤولية ..
بالحق .. بالعدل ..}
*****************************************************************
كم كانت منتهى سعيدة ، عندما أخبرها سلمان ، أنه سيُسَرّح من الجيش ، بعد شهر فقط ..!!
لكن ما أقلقها أنه لم يكن سعيدا ً كثيرا ً .. بل ، كان قلقا ً ، وهَرِما ً ..
شعرتْ بالذنب ..
هي التي تنغص عليه عيشته .. هي عالة عليه .. لابدّ أنه قلقٌ عليها ، وعلى نفسه ، وأمه .. وعلى مستقبلهم ، الذي لا يبدو مُشرقا ً ..
ثم .. ثم ، يا منتهى ، لماذا لم تنجبي لزوجك ِ ولدا ً يُسعِده ، ويُسعِدك ِ ..؟!
وتشتعِلُ الأمومة ُ النائمة ُ في صدرها ..
لكنها تخاف .. تخاف الحَمل والولادة ..
شغلها تسريحُ سلمان ، عن التمادي في هذا التفكير .. حيث عاد َ إلى عمله كمُدَرّس لمادة اللغة العربية ، في الثانوية المُنشأة حديثا ً في قرية مجاورة ..
تلاحظ أنه صار نزقا ً جدا ً ..
أنت ِ السبب ، يا منتهى ..
لم تنفع معها مجامَلاتها له .. ومحاولة إضحاكه ، عندما تراه مُكفهِرّ الوجه .. وحتى أمه .. التي لم تصدّق نفسها أنه عادَ بخير وسلامة .. وأن نذورها ، وأدعيتها قد استُجيبَت ْ .. ليس من أجلها فقط .. بل من أجله هو .. ومن أجل تلك المسكينة ( المعترة ) زوجته منتهى ..
كان مُشتّت َ الفكر .. بين حال زوجته التي تحتاج بين فترة وأخرى إلى مراجعة الأطباء .. ليس في طرطوس فقط .. بل ، وفي اللاذقية .. وحمص ، أحيانا ً.. وبين حاجة طلابه المُلحّة ليُضاعِفَ جهده معهم .. خصوصا ً ، أنهم في الباكالوريا .. ولم يأتِهم – حتى الآن – مدرّس كفؤ ، مختصّ بتلك المادة – على أهَمّيتها القصوى – ..
بيته ، غير مُكتمِل البناء .. زملاء دراسته الإبتدائية ، الذين تركوا المدرسة ، واشتغلوا أعمالا ً حُرّة ، استطاعوا أن يبنوا بيوتا ً حديثة .. وأن يفرشوها كما يرغبون ، مع عائلاتهم ..
منتهى تشعر أنها السبب .. وأن تعَبه معها ، وهَمّه عليها ، ومصاريف الأطباء ، والسفر ، والأدوية .. هي التي أوقعَتْ زوجها الغالي في هذه الأزمة ، المادّية ، والمعنوية ..
سلمان ، يشعر بالتقصير .. فهو غير قادر على أن يعطي أحدا ً حقه كاملا ً .. لا زوجته .. ولا طلاّبه .. ولا حتى أمه المتفانية في سبيل سعادته ، وراحة زوجته ..
ثمّ .. ثم ، يا سلمان .. هل نسيت َ الوعود التي وعدتها لأمك َ الأرملة ..؟!
وتدور به الدنيا ..
تتوَدّد إليه منتهى .. وتبالغ في ذلك ..
وماذا بيدها أن تفعل غير ذلك ..؟!
تعَبّر له ، بين فترة وأخرى ، أنها تحسّ بما يعانيه .. وأنها عاجزة عن مساعَدته .. مع أنها تعرف أن لوضعِها دورٌ كبيرٌ في مُعاناته .. لكنه يوبّخها ، وينهَرها .. ويطلب منها – فقط – أن تصمت ، وتتركه بحاله ..
تبكي .. وتبكي .. وتبتلع الدواء ..
مرّة ً ، زارهم بعض المدرّسين من زملائه .. سلّمتْ عليهم ، وهَمّتْ بالخروج ، لتُكمِل الضيافة التي كان سلمان قد هيّأ معظمها ، قبل حضورهم .. لخوفه ألاّ تسمح حالتها الصحّية بتقديمها على الشكل الأمثل ..
كانت تقدّر له ذلك .. ويظن الضيوف أنها من صنعها .. لأن سلمان لا يحبّ أن يعرف زملاؤه أنه يساعِد زوجته في أعمال البيت .. فيسخرون منه ..
وقبلَ أن تخرج ، سألها أحد الحاضرين ، ولم تكن تعرفه من قبل .. مُحاولا ً أن يكسب رضى زميله المُضيف :
– لا زلت ِ مريضة ، حتى الآن ..؟!
هَمّتْ أن تشرح له أنها تحسّنتْ – الحمد لله – وأن صحتها أفضل بكثير ..
ولكنه قاطعها – دون أن ينتظرها لتردّ على سؤاله – :
– والله ، حرام عليك ِ .. أتعَبت ِ الأستاذ سلمان كثيرا ً ..
لا حظتْ أنه لم يكن ينظر إليها ، وهو يكلّمها هذا الكلام الجارح – .. بل كان ينظر إلى سلمان .. يرى انطباع َ كلامه في تعابير وجهه ..
لم يقهرها قول ذلك الضيف الثقيل ، الذي يتمَلّق زوجها .. بقدر ما قهَرها صمت ُ سلمان ..
كانت تتوقّع أن يدافع عنها .. وأن يقول للضيف : هذه زوجتي .. لم تمرض برغبتها .. كما أنني لا أسمح لأحد ٍ أن يهينها ، أو يؤذي مشاعرها ، حتى ولو بحرف واحد ، أو نظرة ..
لكن ظنها خابَ .. بل ، بالعكس .. صار سلمان أكثر حِدّة ً معها .. وحتى مع أمه .. وصار يتغيّبُ عن البيت كثيرا ً ..
مرة ً .. أتتْ أخته لتزورهم .. استقبلتها منتهى بكل احترام .. أليست أخت زوجها وحبيبها ..؟!
– البيت بيتك ِ ، يا بنت عمي .. والله ، أخوك ِ سلمان – دائما ً – يذكرك ِ بالخير ..
– إن كنتم تذكروننا ، فلماذا لا تذوروننا ..؟!
– اعذرونا ، يا بنت عمي .. سلمان مشغول كثيرا ً – كما ترين – .. وزوجة عمي ، لا تقبل أن تتركني بمفردي .. وأنا ، تعرفين وضعي ..
– أنا أسامحكم .. وأنت ِ ، يا زوجة أخي ، آدميّة ، وبنت أوادم .. على سلامتك .. لا أحد يتكلم عنك ِ إلا بالخير .. وأمي تحبك كثيرا ً ..
– والله يشهد ، أنا أحبها أيضا ً .. وأحبكم كثيرا ً ..
– من مدة .. سمعتُ أناسا ً يتكلمون حولك ِ .. ودافعت ُ عنك ِ ، لأنني أحبك ِ .. كانوا يقولون :
” لو أن الأستاذ سلمان ليس ابن أصل .. كان تركها .. أو تزوّج عليها .. ”
( تغصّ منتهى باللقمة ..)
– ما هذا الكلام ، يا ابنتي ..؟! ( تعترض أم سلمان ) ..
والله ، منتهى – وهي مريضة – .. أحسن من مئة واحدة بصِحّتها ..
يقولون : ( خذ بنت الأصل .. ولو كانت على الجنبين تميل ..)
( تبكي منتهى )..
– مَن الذي قال هذا الكلام ..؟!
– لا تبك ِ ، يا امرأة أخي .. فليقُلْ مَن يقول .. طالما أنت ِ وأخي متّفقان .. ليس لأحد ٍ أن يتدخّل ..
( تنهَرها أمها ) :
– إن أتيت ِ كي تزعِجينا يا ابنتي .. فلا تعيديها .. هل سمعت ِ ..؟!
******************************************************************
بعد أشهر .. تزداد حالة منتهى سوءا ً .. فيطلب طبيبُها من سلمان أن يعرضها على طبيب نسائيّ ..
– منتهى حامل ، يا أمي .. منتهى حامل ..
تطير أم سلمان من الفرح ، كما يطير سلمان .. لكن منتهى ، وبعد تأمّلاتها السعيدة .. بأنها – بعد أشهر – ستصبحُ أما ً .. هي التي تعشق الأطفال .. هي التي كانت تحلم أن تنجب ، من سنين .. والتي كانت تتكرّر عليها الأحلام ، في أنها ترضِعُ طفلا ً من صدرها ..
كم شاهَدَت نقطة الحليب ، بأمّ عينها ، تنزل من صدرها في فم الصغير ..!! وكم كانت تشعر بالشقاء ، عندما تستيقظ ..!!
تنبّهَتْ لأمر .. أن طبيبها أصَرّ عليهما أن يعودا إلى عنده ، فور عودتهما من عند الطبيب النسائي ..
طلبَ منها طبيبها – بعد أن هنّأها بالحَمل – أن تترك الدواء المضاد للكآبة ، الذي تتناوله من مدّة .. بالتدريج .. لأنه قد يكون خطرا ً على الجنين .. وأخذ زوجَها جانبا ً ، ليطلبَ إليه الانتباه عليها أكثر ، في هذه المرحلة .. لأنها من الممكن أن تنتكس حالتها ، إن لم تترك الدواء بالتدريج – كما أشارَ إليها – ..
******************************************************************
تعَسّرتْ ولادة منتهى .. التي كانت ستتمّ بإشراف قابلة قانونية .. إذ لم يكن طبيب المستوصف الوحيد في القرية موجودا ً ..
نزفتْ كثيرا ً .. فاستنجَدَ سلمان بطبيب من طرطوس مختصّ بأمراض النساء ، والتوليد ..
وتتساءل ( علياء ) طالبة الطبّ :
– لماذا لم تدخِلوها المشفى ، من البداية ..؟!
حَضَرَ الطبيب ، بعد أن قطعَ أكثر من ساعة سفر ، شمال شرق .. عبر الطريق المليئة بالحُفر ..
أخرجَ الطفل ، بعد أن أغميَ على الأم عدة مرات .. وكاد الطبيب يفقد صبره .. فهو حريصٌ عليها ، وعلى الجنين ، المُهَدّد بأكثر من عامِل خطورة ..
أمها تصرخ ، وتندب :
– يا ويلي عليك ِ يا منتهى .. ويل أمك ، على هذه الآخرة ..!!
حماتها ، لم تترك مزارا ً ، إلاّ ونذرت على اسمه ، وبشفاعته ، أن تتمّ الولادة بالسلامة ..
سلمان ، صلّى ، بشكل شبه متواصِل ..
– دخيلك يا سلمان .. اسعِفني .. أكاد أموت ..
هُرعَ نحوها .. ضمّ رأسَها بين راحتيه .. حاوَلَ الطبيب إبعاده – دون جدوى – .. مسحَ عرقها ، وقبّلها :
– لا تخافي يا منتهى .. نذرتُ عنك ِ ، كل ما أستطيع .. ألله كريم .. اصبري .. تماسَكي .. أنت ِ قويّة ..
أبعَدَه الطبيب ثانية ً .. فوضعُها لايحتمل .. إذ ، بَدَتْ علائمُ إغماءة ٍ أخرى على ملامحها .. أحضروا لها بصلة ، لتشمّها .. لكن الطبيب كان قد وضعَ على أنفها قطنا ً مبلّلا ً بالكحول .. وأعطاها حقنة أخرى ..
فتحت عينين ِ ، لا تشبهان عينيّ منتهى الجميلتين :
– دخيلك يا سلمان ..
– وماذا بمقدوري أن أفعل لك ِ غير ذلك ..؟! والله ، لو أستطيع أن أصعَدَ بك ِ إلى الله ، مباشرة ً .. لفعلتُ ..
يبكي الطبيب أيضا ً .. ويلتفت إلى الطفل الذي حاولَ أيضا ً إسعافه ، دون أن يكون لديه كثير أمل ٍ بنجاته ..
– عملتُ كل ما أقدر عليه .. والباقي ، على الله ..
وتنشرحُ الصدور ، عندما تفتحُ منتهى عينيها ، وتسأل :
– ماهذا ..؟!
وكانت تسأل عن إبرة المَصل التي تنقّط في وريدها ، عَبرَ سلك ٍ بلاستيكيّ شفّاف ..
– الحمد لله على السلامة ..
******************************************************************
{ حزينة ٌ أنا اليوم يا محمود ، على تلك الأرملة الشابّة ..
وجدوها غافية .. على سريرها المزدوج ، في غرفة نومها ، في بيتها .. وحيدة ..
ستائرها السود الغامقة ، مُسدَلة على جميع النوافذ ..
قميصُ نومها الرهيف ، ذو اللون الزهريّ الفاتح ، مرفوعٌ قليلا ً .. كاشفا ً عن فخذيها .. أزراره الخمس ، مفتوحة .. كمّه منزلقٌ عن الكتف الأيمن ، بشكل ٍ يُظهِرُ بياضه الناعم ..
شعرُها منكوش .. تتوسّدُ ساعديها المتصالبين تحت ذقنها ..
خلعوا الباب .. لأنها لم تردّ على الهاتف – رغم كل الرنّات ، المتلاحِقة ، والمتباعِدة ، والمتطاولة .. ولا على قرع ِ الباب ..
خافوا أن تكون قد ماتت ..
تلك الأرملة الشابّة ، ذات الثلاثين عاما ً ..
تلك الغريبة الأطوار .. المتردّدة دائما ًعلى عيادات أطباء النفس والجسد .. الذين يتبارون بتبديل دواء أحدهم بدواء آخر .. ليُثبتَ لها أنه أعلَمُ من زميله بحالها ..
وعندما يقول لها طبيبٌ ذو سمعة طيبة .. صدقَ يمينه الذي حلفه عند التخرّج :
– صدّقيني يا سيدتي ، ليس بك ِ شيئ .. هذه الآلام الجسدية ، هي – فقط – انعكاسٌ لحالة الروح ..
أنت ِ تتعذّبين .. وهذا وضعٌ طبيعيّ ..
لا تصدّقه ..
بل ، تبدّله بآخر ، يُحسِنُ اصطيادَ مخاوفها الوهمية .. وتوظيفها لمصلحته :
– خذي هذا الدواء .. وارجعي بعد أسبوع .. ثم أسبوعين .. ثم شهر .. نجرّب .. إن لم يفِدك ِ .. لدينا الأفضل ، والأفضل .. حتى نجد الدواء المناسب .. الطبّ تقدّم .. المهمّ أن تثابري على الدواء .. وعلى زيارتي ..
وربما وصَفوا لها أدوية من خارج القطر .. ربما من لبنان .. أو الأردن .. أو من أوربّا .. أثمانها باهِظة ..
وتفعل ..
ويلهون بصحتها النفسية ، والجسدية ، والمادية .. مُستغِلّين كونها زوجة شهيد .. وقد منحتها الدولة تعويضا ً ماديا ً سخيا ً ..
فتضيع ..
يتناولها ذو السمعة الطيبة .. عندما يشفق عليها ، حين تزور عيادته – يوما ً – .. يحاول أن يطمئنها ، ويعقلن نظرتها إلى الحياة .. وهي التي تستطيع أن تفكر بشكل عِلميّ .. لأنها مهندسة ..
تصحو قليلا ً .. تعقِلُ كلامَه .. لكنها لا تشفى ..
فتعود إلى غيره ..
وهكذا ..
أكوامُ الدواء على الطاولة ، قرب سريرها .. وكأسُ ماء ٍ فارغ إلا من بقايا شربة .. وإبريق ماء زجاجيّ .. وساعة منبّه .. ثم .. بقايا ورق ٍ ممزّق .. وقلم ..
بجَهد ٍ جَهيد ، أيقظوها .. بعد أن تأكّدوا أنها نائمة .. وأنها لم تمت .. من ارتفاع وانخفاض جسدها ، ببطء شديد ..
تأوّهَتْ .. وقلبتْ وجهها ، رافعة ً ساعديها .. متمطّية .. لا تكاد تقدر على فتح جفنيها ، الذين التصَقا قليلا ً ببقايا الدموع ، التي لم تجفّ ، على خدّيها الشاحبين .. والعرَقُ يبَلّل جسدها ..
أخرَجوا الرجال .. والتقطت إحداهنّ ورقة ، كانت تحت وسادتها الرقيقة .. أخفتها عن الجميع .. وقرأت .. ثم شهَقتْ – ضاربة ً صدغها .. صارخة ً :
– أيتها العاهرة ..!!
وأخبرت الجميع ..
فعاقبوها – كما تقضي الأعراف – ..
وكانت الورقة – كما اكتشفوا بعد فوات الأوان – قصاصة .. تحتفظ بها .. كتبتها ، عقِبَ إغفاءة ، على صدر زوجها المرحوم .. الشهيد .. بعد علاقة شرعية كاملة ..
أترك ُ لك َ التعليق ، يا محمود ………….}
زينب …
******************************************************************

( وغفوت ُ .. وأنت ِ على ذراعي ، يا منتهى ..
لكنني استيقظت ُ بمفردي .. فوق ذلك السرير الجافّ ، الموحِش ، البارد ..
لملمت ُ أشلائي .. وذهبت ُ إلى عملي .. ككلّ يوم ..)
محمود …
– محمود .. قرأت َ لي حتى الآن ، عِدّة خواطر جميلة ، وصادقة .. وتدلّ على موهبة ..
– بشرفك ِ .. أليست مجاملة ..؟!
– المجاملة ، فيها جزء ٌ كبير ٌ من النفاق ، والغشّ ..
أنا لا أجاملك َ ، يا محمود ..
– الحمد لله .. يكفيني أنها تعجبك ِ ..
– لا .. لا يا محمود .. هذا لا يكفي .. عليك َ أن ترسل نماذج للبرنامج .. أو أن تعرضها على أيّ إنسان مختصّ بالأدب ، من ذوي الثقة .. أصحاب الخِبرة ..
– بسيطة .. بسيطة .. لاتستاهل ..
– الموهبة مسؤولية .. مِنحة ربّانية .. علينا أن ننمّيها ، ونرعاها ، ونوظفها في خدمة الحق ، والقيم العليا ..
تنهّدَ بعمق .. وصَمَت .. فعرفت ُ أنه يفكر بالموضوع .. فتركته ليقتنع بنفسه .. بعد أن كرّرت ُ على مسمَعه ذلك القول الذي يعجبني ، ويساهم في قناعتي بأهمّية الأدب :
( الأمّة ، بدون فنونها .. كالعود ، بدون أوتاره ..)
– من أجل ذلك يا صديقتي ، حرق َ ( هولاكو العصر ) مكتبة بغداد ..
المستعمِر ، يدرسنا تاريخيا ً ، وجغرافيا ً ، ومجتمعيا ً .. لا ليطوّرنا – كما يدعي – بل ليعرف نقاط ضعفنا ، وينقضّ علينا منها .. ونقاط قوّتنا ، فينهالَ عليها تهديما ً، وتشويها ً .. ليسهل عليه اقتناصُنا .. دون تمييز بين فقير ، أو غني .. أو من هذه الطائفة ، أو تلك .. من هذا الانتماء ، أو ذاك ..
المستعمِر ، فقط ، يجب ألاّ نأمَنه .. لأن غايته عنصرية ، تنبع من ثقافته الاستعلائية ..
لكن ، علينا أن نحاربه بنفس السلاح الذي يحاربنا به ..
– أحسنت َ ، يا محمود .. لكن ، فقط ، دفاعا ً عن أنفسنا .. وليس اعتداء ً ، كما يفعل ..
– قصَدت ُ ، أن علينا أن نعرفه جيدا ً.. كي نعرف من أين علينا أن نواجهه .. ونردّ اعتداءاته ..
– أحَيّيك َ ، يا صديقي ..
ثقافاتنا ، أبعَدَ ماتكون عن الاعتداء على الغير .. ثقافاتنا ، دفاعية – فقط – .. لصَون ِ حقوقنا ، وكرامتنا ..
ذكّرتني ، يا محمود ، بكلمات ٍ سمعتها مباشرة ً من فم جدتي ( أم سليمان ) رحمها الله .. وهي – كما تعلم – زوجة المجاهد ( الشيخ يحي ) الذي كان ( عقيدا ً ) أثناء الثورة ، مع ( الشيخ صالح العلي ) ..
حَكتْ لنا جدتي ( حليمة ) من ضمن ما حَكت عن الثورة .. أنه – مرة ً – عندما سألَ الفرنسيون ( الشيخ صالح ) عندما كانوا يحاكمونه في اللاذقية .. بعد أن سَلّمَ نفسه ، محاولا ً دفع َ الضَيم عن القرى التي كانوا يظنونه مختبئا ً فيها .. بعد أن استحالت إمكانية متابعة الثورة ، للأسباب المعروفة للجميع ….
– أكمِلي .. أكمِلي .. كل هذه الأمور نعرفها جيدا ً ..
– عفوا ً .. دائما ً أسترسل ..
قال الكولونيل – يومَها – للشيخ الجليل :
– لماذا تحاربوننا ، يا شيخ صالح ..؟!
فرَدّ عليه الشيخ – بثقة المؤمن – :
” – نحن ، لم نذهب إلى بلدكم فرنسا لنحاربكم .. أنتم مَن اعتديتم علينا في بلدنا .. ونحن نردّ عدوانكم . ”
وعندما حاوَل الكولونيل إقناع الشيخ أنهم آتون َ بنيّة ٍ صافية ، لتحريرنا من العثمانيين ، وأطماعهم ، وظلمِهم ..
رَدّ الشيخ :
” – لا تستخِفّوا بعقول الناس .. أنتم ، لم تأتوا إلاّ طامِعين .. فاخرجوا من بلادنا .. وإلاّ ..!! ”
– وإلاّ ، ماذا .. يا شيخ صالح ..؟!
رَدّ الشيخ – بتحَدّ – :
” – والله .. لو بقيَ معي عشرة رجال .. ما ألقَيت ُ السلاح ..”
( بكينا – حينها – أنا ومحمود ، بحرقة.. كأنّ ماجرى منذ أكثر من ثلاثة أرباع القرن ، لا يزال قائما ً أمامنا.. )
– هل تعرف لماذا نبكي ..؟!
– أعرف ..
– كلنا نعرف .. وكلنا مقصّرون .. من أجل هذا نبكي ..
ماذا فعلنا بعد الاستقلال ، الذي ضحّى في سبيله أجدادُنا ، بالغالي .. والنفيس .. وكان هدفهم ، أن نعيش بحرّية ، وكرامة ..؟!
– ألله يسامحك ِ .. ماذا فعلنا ..؟!
( ويضحك – ساخِرا ً – )
– عملنا أبطالنا ، ورموز نضالنا مزارات .. وصِرنا – عندما نذكر أسماءهم – نقول : ( ألله يغفر لهم ..)
– آخ .. وكلنا نعرف أننا نحن الذين نحتاجُ إلى طلب المغفرة ..
هم قاموا بواجباتهم .. وأدّوا أماناتهم تجاهنا نحن الأحفاد ، على أكمل وجه ..
ونحن ، ماذا فعلنا ..؟! ماذا فعلنا ..؟!
– ألله يسامحنا ، جميعا ً ..
– آمين .. يا ربّ العالمين ..
لكنني على ثقة ، أننا لن ننال المغفرة ، وتتحسّن أحوالنا ، إلاّ إذا دفعْنا السيّئة ، بالحَسَنة .. أي .. أن يبدأ كل إنسان منا بنفسه .. نبني أنفسنا .. ونتزوّد بالعِلم ، والمعرفة .. كي نستطيع َ أن نعطي أنفسنا ، وأهلنا ، ووطننا ..
– ثمّ ، الإنسانية .. وطننا الأشمَل .. – كما تقولين ، دائما ً – ..
– بإرادة ٍ ، أصْلبَ من الصخر .. ونيّة ٍ صادقة .. خيّرة ..
******************************************************************

– ماذا تفعلين ، يا زينب ..؟! آ .. عفوا ً .. تكتبين ..
سُررت ُ بصديقتي ، الطالبة الجامعية ( دالية ) .. ونادرا ً ، ما يسرّني أن يقطع َ أحد ٌ عليّ الاسترسال بالقراءة ، أو الكتابة .. لكن ( دالية ) مختلفة .. وجودُها يُثري .. بالإضافة إلى أنها مهتمّة بالأدب ، والفكر .. جادّة .. لا تشبه أغلب بنات جيلها .. وليستْ متعلّقة مثل الكثيرين ، بالأفلام المكسيكية ، والأمريكية ، الموَجّهة لتفريغ رؤوسهم ، والرائجة ، هذه الأيام .. ولم يستطع أيّ تاجر ألبسة ، أن يُقنعها بفستان ( كاساندرا ) ..
دخلت ُ معها زاوية ( المكتبة ) الصغيرة ، التي أسّستها على أنقاض مَحَلّي ، الفاشل بامتياز .. محاولة ً- كعادتي – أن أحَوّل فشلي في شيئ ، إلى نجاح ٍ في مجال آخر ..
( إذا لم تستطعْ شيئا ً ، فدعه ُ …. وجاوزه ُ إلى ما تستطيع ُ )
سألتني عن كتاب جديد ، لم أكن قد قرأته بعد .. فطلبت ُ منها أن تقرأه ، وتعطيني رأيها به أولا ً.. لأن لديّ الآن كتاب يعجبني ..
دخلتْ علينا – أيضا ً – بعض طالبات الثانوي :
– هاي ..
لم أردّ ..
– قلنا : هاي ..!!
ضحكتْ ، والتفتتْ إلى زميلاتها اللاتي خِفن من رَدّة فِعلي ، لأن لهنّ معرفة سابقة بطبيعتي ..
لاحَظتْ حَرَجَ الموقف .. فاستدرَكتْ – مُطرقة ً – :
– مرحبا ..
قبّلتهنّ ، واحدة .. واحدة .. ساعدتهنّ على انتقاء كتب تناسبهنّ .. وأوصيتهنّ أن يقرأن كتبا ً موجودة في ( المركز الثقافي ) .. لا أستطيع تزويد مكتبتنا الصغيرة بها .. على أهمّيتها ..
وفي اليوم التالي .. دخلنَ عليّ ، فرحات .. وقد ازدادت أعدادهنّ :
– مرحبا ..
ضحكنا جميعا ً ..
– حفظنا الدرس ..
– شكرا ً جزيلا ً ..
وحدّثتهنّ .. وهنّ ناطرات السيارات التي ستقِلّهنّ إلى قراهنّ .. أنني أظنّ أن أجدادنا عندما كانوا يكدحون من الصباح ، حتى المساء ، من أجل لقمة شريفة .. كان أكثر ما يحتاجون إليه .. هو ( العافية ) .. فكانت تحيّتهم :
( ألله يعطيكم العافية ) .. وعندما تواصَلوا مع الناس من المناطق البعيدة ، ومع الغرباء .. كان أكثر ما يحتاجه ضيفهم .. هو أن يعرف إن كان مُرَحّبا ً به .. فصارت تحيّتهم ..( مرحبا ) .. وعندما كثرت الحروب .. وكثر قطّاع الطرق .. كان أكثر ما يحتاجونه .. ( السلام ) .. فصارت تحيّتهم : ( السلام عليكم ) .. ليشعر الآخر بالاطمئنان ..
أما عندما غزانا المستعمِر الأمريكي ، والصهيونيّ البَطِر .. ذو النظرة الإستعلائية .. وحاوَل أن يفرض ثقافته المتعالية علينا .. صار يغزونا ثقافيا ً .. ليمحو ليمحو هويّتنا نحن العرب .. وكل الشعوب الضعيفة .. أو المُستضعَفة .. فعَلّمَنا – عن طريق إعلامه الموَجّه لتدميرنا – تحيّته البَطِرة : ( هاي ) ..
– يا ألله ..!! من أين أتيت ِ بهذه المعلومات ..؟!
– ليست معلومات .. ولا شيئ من هذا .. إنما رأي من الآراء .. كي تتعلّموا أن تفكروا قبل أن تتصرّفوا .. ولا تنسوا أن كل الناس بحاجة إلى العِلم .. وكل الناس بحاجة إلى بعضهم .. فكرة واحدة ، لا تكفي .. ولا عشرة .. ولا مئة .. لا يوجَد فكر إنساني غير مهمّ .. بشرط ، أن يكون ناتجا ً عن تفكير عميق .. وتحليل ، وتركيب .. وكلما تعَدّدت الأفكار، تصير الفائدة أكبر .. وكما يقولون ( الزهرة الواحدة ، لا تصنع ربيعا ً ) .. و ( يد واحدة .. لا تصَفّق ) .. على شرط ، أن تكون الآراء كلها هادفة لخدمة الإنسان بشكل عام .. وليست لخدمة فئة معيّنة ..
{ وطني .. حبيبي .. لا تخفْ .. ما دامَ فيك َ جيل ٌ يفكّر ..}
حضاراتنا ، أيتها الحبيبات ، خِصبة .. وتتّسع للجميع .. وهي من أعرق الحضارات الإنسانية .. وأكمَلِها ..
طبعا ً .. الثقافات تتلاقح .. لكن ما ينفع الناس ، هو الذي يبقى ، ولا يزول .. أيتها العزيزات ..
انبَسَطتْ أساريرهنّ .. دَخَلنَ المكتبة .. شاركتهنّ الانتقاء .. لكن ( سلمى ) كانت قد أحضرَتْ كتابا ً مهما ً من ( المركز الثقافي ) ..
وَدّعنني .. والفرح يغمرني ، عندما شاهَدت ُ حماسَتهنّ على المطالعة .. وعندما استعارتْ إحداهنّ كتابا ً لأخيها ..
– سَلّمنَ على أهلكنّ ..
– وعَليك ِ السلام ..
*****************************************************************

{ تذكّرتك َ – الآن – يا محمود ..
ومتى لا أتذكّرك ..؟!
تذكّرت ُ حواراتنا .. مُحاولة ً استعادتها في ذهني ، كما أفعل دائما ً بعد رحيلك َ .. لا .. لا ..
لا أقتنعُ أنك َ رحَلت َ .. فلأقلْ : بعد سفرك َ ..
( – ليس لها متنفّسا ً ، إلاّ مريم .. كلما ذهبتْ إلى عندها ، تفتحُ لها صدرها .. وتشكو لها همومَها ..
لا تثق ُ إلاّ بها ، وبزوجها .. صهري ( أبو بَتول ) إنسان ..
– مريم ، ليس عندها ذكور ..؟!
– ليس عندها سوى بنت وحيدة ، وثلاثة ذكور .. لكن صهري ، يُصِرّ – متحَدّيا ً التقاليد – أن يُدعى ( أبو بَتول ) ..
– برافوعليه ..
– آخ .. أتدري يا محمود ، أنني أشقى من منتهى ..؟!
هي ، اختصَرتْ طموحَها بحُلم واحد .. أو أكثر قليلا ً ..
أظن ، أنها لم تعُد تحلم إلاّ بأن تحصلَ عليك .. وأن تشفى ..
أما أنا .. فأحلامي واسعة .. وأصِرّ على تحقيق ما أستطيع منها – رغم كل الصعوبات – ..
– آخ .. لا تزال أمي تبكي عليّ ، لأنني وحيد على خمس بنات .. جميعهنّ تزوّجنَ في قرى بعيدة .. إلاّ مريم ..
وأبي يقول : بالناقص منه .. أعتبرنفسي لم أنجب سوى البنات .. وأفضلهنّ مريم .. ألله يرَضّيني عليها .. لا تزعلي يا مرّوش .. والله ، ابنك ِ ليس به خير .. دَلّلناه ، لأنه وحيد .. والآن .. انسيه ، يا أم ….
لا .. لا .. يامَرّوش ..
صحيح ، اسمك ِ لا يعجبني .. لكنني لن أناديك ِ ، بعد اليوم ، إلاّ مَرّوش .. سمعت ِ ..؟! }
******************************************************************
دخلت ُ تلك الزاوية الشرقية من المحلّ .. والتي أطلقت ُ عليها اسم ( مكتبة ) .. فتحتُ ظرفا ً أسمر ، كنت ُ قد كتبت ُ عليه : ( نشاطات أعضاء ، وأصدقاء المكتبة .. الأدبية ..) قرأت ُ :
( أتذكرين ، يا منتهى .. ؟! عندما قلت ُ لك ِ : افتحي يدك ِ .. وأغمِضي عينيك ِ ..
ظننتك ِ ستفرحين بتلك الحشرة الطائرة الحمراء الوديعة .. ظننت ُ أن النقاط السود على جناحيها الصغيرين ، ستذكّرك ِ بتلك َ النبتة الشوكية ، التي كنت ُ أقطف أشواكها ، وأحَني لك ِ راحتيك ِ ، من عصيرها الأحمر ..
أو ، بذلك الحِنّاء الذي كنا نتبارى بصنعه ، حين نجلس على صخرة سوداء ، عليها مايُشبه الطحالبَ البُنّية ، أو الرمادية .. فنبصق عليها .. وبحجر صغير ، ندورُ به فوق البصاق ، لنطرّيها .. لنحصل على حِنّاء ٍ يكفي لإسعادنا مدة طويلة ..
لكنك ِ ، حين قلت ُ لك ِ : حَلّو ..
فتحت ِ عينيك ِ .. وصرخت ِ ، وأنت ِ ترمينها من يدك ِ ..
شتمتِني .. وضربتِني بالحجارة .. فأجَبتُك ِ :
( – حابا .. حابا .. ترجع المسبة لاصحابا ..)
مَدَدت ِ إصبعك ِ الصغيرة نحوي .. شبَكتِها بنظيرتها عندي .. إعلانا ً منا ألاّ يكلّمَ أحدُنا الآخر ، بعدها ..
أتدرين كم طالت مدّة المقاطعة ، تلك ..؟!
لا أظنّ أنها تجاوزت الربع ساعة ……
آه ٍ .. يا غالية …
عودي ، أيتها الطفلة ُ الشقية ، النقيّة ….
عودي يا منتهى ..
فأنا بانتظارك ِ ….)
محمود ….
******************************************************************
( كو بّا نيوس ….) ..!!!!!
ونكون عدّة أطفال نلعب ..
يضعُ كل طفل ٍ أو طفلة ، يده فوق يد الآخرين .. كمن يعقدون معاهدة ما .. ونرفع الأيدي مجتمعة ً .. ثم نخفِضها ، ثلاث مرات .. ونقول – بصوت ٍ واحد – :
( كو بّا نيوس ) .. دون أن ندري معناها ..
كم حضارة ٍ مرّت على هذه الأرض ، يا محمود ..!!
أتريد أكثر إثباتا ً من أنها تابعة ٌ لحضارة واحدة .. ممتدّة على مدى قرون ، وقرون ..؟!
في هذا الوطن الذي ندعوه اليوم .. سورية .. ولبنان .. وفلسطين .. والعراق ……إلخ
كم قرية ٍ تقع في قطعة ٍ من هذه البقعة الطاهرة ، في هذا الوطن .. لها اسمٌ يُطلَقُ على قرية ٍ أخرى .. في قطعة ٍ أخرى ..!!
أتريد أمثلة ..؟!
اسمع : ( نيحا ) و ( تنورين ) .. في لبنان ، كما في سورية ..
( طرابلس ) .. في لبنان .. كما في ليبيا ..
( البيرة ) .. في سورية .. كما في فلسطين ..
( القنيطرة ) .. في سورية .. كما في المغرب ..
…إلخ
*****************************************************************
{ كيف ستكون عودتك َ ، يا محمود ..؟!
هل ستقطع علاقتك َ بي .. وتتجه إلى ( عين براعم ) .. فور وصولك َ .. متحَدّيا ً كل الظروف .. وكل المعوّقات ..؟!
أم ، هل ستأتي بصورة ٍ مختلفة .. وقرار ، سيسعِدني .. بقدر ما يشقيني :
– زينب .. وأنا أبادلك ِ نفس الشعور ..
فأقعُ في صراع آخر .. أكثر مرارة ً ..
فبعد أن كنت ُ أشعر ببعض ِ القوّة .. وكثير من احترامي لذاتي .. سوف أشعر – حينها – بتناقض ٍ أكبر ..
أحبّك َ ، حتى أكثر مما تتصوّر ..
لكن ، ماذنبها ..؟!
وهل يمكن أن أتحوّلَ إلى ظالمة ، وقد ذقت ُ مرارة الظلم ..؟!
محمود ..
سأترك ُ للقدَر أن يحلّ هذه المسألة المُعَقّدة ..
ستبقى ذكرى جميلة في قلبي .. لا يمكن أن تزيلها عواملُ الطقس ، عن مساحات الروح ..}
زينب ….
******************************************************************
انتهت الرواية

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك