تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية(مَجنونةُ الخصيبَة ) للأديبة فاطمة صالح صالح – الجزء الخامس

كان ( الشيخ حامد ) فلاحا ًَ، وعاملا ً نشيطا ًفي الأرض .. ومسحوقا ً، يستغل 12313668_920207128067256_2597888237955078668_n-204x300ربّ العمل إخلاصه في عمله ، وتفانيه فيه.. دون أن يعطيه أجرا ًكافيا ً.. مستغِلا ًحاجته الملحّة للعمل عنده ،لأنه لم يكن يملك مساحة من الأرض تكفيه ليعيش من خلال إنتاجها مع أسرته، وهو صاحب الأراضي الواسعة.. والأملاك المخبأة في خوابي سريّة.. مخفيّة ، إلا عن شخص واحد في العائلة ، الوحيد الذي يحقّ له امتلاكها،وبأمره وحده يصرف منها ،حيث يرى ذلك مناسبا ً.. وكثيرا ًما كان ذلك المتصرّف ، وريث المُلك يختلف مع إخوته الآخرين ، على حقوقهم من الإرث.. ولايقبل إطلاعهم على كميته ، وأورثوا تلك الأحقاد لأبنائهم ،وأولئك لأبنائهم أيضا ً..كان ذلك يصل بالإخوة إلى حدّالاقتتال.. حتى صار واحدهم لايكره أحدا ًأكثر من أخيه ..لا يتبادلون التحية.. ولا المساعدة في الأعمال .. ولو مات أحدهم جوعا ً، لا يمكن أن يستعير من أخيه لقمة..أو حتى كأس ماء..حتى أدى ذلك إلى عبوس دائم .. بينهم ، وبين الآخرين ..لا فرق.. فاسودّتْ وجوههم ، وهم عن كل ما عدا خصوماتهم غافلون.. 

خافوا العودة إلى مرحلة الفقر المدقع .. فقتّروا على أنفسهم، وعلى الآخرين .. فماتوا هم، والآخرون .. وبقيت الكنوز مكانها.. لكنها – مع الزمن ، ونتيجة رطوبة الأقبية، تعفنتْ، وتضاءلت قيمتها.. وبقيتْ الأحقاد .. كما بقيت الوجوه العابسة ..
كان ( أبو فاضل ) يبكي وهوعائد محنيّ الظهر ، بعد غروب الشمس..ويتحلق أطفاله حوله.. ناطرين لقمة ًًطيّبة ، كان قد وعدهم بها – دون أن يستطيع الوفاء بوعده –
مرة ً.. أفاقتْ طفلته الصغيرة، بعد منتصف الليل، طالبة ًالطعام .. ولم يكن في البيت رغيف خبز واحد ، أو حتى لقمة ( سليق) أو غَرْفة ًمن أي نوع من الحبوب.. أو حتى أي شيء يؤكل ..
استعطفت أمها، وأباها .. بكتْ..تمرّغتْ في حضن أمها، قبل أن ينهض الأب ويغلي لها كأسا ًمن الزوفا، دون سكر..
تحوّل نحيبه إلى عويل، عندما صاحت الطفلة ، مستنكرة ً، أن ذلك ليس خبزا ً( مَمّا)، ولا ماء ً( مبوّة) ..
في اليوم التالي ، كان عائدا ً ، كالعادة ، مطويّ الجسد، والروح ، شمّ رائحة خبز .. التفت إلى جهة الرائحة، وألقى التحية على امرأة ، وابنتها، كانتا على التنور ..
ردتا التحية ، رحّبت المرأة به ، وسألته عن صحته، وعائلته.. بادلها السؤال عن زوجها ، وأطفالهما..
12391788_920779364676699_7021068303748213697_n-225x300استسلم لرغبة ظهره المكسور، الذي دعاه للجلوس، وأخذ قسط ٍمن الراحة ..
سألته المرأة عن ( أم فاضل ) والأولاد ، وعن عمله..فشرح لها بانفعال ، المعاملة القاسية التي يتعرض لها ، وحرمانه من الطعام ..
لم تستغرب المرأة..لأنها تعرف ذلك البخيل القاسي ..
– ( اللي ما فيه خير لأهله..مافيه خير لأحد ..) .. ناولته المرأة سطرا ًمن الخبز، وبعض التين(المهبّل) ، وعدد من بيض الدجاج ، وأقراص الشنكليش..
راح الرجل يبكي ، ويدعو للمرأة ، وابنتها..
أسعده كثيرا ً أن الدنيا لايزال فيها خير، ولايزال البعض يشعر بمعاناة الفقراء.. وعاهد نفسه أمام زوجته، وأطفاله.. أنه لن ينسى لتلك المرأة،معروفها مادام حيّا ً..
كان( صالح) الإبن الأوسط لتلك العائلة الكادحة .. وكان شاهدا ًعلى تلك الأحداث المؤلمة، يسمعها،فيتألم أشد الألم ، وينزوي ، صامتا ً،ويبكى دون أن يشعر به أحد ..
فرش أبوه الصرّة أمام العائلة، فأقبلواعليهامثل (عديم ..ووقع بسلة تين) .. كالدجاج الجائع عندما ينثر الحَبّ .. كان صالح أول من حمد الله ، وتراجع عن الطعام .. وحسن ،آخر من بقي يأكل ..
ظل عمه وخالته يطعمانه ،حتى صار كرشه مدلوقا ًإلى الأمام .. مما أسعدهما، وأثار ضحكهما..ابتسم (صالح) سعيدا ً، لسعادتهم .. راح الصغير يركض في السيباط ويزقزق أمام إعجاب العم وزوجته الحنونين ،بكت (أم فاضل)لأن أختها ماتت قبل أن ترى طفلها الوحيد يكبر.. لكن زوجها هدأ خاطرها بأن هذه حال الدنيا، وأن عليهما أن ينتظرا عودة أبيه من الأرجنتين ، وكان قد هاجرإليها واستقرّ في (التوكومان).. بعد أن عرف أن زوجته حامل ، واعدا ًإياها أنه لن يطيل الغياب..وأنه سيرجع فورا ًحالما يستطيع تأمين ثمن ماكينة خياطة ، وعدها بها عندما قبلت الزواج منه ، رغم إغراءات أغنى شباب القرية.. لكنهم لم يَعُد ، بعدما أخبروه بوفاة زوجته ، وأن طفله يعيش في بيت أخيه الأكبر..
كان ( صالح ) يغار من ابن عمه، دون أن يجرؤ على البوح بذلك.. ويتألم للاهتمام المتزايد به، دون أن يستطيع هو أن يلفت نظر أحد على ميزاته .. ضربه أبوه عندما شد حسن من شعره لأن حسن خلصه (كدّوشة) الزيت التي كانت أمه قدقسمتها بينهما.. لكن حسن كان أسرع من ( صالح) بالتهامها.. فسارع إلى تخليص حصة ابن عمه، الذي كان مشغولا ًبمتابعة حركات حسن ، محاولا ًتقليده..
بكى ( صالح) والتجأ إلى أمه، فضربته هي الأخرى بشكل مؤلم،وأنبته على ضربه لذلك الصغير الجميل .. غير عابئة ببكائه.. بل بالعكس.. فقد أبعدته ، واحتضنت ابن أختها، الذي انكسر خاطره ..
طوى ( صالح) ابن الثلاثة أعوام، حزنه ، وخيبته، وانزوى صامتا ً.. يراقب دون أن يجرؤ على الاعتراض .. صار مقتنعا ًأنه أدنى من الجميع ،وينظر إلى تصرفات الأقوياء ، بإعجاب ، ويحاول تقليدهم ، ليُثبت ذاته.. لكنه لم يحظَ بغير الشفقة ..
صار الأهل يدعونه بالعاقل..أو المسكين..لأنه لايبدي أي ارتكاس يذكر لما يجري حوله..بل بالعكس ..صار ينكر ذاته- إن صح التعبير- ويعطي حقوقه للآخرين لينال رضى وإعجاب أهله المجتمع ..
في المدرسة كان أذكى من حسن ..ويأخذ علا مات مثله ، أو أكثر ..لكن ( حسن )كان ينال من المكافأة ، وكلمات الإعجاب ، أضعاف ما كان يناله (صالح) حتى قلّ عنده الحافز.. وصار يدرس ليبقى محافظا ًعلى تلك المكرمة التي كانت تأتي من أهله ، أو المجتمع ( يا عيني .. حسن أخد جيّد جدا ً.. والله وكمان ها لمسكين صالح .. )
تضخمت الأنا عند حسن ، إلى درجة كبيرة.. فصار جريئا ً.. مغامرا ً.. يخطط وينفذ ، بثقة بالغة بنفسه.. إن فشل ، يحوّل الفشل إلى صالحه،أو يحمّل السبب إلى شيء ما ، أو إنسان ما .. المهم أن يدفع تهمة الفشل عن نفسه ، ولا يهم ّ بعد ذلك على من يلقيها..
أما إن نجح .. – وكثيرا ًما كان ينجح – .. فقد كان يزداد تضخما ً، وإعجابا ً بنفسه، وثقته بها ..ويزداد الناس إعجاب به، إلى درجة أنه صارمثلا ًفي النجاح، والتفتّح .. ورمزا ً على الأهل ، والمجتمع أن يقلده ..
* * *
تفاءل/ الشيخ حامد/ كثيرا ًعندما فرجها الله عليه ونال ابنه ، وابن أخيه الغائب ، الشهادة الثانوية بتفوق ..
وصمم أن يحقق أحلامه من خلالهما .. فيشجعهما على الدخول إلى الجامعات ..
فرح الشابان بتلك الفكرة التي كان حسن يخطط لها بالأصل .. بينما لم تكن تخطر على بال صالح ..الذي لم يتولد لديه الحافز ..
تقدّم صالح إلى وظيفة في الدولة تؤمن له راتبا ً..فيكون أول موظف في العائلة .. فاشتغل على أساس الشهادة الثانوية .. وكان ناحجا ً في عمله .. استطاع أن يرفد أهله ببعض النقود التي تساعدهم على العيش .. وساهم بذلك في تعليم حسن .. الذي تخرج في الجامعة .. وسافر إلى عدة دول أوربية .. وإلى لبنان أيضا ً .. حيث كان قد تعرف على ( ميليا ) في باريس .. فتزوجها .. بعد أن كان قد أقام عدة علاقات جنسية مع نساء الغرب .. لكنه فضل الزواج بأخت زميله .. اللبنانية .. التي كانت عذراء .. وقد عرف ذلك من خلال الأحاديث الجريئة معها عندما يكونان وحدهما ..
أعطى صالح جُلّ وقته وجهده للنجاح في عمله .. فنال ثقة الجميع .. واستحق لقب ( أبو العز ) الذي أطلقه عليه مديره الذي كان متأكدا ً أن عِفته ، آتية من نفسه العزيزة ..
*****************
– عذراء .. كالبنفسج .. قمحية البشرة .. صافية كالشمس.. نقية كالصباح ..
إنها هي .. سأطلبها من خالها .. بل .. بل سأطلب من حسن..لا..لا..سأقول .. سأقول لصديقي .. قريبهم .. أن يطلبها لي .. فأنا أخجل .. ربما.. ربما لم يوافقوا ….
ومن هم حتى لايوافقوا..؟!
من أنتِ أيتها المشاكسة..؟!
ومن الذي علمكِ الاعتراض..؟!
وعلى مَن تعترضين..؟!عليّ أنا..؟!
أنا..أيتها القزمة الصغيرة..؟!
* * *
سألبس الطقم الجديد..
ياه..!! ثنيته تذبح العصفور..
ما أكثر استقامة قامتي وأنا ألبسه..!!ومعه الكرافتة الحمراء.. والبلوزة الرمادية..!!
ألله..!! كم ستكون سعيدة ً.. بل كم سيكون أهلها سعداء ..!!
ستسِرّ أمها للجارة : – /أبوالعزّ/ يريد ابنتي..
ولن تصدّق الجارة.. لو لم تكن / سكينة / هي التي تقول..
**************
– لا أريده يا أمي ..
– ابن الحلال ، لا يأتي كل لحظة ..
– لكنني أريد أن أكمل دراستي ..
– سوف لن يمنعكِ من ذلك .. سيعوضك عن أبيك .. وعن الدراسة والوظيفة وعن كل شيء .. وحين تنجبين ، ستنسين الدنيا كلها ، وتختصريها لتصبح كل متع الحياة في عيني أبنائك وزوجك .. وداخل بيتك ..
ستحبينه كما أحببتُ أباكِ ..
لا .. لا .. لايمكن لامرأة أن تحب زوجها كما أحببتكَ يا ماجد ..
دغدغت أحاسيس الشابة فكرة أن تكون بحماية رجل .. يعوضها عن فقدان الأب ..
أو يكون بديلا ًعن ذلك الحبيب المغرور الذي كان يتجاهل إيماءاتها .. وكانت أقصى أحلامها ، أن تنال منه كلمة : ” أحبكِ ” لتنسى بعدها الدنيا ومافيها ..وتحلق في عالم من الأحلام الملونة ..
جاء وقت الجدّ يا حبيبة .. فقد يصبح صالح حبيبا ً .. و .. وزوجا ً ..
زو .. زوجا ً .. ؟!!!
يا للرّوعة ..!!!
سيداعبك ِ.. سيدللك ِ .. ستتلوين غنجا ً في حضنه .. و ..
سيفعل معك ِ ذلك ( الحرام ) الذي لايحلّ إلا بالزواج ..
ومع الوقت صارت تحلم أنه يقبلها .. وبعد أن قبلها القبلة الأولى صارت تحلم به يفتح باب الغرفة التي تنام فيها على السرير ، في العتمة .. ودون علم أحد .. يضاجعها .. يبرّد قليلا ً من ذلك الشعور الحارّ الذي بدأ يرافق تحولات جسدها منذ ثلاثة أعوام .. كانت خلالها تشعر بمتعة غامرة حين ترى زميلها في المدرسة يخلع ثياب الفتوة ذات اللون الخاكي ، ويرتدي قميصا ً نصف كم أبيض .. وسروالا ً رياضي قصيرا ً أزرق .. كان يؤرقها الاستمتاع بذكرى مالمحته على جسده من زغب بدأ بالنمو كعشب في بداية الربيع .. وتحلم أن تلامسه .. ويتردّد في أذنيها صوته الذي بدأ يتأرجح بين صوت الرجال ، وصوت الطفولة .. تكتم هذه العواطف التي تزلزلها .. وتشعر بالذنب من مجرد التفكير بها .. كانت تعشق مروان .. وتتمنى أن يبادلها نفس الشعور .. لكنها – رغم ماتبديه من حيوية ظاهرة – غير قادرة على النظر إلى وجهه مباشرة ً .. وبعد سنوات ، راحت تسأل نفسها ماذا كان يعجبها في ذلك الشاب الصغير ..؟! دون أن تدرك شيئا ً .. فلم يكن ذو الشعر الأشعث المائل إلى الحمرة ، والوجه المنمش .. يحرك فيها ساكنا ً بعد تلك المرحلة .. مروان ابن المدينة الشمالية ، الذي التقت معه لأول مرة في نفس الصف ..

– أخيرا ًياماجد ..أخيرا ًسترضى عني روحُكَ الطاهرة.. كثيرا ً ماكنا نختلف ياماجد.. كثيرا ً ماكنتُ أؤنبكَ لأنكَ تفكر بطريقة مختلفة ..
هل كنتَ تدركَ أنكَ سترحل باكرا ً .. لذلك كنتَ حنونا ً إلى هذه الدرجة ..؟!
كانت مريم تغار من معاملتك اللطيفة لسكينة .. وتندب حظها لأنني لاأجاريك في هذه ..
تقارن نفسها بها ..
آه ٍ على شبابكَ ياماجد .. لكن من الآن فصاعدا ً .. ستسامحني روحك يا ابن خالي.. أكيد ستسامحني .. فأنتَ لم تعرف الحقد يوما ًعلى أحد .. فكيف على ابن عمتك ، الذي بكاكَ في الخفاء أكثر مما بكتكَ أمك .. مدّعيا ً أنه رجل .. وأن الرجال لا يبكون ..
الحياة قاسية ياماجد .. و / الفقر بيقاتل / فكيف بالتعبِ المتواصل إذا أضيف إلى الفقر ..؟! كيف بالمسؤوليات الكثيرة التي تحمّلهاابن عمتك العاثر..؟! مسؤوليات ٍ تنوء بحملها الجبال .. فكيف يحملها – وبكلّ أمانة – /عادل / الذي لم يكن قد تجاوز التاسعة عشرة ..؟!
كيف ياماجد ..؟!
لكن ..
فلتطمئنّ روحُكَ في عليائها الآن يا أخي .. فقد شجّعتُ ابنتنا / حبيبة / على الزواج بأبي العز .. دون أن أضغط عليها .. لكن .. والكلام في سرّكَ .. لم تكن سعيدة بهذا الزوج أكثر مني ..
أه .. ليتكَ الآن حاضر ..؟!
ليتَ حبيبة قبّلتْ يدكَ أنتَ .. في حفلة الخطبة .. وليس يدي ..
لكنه القدَر / كلنا على هذه الطريق / .. ألله يرحمك يا ماجد .. على عدد مانزل عليك من حبات تراب ..
وبعد أن يبتعد عادل قليلا ً عن القبر .. يعود إليه مسرعا ً .. في ذلك الليل الحالك .. الذي ينذر بعاصفة :

– ماجد .. لقد قسوتُ على حبيبة .. كما قسوتُ على بناتي وأبنائي .. لقد ربيتهم كما كنتُ أراه أفضل .. لم أقصد إهانتهم يا أخي .. وكيف أفعل .. وهم أملي ، وامتدادي..؟!
أردتُ أن لايعتادوا على التنعّم والكسل والتواكُل .. عملا ً بقول الرسول – عليه الصلاة والسلام – :
/ اخشوشِنوا .. فإنّ النعَمَ لاتدوم ../
لكن .. هل تراني أستطيع أن أكون إلها ً يا أخي ..؟!
يكفيني أنني عملتُ بما أعرف .. وما أقدر عليه..
وما لاأعرفه .. أو مالاأقدر عليه ، ليس مطلوبا ً مني ..:
/ لا يكلف الله نفسا ًإلا وُسْعَها ../ صدق الله العظيم ..
لكن .. اطمئنّ يا ماجد .. فمن الآن فصاعدا ً ستكون ابنتنا حبيبة .. في الحِفظ ِ، والصون .. ستتخلّص من هموم بيت أهلها .. ومشاغلهم المتواصلة .. وقسوة طباعهم .. وقسوة حياتهم ..
ستكون كما تريد لها أن تكون .. بل كما تريد هي أن تكون ..
في نعيم زوجها صالح .. تعيش في ظله .. وفي عِزّه …………
ويعود عادل .. قبل انبلاج الفجر.. ليستلقي على سريره الحديدي .. في غرفته الشرقية .. دون أن يراه الراقدون .. قبل أن ينهضَ مع الجميع .. وينتشرون في الحقول .. وعلى سفوح الجبال ..
***************
ظلتْ كل فترة الخطوبة تدرب نفسها على أن تدعوه ( صالح ) بدل ( أبي العز ) قال لها في أول مشوار يخرجانه معا ً بعد الخطوبة التي أصر على الإسراع بها :
– كنتُ متأكدا ً أنكِ ستوافقين.. ولم أرسل لأسألك رأيكِ إلا حرصا ً على التقاليد..
صُدِمت الشابة التي لم تبلغ السادسة عشرة بعد .. فقد كانت تتهيأ لكلمات الغزل التي قرأت عنها في الأشعار المدرسية .. وسمعتها من أغنيات المطربين والمطربات من المذياع .. لكن ذلك لم يحصل طوال فترة علاقتها بأبي العز .. التي تجاوزت ربع القرن ..
– أتعرفين لماذا خطبتك ِ ..؟!
– …………..
– كنتُ جالسا ً على الشرفة أفكر أنه حان وقت اتخاذ قراري بالزواج .. لكن : من التي سأختارها ..؟! أعرف أن عدة بنات تعشقنني .. لكن قلبي لم يمل لأي منهن ..
واحدة فقط – قد تعرفينها – كانت هائمة بي .. وكنتُ أستلطفها قليلا ً .. لكنني عدلتُ عن ذلك .. لأن عائلتها مشكوكٌ فيها من الناحية الأخلاقية ..
فكرتُ .. وفكرت .. ولم أدر ِ كيف خطرعلى بالي : لماذا لا أتزوج إحدى بنات عائلة بيت الشيخ مجيد ..؟! وبما أنكِ أكبرهنّ .. فقد قررتُ أن تكوني خطيبتي ..وفي الحقيقة ، لم أكن أنوي الزواج ، لولا إلحاح أهلي .. فقد كنتُ مكتفيا ً بذاتي .. ولا أشعر بالحاجة إلى شريكة .. لكن هذا ماحصل ..
***************
لكنها استبشرت بعد الزواج ، عندما رأت أفرادعائلتها الجديدة، يمتدحون بعضهم بعضا ً.. ولا يتحدثون عن أفراد أسرتهم إلا بالخير .. ويبررون كل مايقوم به هؤلاء من أعمال .. وشيء من حرية التعبير.. و قلة المسؤوليات التي كانوا يقومون بها..
عمها/ الشيخ حامد / .. و/ زوجة عمها / زهرة / .. كانا أكثر الناس سعادة ً بهذا الزواج ..
وقد حاولا كل مابوسعهما إكرام – كنتهم الصغيرة – ..
وكانت هي تعاملهم بأصلها.. كما كانت / أم فاضل / تردّد .. كلما سألها أحدٌ عن معاملة ابنة المرحوم ماجد..
– والله إنني لا أبدل ظفرها بتلك المغرورة .. ميليا ..
– قال مدنيّة .. قال ..!!
ظل ابننا / حسن / / بو ريمون / يلحّ عليّ أن أذهب إلى العاصمة لأسكن عندهم ..
/ – ألستُ ابنكِ مثل صالح ..؟!/
ف / حْملتْ حْمايلي / وسافرتُ ..
وتخفِض / أم فاضل / صوتها .. حيطة ً .. وتتابع :
– / ألله .. ريتها ماتنعاد / لم أصدّق كيف احتملتُ البقاء شهرا ً كاملا ً .. كانت تبدي قرفاً مني أنا العجوز ..
أنظف من كل عائلتها أنا ..
كانت تحاول أن تلبسني لباس أهل المدن .. كي أقابل به ضيوف ابننا / بو ريمون / كي لاأحرجها .. وكانت تحرص على أن تتبرأ مني .. بادعائها الحرص على الحقيقة :
– هذه العجوزليست حماتي.. بل هي امرأة عمّ / أبو ريمون / .. خالته .. وليست أمه .. أمه – رحمها الله – توفيت من زمان .. وأبوه في أمريكا ..
قلتُ لحبيبة مرة ً عندما سألتني :
– كم من البرغل سنسلق هذا العام يا امرأة عمي ..؟!
– لا أعرف .. / اصطفلوا / البيت بيتكم ياكنة ..
ردّت ابنة الأصل :
– البيت بيتكِ .. من قبل أن أولَد .. ياامرأة عمي ..
كانت تغضب مني إذا لم أجلس مع ضيوفها :
– الضيف الذي يُعيّرني بكِ .. لا أريده في منزلي .. يا امرأة عمي ..
ألله يرحم ترابك يا شيخ مجيد .. ويرحم ترابك ياماجد ..
صحيح / اللي خلّف .. مامات /
بنت طرابلس / ياخيتي/.. ما إلها نفس تحكي يمّا تساير فلاحة متلي ..!!/
كانت تدخل بيتها بوجه عابس .. وأحيانا ً تتناقش هي وابننا حسن .. ألله يحسن أيامه .. لم يكن يجرؤ على أن يردّ لها طلبا ً .. يبدو أنها كانت تعبّر له عن امتعاضها من وجودي .. أو كي لاأظلمها ربما لم تكن تستحسن تصرفاتي .. مع أنني كنتُ أداريها .. وأحاول أن أساعدها في أعمال البيت .. لكنني لم أعمل لها شيئا ً إلا وانتقدته .. لم تقل لي يوما ً :
– ألله يسلم يديكِ ..
كانت تعبس .. وتقول باستنكار:
– هكذا تقطّع الفاصولياء ..؟!
– مََن قال لكِ أن تشعلي الغاز بالكبريت ..؟! ألا تعرفين أنه يشتغل على الكهرباء ..؟!
ولم تقبل يوما ً أن تغسل ثيابي مع ثيابهم بالغسالة .. كانت تغسلها وجبة لوحدها ..
وعندما تنشرها على الحبل .. تنشرها بقرف .. وتخفيها عن المارة .. ولا تكلف نفسها نفض القطعة كي تزيل التجاعيد الناتجة عن عصر الغسالة ..
أما حبيبة.. فقد كانت تعتني بثيابي كأنها ثيابها .. ولا تتقزز مهما كانت الثياب ملوثة من العمل بالأرض..
الست / أم ريمون/ كانت تدعو جاراتها وتخرج معهنّ إلى الشرفة .. يتناولن الشاي .. أو القهوة .. ويحسبن بالفناجين .. وأنا في الداخل ..
وكي لاأظلمها .. كانت أحيانا ً تسألني إن كنتُ أريد كأسا ًمن الشاي .. لكنني كثيرا ً ماكنتُ أرفض .. وأعجز عن ردّ الدمعة .. فأدخل إلى الغرفة .. وأجلس في سريري .. أو أوهمهم أنني نائمة ..
ألله يسامحك ياحسن .. ربيتكَ مثل أبنائي تماما ً .. بل عاملتكَ أحسن من صالح .. كان أملي بكَ أن تعاملني في آخرتي أفضل مما يعاملني صالح ..
وعندما لم أعد أطيق عدم رغبتهم في وجودي .. أخبرتهم أنني مللت المدينة .. وبيوتها العالية .. واشتقتُ إلى القرية .. / الخصيبة / أفضل من أحسن مدينة ..
ورجعتُ .. فاستقبلتني حبيبة .. كأنني أمها .. بكتْ عندما رأتني أبكي :
– ماذا ياامرأة عمي ..؟!
– لاشيء ياابنتي .. كسرة خبز يابسة من يدك .. ولا الرز بالملوخية من عند الست / أم ريمون / .. التوبة يا ابنتي ..
****************
لكن أحدا ً من أفراد أسرتها الجديدة ، لم يكن لينسى حسنة قدّمها لمحتاج .. ويظل يتكلم عن فضيلته تلك .. في غياب الشخص أو حضوره .. كأنه هو الإله الذي لولا كرمه ، لمات أولئك الفقراء جوعا ً ..
حتى يشعر المحتاج بالذلّ تجاههم .. ويبقى يشعر بأنه مَدينٌ لهم بالكثير ..
لكنهم .. ما إن ينزعجوا من ذلكَ الذي / أحسنوا إليه / أو قدّموا له خدمة .. حتى يفتحوا كل الدفاتر التي يدّخرونها كقنابل موقوتة .. أو كحجارة .. يلقون بها الواحدة تلو الأخرى على رأس ذلك / المغضوب / الذي وقع تحت رحمتهم ..
كانت تراهم ناقصيّ الإنسانية ..فبدأتْ تشعر بالحنين إلى الجذور ..
بل كانت تعتبرهم عنصريون .. وأنهم لايقبلون أن يكون أحدٌ أفضل منهم ..
إلا أن كبار السن منهم .. كانوا يحترمون / الشيخ صالح العلي / ورجاله.. وعلى رأسهم / الشيخ مجيد / .. ويعتبرونهم رموزا ً عليهم هالة تشبه التقديس ..
وحده حسن / أبو ريمون / في تلك العائلة، مَن كان يتجرأ على نقد هؤلاء الرموز.. وإبراز أخطائهم .. ليس للإصلاح .. إنما ليُبرز للمعجبين بجرأته ، أنه يجرؤ على انتقاد أكبررأس في البلد .. وأنه هو أرفع منهم درجة .. فكثيرا ً ماكان يُسِرّ لأصدقائه المعجَبين بجرأته.. كلاما ً يستهزئ به من هؤلاء ، وأمثالهم ..
كان عادل يصرّح أمام الناس ، أنه يحب / صالح / الرزين .. ولا يحب ابن عمه المغرور / حسن / الذي لاتهمه إلا مصلحته الخاصة .. عكس صالح ، المتفاني ..
لكن الخصمين – عندما يلتقيان – كان يجامل كل منهما الآخر ..
بينما صارحسن يواجه حبيبة .. بمناسبة وبدون مناسبة أنه لايحبهم ..
قالت له مرة ً :
– والله ياحسن .. عمناالشيخ حامد طيب ومتسامح وخلوق .. ولم تكن تقصد الدقة في كلامها .. إنما كانت تقلد عائلتها الجديدة بمديح أقاربهم ..
فما كان من حسن .. إلا أن أجابها بوقاحة :
– لكن خالك عادل متسلط ، ومغرور..
هنا كان المفصل الذي وقفت عنده حبيبة :
– يريد المغرور أن يهين أهلي ..؟!
لن أسمح لكَ بذلك ياسيد حسن ..
– وبماذا أنتَ أو أهلك أحسن من خالي أو عائلتي ..؟!
– بكل شيء .. عائلتنا ذكية .. ومتعلمة .. أما أنتم ، فقد عجزأحدكم عن الحصول على أية شهادة عالية ..
وعندما أخبرت زوجها الذي كان على علاقة جيدة مع بيت أهلها ..
عبس في وجهها .. وبرّر لحسن .. وطلب منها ألا تعود وتقف عند هذه التفاهات التي تنكد بها عيشه ..
***************

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك