تخطى إلى المحتوى

موقع بانوراما طرطوس يبدأ بنشر رواية (إلى اللقاء يا أمي)….للأديبة فاطمة صالح صالح المريقب- الجزء الأول:

أتذكّرُ، أنني مِتّ ُ على راحَتيها.. كما كنت ُ أحلم..

12313668_920207128067256_2597888237955078668_n-204x300يومَها.. لم يكنْ في البيتِ أحدٌ سوانا..
كنت ُ أحدّثها عنِ الأيامِ الغابرة.. وفجأة ً.. شعرت ُ بدُوار.. وغَمامَة بيضاءَ كثيفة، غطّت ْ على عينَيّ….
لم أكَدْ أشعرُ بالغُربة.. حتى رأيتُ نفسي أسبحُ في مُحيطٍ لامَحدود.. مشاعِرُ منَ الغبطة غَمَرتني.. سعادةٌ.. وارتياح..
بياض ٌ.. يا ابنتي.. بَياض ٌ، يا فاطمة..
أهيَ روحُ والدك ِ التي تُرَفرِفُ فوقَ روحي.. فأبدأ بالارتِعاش.؟!
أكادُ أستيقظُ يا ابنتي..
طالما أكّدْت ِ لي أنني سألتَقيهِ في هذهِ اللحْظة.. لم أشعرْ أبدا ً بالوَحشَة.. ولا حتى بالألم..
هاهيَ نسماتُ طِيبه ِ تمْلأ أنفاسي..
هاهيَ أنفاسُ روحه ِ تغمُرُني.. فأسبَحُ في حَنانها..
هاهوَ يلتقَطني من يَدي، ويرفعُني إليه.. يضمّني ياابنتي.. ابتَعِدي يا فاطمة.. ففي هذهِ اللحظات أرجو أن نكونَ لوَحْدِنا أنا وحَبيبي..
يااااه………. يا صالح..!! أخيرا ً التَقَينا يا حَبيبي.. أخيرا ً تحقّق َ دعاؤك َ يا صالح :
( – ألله جَعْلِك تكوني من نَصيبي كلّ جيل بخْلَقْ فيه يا ماريّا.. )
إنها دعواتُ المؤمِنِ الصادِقَة.. التي لا تنزلُ على أرض..
وكنت ُ أبكيك َ بمُنتَهى الألَمِ يا صالح.. كنت ُ أنظرُ نحْوَ قبْرِك َ المُقابِلِ لبَيتِنا الدافئ وأرَدّدُ بمُنتَهى النّدَم :
( يا أللـــــــــــــــــــــه..!! ولَكْ ليشْ ما قضّيتْ كلّ هالعمر وأنا قول له: يا حَبيبي..؟! ليش..؟! لييييييييييييييييش..؟!)
**************************
كيفَ أبدأ بدايةً تليقُ بكِ، يا أمي..؟!
أبحثُ في خفايا الروحِ، والوجدان.. في تاريخي.. منذ ماقبل ولادتي.. أو، حتى قبل ولادتكِ، أنتِ ياغالية.. أقلّبُ الصفحات، والمواقف.. أحاولُ اختيارَ نقطةٍ في الذاكرة، أراها أنسبَ من غيرها.. لأبدأ حكايةً.. أظنها مختلفة.. لكن.. ربما كانت الحكاياتُ كلها متشابهة.. ومشاعرُ الناسِ تجاهها هي التي تختلف..!!
أمي..
اليوم هو الأربعاء الأول من أيار عام 2013م.. الساعة الثانية والربع بعد الظهر.. الشمسُ في الخارجِ ساطعة.. والجوّ حارّ بعضَ الشيء.. لكنني أجلسُ في غرفتكِ يا أمي.. غرفة أبي… أوضة الشرقية.. على الديفون المقابل للتلفزيون.. ولمرآة أبي المستطيلة..الكبيرة.. التي ثبّتها له على الحائط..الغالي، إبن عمتي الغالية “ندّة “.. ليرى من خلالها مايجري في (الدوّارة ).. وهو جالسٌ في سريرهِ.. أو، مستلقي.. من خلال النافذة الشمالية التي تطلّ على الدّوّارة.. وعلى مقام (الشيخ علي سلمان ).. ومقام (الشيخ صالح العلي ).. وعلى مقبرة الرجال.. ومقبرة النساء.. وعلى الطريق القادم من (الشيخ بدر ) ومن (وادي العيون ).. وتطلّ على ( القدموس ).. وعلى الحارات الشمالية من قريتنا.. و (القلع )..و (الأندروسة ).. و (الرستة ).. و (فيصوع ).. و،حتى على (السّْبيل ).. و (الدَّحْقومِة ).. و (المْسيل ).. و (عين شْعات ).. و (بيت خالي الشيخ محمد ابراهيم عباس ).. و (بيت زرّوف ).. و (بيت أحمِد القرحيلي ).. و (بيت محسن القرحيلي ).. و (بيت الشيخ سلمان غانم ).. و (بيت خَضّور ).. و (الجورَة ).. و (المْغَيْسِلْ ).. ومن أمام النافذة تتفرّع عدّةُ طرق.. أهمّها، الطريقُ الذي يَصِلُ (الشيخ بدر ) ب (شرَيْجِس ).. ومنها إلى (الدّرَيْكيش ) و (وادي العُيون ) وغيرها من المناطق..
سريرُكِ.. إلى شمالي..
أقبّلهُ بين فترةٍ، وأخرى.. أشمّ رائحتكِ من خِلالِه.. الو سادةُ التي كنتُ أضعُها تحتَ ظهركِ، لتسندَه، عندما أقلبُ جسدَكِ الحبيب، نحوَ جهةٍ ما.. ثمّ إلى الجهةِ الثانية.. كي يخفّفَ من ألمِكِ المُبْرح من “الخشكريشا ” اللعينة، الناتجة عن تماسّ جسدِكِ الحبيبِ معَ الفراشِ، لمدّةٍ طويلة.. خَفّفَتْ من شِدّته “فرشة الهوا ” التي أحضرَها إخوتي “كإعارة ” من “صحّة الشيخ بدر “..
سريرُكِ الخشبيّ هذا.. أتذكرين..؟! طبعاً تذكرينَ أنه كانَ من “عَفْشِ ” بيت أخي الغالي، الذي أحضَروهُ من “حلب ” بعد وفاتهِ..
أمي..
بالطبع، تعرفينَ أنّ هذا اليوم يُصادفُ ذكرى رحيلِ الغالي أخي.. الذكرى السابعة والعشرين.. تصوّري..!!
حُلُم… حُلُمٌ، يا أمي…
هكذا هيَ الحياة..
حُلُم..
سبعةٌ وعشرونَ عاماً، مرّت، كأنها بالأمس..
يااااااااه…..!! ياه….. يا زمَن..!!
هِيَ الحياةُ الدنيا هكذا……….
ذِكْرى…. ذِكْرى…
قبلَ مدّة، كتبتُ على جهازيَ الخلويّ، كلماتٍ.. ربما تكونُ مشروعَ قصيدة.. بدأتُها ب “سنُصبحُ ذكرى “.. وهذا مؤكّد.. علّها تكونُ ذِكْرى عَطِرة، يا أمي.. تشبهُ ذِكْراكِ.. وذكراهُ.. وذِكْرى أبي.. رَحِمَهُ الله.. وذِكْرى.. وذِكْرى… وما لا يُعَدّ، ولا يُحصى من الذِّكْرَيات….!!
قلتِ لي –مرّةً – أظنها قبل عدّةِ أشهُر :
-فاطمة.. اكتبي.. اكتبي يا أمي.. اكتبي شيئاً يُسِرّ القلب، ويُفرحُ الروح..
وكنتِ تعانينَ من كآبةٍ مؤلمة.. لا أظنها بدأتْ عقِبَ وفاةِ أبي.. لكنني متأكّدة أنها تضاعَفتْ…. حيثُ بدأتِ تشعرينَ بقلّةِ الأمان، إلى حَدّ كبير..
(- بَدّي بَناتي.. )
فحَضرنا نحنُ الأربعة..
كنا نتسابقُ للبقاءِ بقرْبكِ، يا أمي.. أبناءَ وبنات.. أحفاد وحَفيدات.. (كناين) وأصْهار.. الكلّ متعطّشٌ للبقاءِ معكِ، أيتها الدافئةُ الحَنون.. ياصديقةَ الجميع.. وأمّ الجميع.. وحبيبةَ الجميع… ولا أبالغ..
لكنّ وجودَنا كلّنا لم يستطعْ ملءَ الفراغِ الذي ترَكَهُ أبي في حياتِك..
كانَ سَندَكِ، يا أمي.. وكنتِ سنَدَه..
هذا الشعورُ، حَدَثَ معي ما يُشبههُ، عَقِبَ رَحيلِ أخي الغالي… أذكرُ أنني كنتُ أندبُهُ، وأنا أسيرُ بتثاقُلٍ شديد، خلفَ جنازةِ الغالي.. تسندُني من تحتِ إبطَيّ، امرأتان.. نسيرُ.. ونسيرُ.. ونسيرُ نحوَ مقبرةِ الرجال عند “الشيخ علي سلمان “.. قُرْبَ أجدادنا.. فألتفتُ حولي، وأرى جموعَ المُشيّعينَ، من نساءٍ، ورجال.. أمامي، وخلفي.. وعلى يميني، ويساري.. إلى البعيدِ، البعيد.. أظنّ أننا سِرنا مسافةً طويلةً.. طويلة.. وإذا بنا لم نكنْ قد اجتزنا سوى عِدّةَ أمتار…. كنتُ أشعرُ أنني فقدْتُ أمانَ العالمِ كلّه، بعد رحيلِ أخي.. فأقول : “كشّفتْ لي عن راسي، يا خَيّي.. أللـــه يرحمك.. “..
( هلّق، يا إمي، بدّي اترك الكتابة شويّ.. إرتاح.. وأستمع لأخبار التلفزيون.. لأرى إلى أينَ وصَلتْ أحداثُ بلادنا الغالية.. أرى شريطاً أحمرَ في أسفلِ الشاشة.. )…
نادتني أختي من النافذة.. كانت قادمة بسيارة زوجها مع قسم من العائلة، من “العامريّة ” كانوا يعزّونَ الغالي “محسن ” باستشهاد ابنهِ “علاء ” قبل ثلاثة أيام، في “برزة ” بالسلاح الكيماوي، الذي أطلقهُ عليهِ، وعلى رفاقهِ في الجيش “المُسَلّحونَ ” المُجرمون.. ودُفِنَ أول أمس.. واكتفيتُ أنا بتعزيتهِ على الهاتف، وأنا أبكي بحُرقة..
-فاطمة.. نحنا طالعين نشوف خالي، شويّ.. بتطلعي معنا..؟!
ترَدّدْتُ قليلاً.. ثمّ طلعتُ معهم. قالتْ بنت خالي : – والله نايم.. واعتذرَتْ أنّ علينا أن ندخل إلى عندهِ، بهدوء.. كلّ اثنتين معاً.. كي لا نزعجه..
كان إبن خالي الأصغر عند أبيه.. سلّمَتْ علينا – أيضاً – ابنتُهُ الثانية.. دخلنا الغرفة.. خالي جالسٌ نصفَ جَلسة.. كفّاهُ على جَنبيه.. “السيروم ” في وريد كفهِ اليُمنى.. قبّلنا يدَهُ اليُسرى…. لا حراك..!! لكنه لا يتألّم.. ولا يتكلّم.. وتقولُ ابنتُه أنهُ لا يأكلُ شيئاً يُذكَر.. قلنا : – ألله يهَوّن عليه.. آمين..
أحضرتُ مفتاحَ البيت، من بيت أخي .. كانتْ أختي وزوجُها يتحضّران لشربِ “المتّة ” والغداء عندهم.. فتحتُ بابَ بيتنا.. بيتكم.. بيت أهلي.. يا أمي.. غسَلتُ يديّ، وفمي.. جَفّفتهما بالمنشفة الصغيرة، المُعَلّقة بمسمارٍ، على يمينِ بابِ غرفتكِ الشرقيّة.. وجلستُ أكتب.. بعد أن فتحتُ التلفاز الذي أغلقتُهُ قبلَ أن أطلعَ مع أخواتي.. قرأتُ على “الفضائية السورية ” خبراً يقول أنّ عُمّال الكهرباء في “ساحة الأمويين ” في دمشق.. يؤكّدون للسيد الرئيس الذي كان يتفقّد المكان الذي طالتهُ يدُ الإجرام بالتخريب.. ومعهُ زوجته.. يؤكّد العمال أنهم لن يتوانوا عن عملِ كلّ ما بوُسعهم للحفاظ على البُنية التحتية للوطن.. سالمةً من أيدي العابثين المجرمين المُفسدين في الأرض.. مهما لاقوا من صعوباتٍ، وعَقبات.. ومهما تعرّضوا لهُ من مخاطر..
لم أستغرب الخبر.. هو شعبُنا العربيّ السوريّ الصامد.. المُقاوم.. البطل.. الواعي.. سيواصِلُ قيامَهُ بواجبهِ تجاهَ وطنه، على أكملِ وجه.. قدرَ المُستطاع.. وربما، بشكلٍ مُضاعَف.. لتأمينِ مُتطلّباتِ الحياة، للمواطنين.. إلى جانبِ تضحياتِ، وصمودِ الجيش العربيّ السوريّ، البطلِ، الشريفِ، المقدام.. الذي قدّمَ من الجهدِ، والتضحيات، ما لا تستطيعُ صفحاتُ التاريخِ أن تسجّلَ أشرَفَ منهُ، وأنبلَ، وأكرم.. شهداء.. جرحى.. مُختطَفين.. مفقودين.. جنوداً، وضبّاطاً، وصَفّ ضباطٍ، ومجَنّدين.. الكثير منهم مازالوا غائبين عن بيوتهم وعائلاتهم منذ أشهر، أو سنوات.. لم يأخذوا أيّةَ إجازة.. ليبقوا على رأسِ أعمالهم، في خِدمَةِ الوطنِ الغالي، الذي هو بأمَسّ الحاجة إليهم.. ولكلّ المخلصين من أبنائه.. في هذهِ الحربِ الضروس، القذرة، الظالمة.. وما لا يمكن وصفه لها من إجرامٍ، ونتانة.. والتي تزدادُ ضراوتُها، وشراستُها وعُنفُها.. يوماً، بعدَ يوم.. وشهراً، بعد شهر.. وعاماً، بعدَ عام.. منذ أكثر من سنتين.. ذقنا فيها الأمَرّين.. على أملِ الفرَجِ القريب..

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك