تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية (إلى اللقاء يا أمي)….للأديبة فاطمة صالح صالح المريقب- الجزء الرابع عشر

12313668_920207128067256_2597888237955078668_n-204x300111اليوم، هوَ الأحَد، العشرونَ من تشرين الأوّل (أكتوبَر).. أجلسُ على الديفونِ المُقابِلِ للتلفزيونِ، في الصالون، في بيتِنا في (ضَهْر المْرَيْقِب).. الساعَةُ المُعَلّقَةُ على الحائطِ المُقابلِ، بالكادِ، أراها.. ربّما تشيرُ إلى اقترابِ السابعةِ مساءً.. الكهرباءُ مَقطوعَةٌ منذُ السادسة.. أُشعِلُ المِصباحَ الكهرَبائيّ المَشحونَ منذُ الأمس.. أضَعُ (الكهرباية) الزرقاءَ التي أحضَرَها لي أخي الغالي، هيَ، وأخرى برتقاليّةَ اللونِ، منذُ عِدّةِ أعوام.. أظنّ أنّ هذهِ كانتْ ب (375) ليرة سوريّة.. أو (275).. والأخرى، بأقَلّ من ذلك.. أضَعُها بالمَقلوبِ، على الطاوِلةِ الكبيرةِ (الفورميكا) البُنّيّة.. لينعَكِسَ نورُها على السَّقْفِ المَطليِّ بالأبيضِ، فيزيدُ من مساحَةِ الرؤية..
جاءَتِ الكهرباءُ، يا أمي..
هيَ السابعةُ تماماً..
قبلَ قليل، اتصَلَ صديقُ زوجي، ليسألَ عنه.. قلتُ لهُ :
– والله، لا أعرفُ أينَ هوَ.. قبلَ قليلٍ، كان هنا..
أضاءَتْ (كَهرباية) من أسفَلِ الدّرَجِ، على الشُّرْفَة.. فتَحْتُ البابَ، ونادَيْتُ باسمهِ، مُستفسِرَةً.. أجابَ، أنهُ هو.. فناوَلتُهُ جِهازَ الهاتفِ اللاسِلكيّ، ودَخَلْتُ أكتبُ، بعْدَ أن فتَحْتُ جهازَ التلفزيون، قَلّبْتُ المَحَطّاتِ.. في أسفَلِ إحدى الشاشاتِ (استهدافُ مجموعةٍ مُسَلّحَةٍ، لمنطقةِ “جَرَمانا” بعِدّةِ قذائِفَ “هاون”.. وأنباءَ عن إصابات) (بَعْضُ الفصائلِ الفلسطينيّةِ، واللّجانِ الشعبيّةِ الفلسطينيّةِ، تخوضُ مَعارِكَ ضارِيَةً، مُتواصِلَةً، من غُرْفَةٍ، إلى غُرْفَةٍ، بقِتالٍ عَنيفٍ جداً، لطَرْدِ المَجموعاتِ الإرهابيّةِ المُسَلَّحَةِ، من عَناصِرِ ما يُسَمّى (الجيش الحُرّ) وَحْدَهُ الرّصاصُ يتكَلّمُ، في “مُخَيّمِ اليرموكِ” جَنوبيّ “دِمَشق”.. ).. (الجيشُ السوريّ يكتشفُ مَقبَرَةً جَماعيّةً لعَسكَريّينَ، ومَدَنيّينَ، من أهالي (القبتين- حَماه) قُربَ طريقِ حَلَب – خناصِر..) في الشريطِ الإخباريِّ لقناةِ (المَنار).. قناةُ ال (أن. بي. أن).. تُجري أوّلَ المُقابلاتِ معَ المُحَرَّرينَ اللبنانيّين.. الحُجّاج التسعة، الذينَ أُطلِقَ سَراحُهُم أمسِ، بعدَ اختطافهم من قِبَلِ مجموعاتٍ مُسَلّحَةٍ من (لواء عاصِفة الشّمال) الإرهابيّة، المُجرِمة.. منذ أكثرَ من عام.. (المَنار) تعرضُ فيلماً، أو مُسَلسَلاً تُركياً، أو إيرانياً، قبلَ أن تصبحَ السابعة والنصف، مَوعِد نشرةِ الأخبارِ الرئيسيّة..
قبلَ قليل، يا أمي.. وأثناءَ انقطاعِ الكهرباءِ، لمُدّةِ ساعة (تقنين) خَرَجْتُ إلى الشّرفَة.. (31 قتيل، و…… جريح.. باستهدافِ حَواجزَ عَسكريّة، للقوّاتِ النظاميّةِ، قربَ “حَماه” ) شريطٌ إخباريٌّ في أسفلِ شاشةِ قناةِ (الجَديد).. (سُكّانُ “بنت جْبيل” شَعَروا بهَزّةٍ أرضيّةٍ، قوّتُها 3 فاصلة 5.. مَركَزُها “بُحَيْرةُ طَبَريّا”..).. ( الدّولار يهبطُ إلى أدنى مُستوى لهُ خلالَ ثمانيةِ أشهُر، ونصف..).. (تفجيرٌ انتحاريٌّ………….).. ( استشهادُ ثلاثينَ مُواطِناً، في تفجيرٍ انتحاريٍّ، بشاحنةٍ مُفَخَّخَةٍ ب طنّ، ونصف الطّن منَ المُتفَجّراتِ، في مَراكِزَ زراعيّةٍ قُرْبَ حَماه..عندَ حاجزِ المَكنَنَةِ الزراعيّة..).. وهناكَ مَساعي سِرَيّة جداً، وحثيثة، لإطلاقِ سَراحِ المُطرانَينِ المَخطوفَينِ في (حَلَب) من قِبَلِ عَناصِرَ إرهابيّةٍ شيشانيّة، تطالبُ بإفراجِ (روسيا) عن زُمَلاءَ لهم، إرهابيّين.. يتحدّثونَ عنِ التعذيبِ الوَحْشيّ الذي تعَرّضوا لهُ أثناءَ اختطافهم..
(.. “أنقَرَة” استقبَلَتِ الطيّارَينِ الذينِ كانا مُحتجَزَينِ في “لبنان”).. (لم أتعَرّضْ للتعذيبِ، من قِبَلِ المُختطِفين..) هذا ما يقولُهُ أحَدُ الطّيّارَينِ التركيَّينِ المُحَرّرَين..
و (سوريا تُطلِقُ عَدَداً منَ النساءِ المُحتَجَزات..).. (تجاوَبَتْ سوريا وقالتْ : نحنُ نفعلُ كلَّ ما يُطلَبُ مِنّا، من أجْلِ إطلاقِ المُختَطَفينَ اللبنانيينَ في “إعزاز”.)..سوريا،لم تستفِدْ– أبداً- من هذهِ الصّفقَة، بإعادَةِ أيِّ مَخطوفٍ سوريّ..
تذكّرْتُكَ يا (دكتور…) قريبَنا الغالي.. وتذكّرْتُ الكثيرَ منَ المُختَطَفينَ من قُرانا الغالية، ومن كلِّ أنحاءِ سوريا الغالية.. الشريطُ الإخباريّ في أعلى شاشَةِ قناة (شام ف م ) أقرأ (.. وصَمْتٌ سوريّ.. أطلَقَتْ السلطاتُ السوريّةُ سَراحَ 128 سَجينةٍ، مُقابِلَ إطلاقِ مُختَطَفيِّ “إعزاز” اللبنانيّين..).. (الآلافُ منَ العائلاتِ، ماتزالُ مُحاصَرَةً، في مُختلَفِ أنحاءِ سوريا..).. (1000 مُجرِم أردُنيّ، يُقاتِلُ في سوريا..).. قال بدّهم يعقدوا (مؤتمَر جنيف) في 23/11/هذا العام 2013م..
(انفجار سيارةٍ شاحِنةٍ مفَخَّخَة، في حماه – سلمية.. قُرْبَ حاجِزِ “المَكْنَنَةِ الزراعيّة”.. استشهادُ أكثرَ من ثلاثينَ شخصاً.. تَصادَفَ مُرورُ سَيّاراتٍ مُحُمَّلَةٍ بأسطواناتِ غازٍ.. مِمّا يزيدُ عَدَدَ الضّحايا..)
_________________________________________________________
استيقَظْتُ على عَضّةِ كائنٍ، في أسفَلِ خَدّيَ الأيمَن.. كنتُ نائمة على جانبيَ الأيمَن.. حِكاكٌ مُلِحٌّ، أنهَشُهُ بأظافري، يمتدُّ باتَجاهِ العُنُقِ، والرّقبة.. تسارَعَتْ نبضاتُ قلبي.. إزعاجٌ عامٌّ، وتوَتُّر.. أوقَدْتُ المصباحَ الكهربائيّ.. بَحَثْتُ عنِ البَعوضة (البرغشة) على الحائطِ، وفوقَ اللّحافِ، وفي كُلِّ مكانٍ، دونَ جَدوى.. الحِكاكُ يزدادُ إلحاحاً، ويَمْتَدّ.. مَعقولٌ، أن تكونَ مُجَرّدَ بَعوضَة..؟! هل آخذُ مُضادّاً للتّحَسُّس..؟! اهدئي، يا امرأة..!! إنّكِ تَتَوَهّمينَ، كعادَتِك.. تناوَلْتُ مُهَدّئاً، وخَرَجْتُ إلى الحَمّام.. عُدْتُ.. مازالتْ عَينايَ تبحَثانِ عَنِ الفاعِل.. هاهُوَ جِسْمٌ أسوَدُ يَرْبِضُ على الحائطِ، قُرْبَ السَّقْف.. استَعَنْتُ بنظّارَةِ البُعْد.. مَلعونةٌ، أنتِ، يا حامِلَةَ الطائراتِ المُعادِية.. إذنْ.. أنِتِ الفاعِلة..!! لا بُدّ من عِقابِكِ حتى المَوت.. هاهُوَ الحِكاكُ يمتَدُّ إلى ماوَراءِ أذني، وعَيني.. أنتِ..؟! لَعَنَكِ اللهُ، أيّتُها المُجْرِمَة.. ستنالينَ قِصاصَكِ العادِل.. تناوَلْتُ بلوزَتي السّوداء الرقيقة، التي هَيّأتُها للغَسيل.. رَمَيْتُكِ بها، بَعْدَ أن أحْكَمْتُ التسديدَ (أسْفَل، ومُنتَصَف الهَدَف) وأطلَقْتُ قَذيفَتي.. ها أنتِ تَتَجَندَلينَ، وآثارُ دِمائِكِ – دِمائي، التي امتَصَصْتِها، على غَفْلَةٍ منّي، واسترخاءٍ، أثناءَ نَومي.. إلى الجَحيمِ، أيّتُها الحَمقاء.. مَسَحْتُ ما أمْكَنَ مِنْ بَقايا الدّمِ، على الحائط.. لم أستَطِعْ تنظيفَ المَكانِ بالكامِل.. لم تستَطِعْ يَدي، ولا سِلاحيَ الفَتّاكُ، ذاكَ، أن تطالَهُ كُلّه.. عُدْتُ، مُرتاحَةً، بَعْدَ أنِ اكتشَفْتُ المُجْرِمَ، واقتَصَصْتُ مِنه.. استلقَيْتُ على السّريرِ، وأمْسَكْتُ الجهازَ الخَلَويَّ، لأسَجّلَ على شاشَتِهِ هذا الإعتداءَ الغاشِم.. هذهِ المَعرَكَةَ، التي لم تزُلْ آثارُها من كِلا الجانبَينِ، بَعْدُ.. هاهي بَعوضَةٌ أخرى تجتازُ السّريرَ، على عُلُوٍّ مُنخَفِضٍ، كاتِمَةً الصّوْت.. لكنّ راداراتيَ المُستَنْفَرَة، رَصَدَتْها، برُغْمِ كلِّ شيء.. دَوّنْتُ الحادِثَةَ على الشاشَة، للتاريخ.. وها أنا أتّجِهُ للقَضاءِ على الهَدَفِ المُعادي الثاني، الذي يستَبيحُ سَمائي، وحائِطي..
الرابعَة والنصف، فَجْرَ يومِ السّبتِ، الثاني من تشرين الثاني “نوفمبر” عام 2013م.. ذِكرى (وَعْد بلفور، المشؤوم)
*******************************************
عندما عُدنا من (المغرب) صيف عام 1980م..
بعد وُصولنا ربما بعام.. بدأنا نُكمِلُ بناءَ بيتنا.. بقينا ربما أكثر من عشر سنوات ونحن نبنيه.. وحتى الآن لم يكتمل.. ولن يكتمل في حياتنا.. لكنه مُريحٌ نوعاً ما…
كنتُ أنامُ، أحياناً في النهارِ، على الديفون المُلاصِق لحائطِ الغرفة الغربيّ (أوضة بيت عمي).. و (أبو نور) ينقرُ الحائط من الخلفِ ب (المْهَدّة).. وأحياناً يكون معهُ عُمّالٌ آخرين، ليُخَفّفوا من نتوءاتِ الحَجَرِ البركانيّ الأسود، ليُصبِحَ صالحاً لِطَليِهِ بالإسمنتِ (التّلييس) قبلَ أن تُلصَقَ فوقهَ شرائحَ (البورسلان) لأنهُ سيُصبحُ (مَطبَخاً) بعدَ أن كانَ مَكانَهُ جبلٌ.. لم نكنْ نحتاجَ سوى لسُلّمٍ خَشَبيّ صغيرٍ، من عِدّةِ دَرَجاتٍ، لنصعَدَ بواسطتهِ على السّطحِ، وبعدَ أن عُدنا من (المَغرب) قرّرنا إكمالَ البيتِ، الذي كانَ مؤلّفاً من غرفة نوم لنا، وأخرى لبيت عمي.. مع مطبخ وحَمّام صغيرَين، وتواليت.. حَفَرنا الجَبَلَ بواسطةِ (التريكس) تمهيداً لجعْلِ الفسحَةِ مَكانَهُ مُتّسَعاً ل (مَطبَخ) واسع.. تَليهِ منَ الجَنوبِ، غُرفةُ نومٍ صغيرةٍ، مُلاصِقَةٍ للصالونِ الذي يُطِلّ على الشرْقِ، والجَنوب.. أحياناً كثيرة كانَ زوجي يطلبُ من أبناءِ أختهِ، المتزوّجة في قريَةٍ شَرقيّ (وادي العيون) أن يأتوا إلى عندنا، على (موتوراتهم) و آليّاتِهِم، ليَعمَلوا عندنا.. وكانوا قدِ اكتسَبوا خِبرةً كافيةً أثناءَ عَمَلِهِم في (لبنان) لعِدّةِ سنوات.. استطاعوا خلالَها تأمينَ نقودٍ، واشتروا (تريكسات) صاروا يشتغلونَ عَليها أينما طُلِبوا، وكانوا مَشهورينَ بإجادَةِ أعمالِهم.. وعندما يَدعوهُم خالُهُم للعَمَلِ عندنا، كانوا يُضطرّونَ، أحياناً، أن يَمكثوا عِدّةَ أيامٍ، نياماً، قياماً، آكلينَ، شارِبين للمَتّة، مُدَخّنينَ بشَراهَةٍ.. كادتْ تخنقني رائحةُ التبغِ الواخِذَة.. وأحياناً، كنتُ آتي لأستريحَ في النهارِ، بَعْدَ تحضيرِ الطعامِ، وجَليِ الأواني، وغير ذلكَ مِن أعمالِ المنزل، فلا أجِدُ مُتّسَعاً في الغرفة.. كانوا يستلقونَ على الدّيفونَينِ وقتَ الإستراحة (القيلولة) بعْدَ أعمالٍ شاقّةٍ مُجهِدَة.. ودَويُّ (التريكسات) يضربُ في أذنيّ، ليُصَدِّعَ رأسي، ويُصِمّ أذُني، ويوَتّرني.. وزوجة عمي – حَماتي – الوادِعَة، تجلسُ على الحَصيرِ المَمدودِ فوقَ إسمَنتِ الغرفة، فوقَهُ (المَدّة العربيّة) (الطرّاحات).. فأدخلُ غرفتَنا (غُرفة النوم) القديمة، المُخَصّصة لي ولزوجي منذُ زواجنا يوم الخميس الثالث عشر من آب (أغوستوس) عام 1970م.. كانتِ الغرفة الوحيدة التي استطاعَ أن يُجَهّزَها قبلَ زواجنا بقليل.. ووضَعَ فيها سَريراً (مُفرد ونصّ) قائمتاهُ من خَشَبِ الفورميكا فاتِحِ اللونِ، وخِزانة من ثلاث (دَرْفات) (أبواب) من نفسِ الخشَبِ، مع طقم طربيزات مُماثلة.. ثلاثة صغيرة، وأخرى كبيرة.. وعِدّة كراسي خيزران.. ربما ستّة..!! وديفون، مازلنا نسنعملُهُ حتى الآن، بجودَتِهِ العالية.. ذهَبَ إلى (حمص) وأحضَرَها قبلَ زواجنا بأيّام..
كتبتُ الفقرة السابقة على شاشةِ الخَلَوي.. ليلَ الإثنينِ- الثلاثاء 4-5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2013م ونقَلتُها على الدفترِ فوراً.. لأنني كنتُ قد قَلِقْتُ بعدَ أن جاءتني مخابَرَة من إبن أخي الغالي.. أرسَلْتُ لهُ رسالةَ اعتذارٍ، أنني كنتُ نائمة، وأسألهُ ماذا يريد.. فأجابَني برسالةٍ، أيضاً (نوم الهَنا.. بالغلط..) مع صورةٍ ضاحِكَة..
كنتُ مُتبَلّدَةً كلّ بَعْدِ الظهر، أمس الإثنين.. طبَخْتُ بال (تقلاية) المِقلاةِ الستنلس، قليلاً منَ الرزّ مع البَصَلِ والبندورة، وقليلٍ منَ السمنِ البَلَديّ.. أكَلْتُ نصفَها.. ووَضَعْتُ الباقي بالبَرّادِ الصغيرِ في غُرفةِ النوم.. وتابَعْتُ الجلوسَ على الديفونِ، مُقابِلَ التلفزيون في الصالون.. زوجي خَرَجَ لمُدّةٍ طويلةٍ، وعاد.. أخبَرْتُهُ أنّ زوج عمّتي، قدِ اتصَلَ يطمئنُّ عليهِ، لأنّهُ كانَ (مْرَشّح) فاتصَلَ مَعَهُ.. ثمّ.. ظنَنتُهُ كان يجلسُ على الديفون في الشرفةِ الزجاجيةِ، كعادَتِه.. وكنتُ أتابعُ برامجَ التلفزيون.. أقلّبُ المَحَطّاتِ الوطنيّة (الفضائيّة السورية) (الإخباريّة) حيثُ كانتِ الغالية (يارا) ابنةُ أخي تستضيفُ (بَسّام أبو عبد الله) ليُعَلّقَ على (المؤتمَر الصّحَفيّ) لنائبِ وزيرِ الخارجيّة (الدكتور فيصل المِقداد) حَوْلَ تصريحاتِ المأفون (سعودالفيصَل) وزير الخارجية السعوديّ، حَوْلَ سوريا.. معَ أخيهِ الكبير، وسَيّدِه (جون كيري).. و (شام أف. أم) التي تذيعُ أغاني.. وشَريطُ الأخبارِ في أعلى الشاشَةِ، لا يَهمّني كثيراً.. إنما تقهَرُني الرّسائلُ الناعية في الشريطِ، أسفَلِ الشاشة، التي تزفُّ الشهَداءَ الشبابَ، والشهيداتِ، المَدَنيّينَ، والعَسكريّين.. والذينَ يُناشِدونَ أقارِبَهُم، أزواجاً، أو إخوةً، أو أبناءَ، أو أصدقاء، في الجيشِ العربيّ السوريّ، الذينَ لا يعرفونَ عنهم شيئاً، ومنذُ أشهُرٍ، أو سَنواتٍ، لم يرَوهُم.. يُناشِدونهم أن يُرْسِلوا إليهم خَبَراً يُطَمْئِنُ الأقارِبَ، والأحِبّةَ أنّهم مازالوا بخير.. هُمُ الذينَ يُقاتِلونَ (العِصاباتِ الإرهابيّةِ) التي لا تَرْحَم.. في المَناطِقِ الساخِنَة.. على امتدادِ جُغرافيا هذا الوطنِ الغالي (سوريا).. وأتابِعُ (المَنار) و (المَيادين) و ال (أن. بي. أن ) و (سَما) وغيرَها..
كنتُ أحاوِلُ طَرْدَ النّعاسِ عن جَفنيّ، على غيرِ العادَة، لتُتاحَ لي اعترافاتُ بَعْضِ الإرهابيّينَ القَتَلَة، بعْدَ نشرةِ الأخبارِ الرئيسيّةِ في الثامنة والنصف، مساءً.. والتي طالَتْ أكثَرَ من ساعة، على شاشَةِ (الفضائيّةِ السورية).. لم أستطِعْ إكمالَ المُشاهَدَة.. على أمَلِ أن تُعادَ كثيراً، لشِدّةِ أهَمّيّتِها.. وقُمْتُ للنومِ، هنا على هذا السّريرِ الذي أكتبُ من فوقِهِ، وأنا مُستلقيَةً، نصفَ استلقاءة، أغطّي نصفَ جَسَدي بالبطّانيّةِ الحمراء المُزَهّرَة، وتحتَها اللحاف المَصنوع من مادّةِ (الدّيكرون) الذي اشترَتْ لنا الغالية أختي، اثنينِ منهُ، منذُ سَنوات، ودَفَعَ لها زوجي ثَمَنَهما.. كما البطّانيّاتِ، أيضاً.. فهيَ في (طرطوس) المَدينة.. وتعرف ما في السوق،أكثر مما نعرف.. من أشياء نحتاجُها.. ونحن في القرية التي تبعد عن (طرطوس) أكثر من خمسةٍ وثلاثينَ كيلو متر، شرْقاً.. وهيَ التي اشتَرَتْ لنا، أيضاً، عِدّةَ أمتارٍ منَ القماش القطنيّ الجيّد.. أبيض مُقلّم بالزهريّ، والسماويّ، والأخضر.. حيثُ خِطْتُ أنا على الماكينة اليابانية (جوكي) التي أحضَرَها لي أخي الأغلى، ب (ألف ليرة) – على ذمّته – قبلَ وفاتِهِ بحَوالي عام.. رحمه الله…….. الحمد لله….. بحجّةِ أنهُ سَمِعَني – مَرّةً – على ما يظنّ.. أقولُ أنني أرغبُ أن تكون عندي ماكينة خياطة.. وأحضَرَ لبيت عَمهِ، أهل زوجته، ماكينة مُشابهَة..
خِطْتُ عليها (البَرادي ) ما قبل الحاليّات.. وأربع (مَلاحِف) على الأقَلّ.. و ستّة شراشف، أو ثمانية.. من نفس القماش القطني المقلّم.. ومن قماشٍ آخر مقلّم بالأبيض والسماويّ.. وعِدّة أوجُه للوسادات، وللديفونات.. وعدّة أكياس لاستعمالاتٍ مُتعَدّدة.. وأكياس لتصفية اللبن (لبنة).. و(حرّاجات) و (نزّالات) وأطراف أغطية طاولة السّفرة، وغطاء للتلفزيون عليه كشاكش من الأمام في الأسفل.. وطرّزْتُ بالإبرة الرفيعة، على قماش طاولة السّفرة، القطنيّ الناعم، ذي اللون السّكّري، عِدّةَ رُسومٍ لأغصانَ خضراء.. و ورود مُلوّنة ناعمة.. وعَصافير.. كانتْ جميلة جداً.. ومن تصميمي وتنفيذي.. تُشعِرُ من يراها بدفءِ الأحلام..
تجاوَزَتِ الساعَةُ الرابعَةَ، فَجراً..
سأحاولُ أن أنام..
تُصبِحينَ بألفِ خيرٍ.. يا أمي.. ويا كُلّ أحِبّتي.. وكُلّ الطّيبينَ في هذا العالَمِ الجميل.. رُغمَ قُبحِه..!!
ابنةُ أخي.. ابنُ أخي..
كلّ عامٍ وأنتما وأهلَكُما، وأحِبّتَكما.. بألفِ خيرٍ، وصحّةٍ، وعافية، وسلامة.. وكَرامَة مُصانة..
أيها الغوالي..
فجر الثلاثاء /5/11/2013م.
_________________________________________________________
الساعةُ الآن، تقارِبُ الثانيةَ عشرة، وعشرينَ دقيقة، من ظهرِ يومِ الخميس، الحادي والعشرين من تشرين الأول (أكتوبر) 2013م..
أجلسُ الآنَ على (الكنباية) ذات اللون الخَمريّ، المُوَشّى بالذّهَبيّ.. القريبة من زاويةِ الصالون الغربيّة، المُلاصِقة لغرفةِ النومِ، في بيتِنا في (الضَّهْر) مُقابلَ بابِ الغرفةِ الوُسطى (أوضة بيت عمي) التي أنامُ فيها منذُ عِدّةِ أشهُرٍ، على السّريرِ المعدنيّ القديمِ، والمَتين، الذي ساعَدَني ابنُ أخي الغالي، بإحضارِهِ من غُرفةِ النومِ القديمةِ، التي تفصلني عنها الآن، الغرفة الوُسطى، والمَمْشى.. الأبوابُ الثلاثةُ مَفتوحَةٌ أمامي بشكلٍ مُستوٍ، يتيحُ لي أن أرى بعضَ ما في غرفة النوم القديمة.. التلفزيون مَفتوحٌ على (تلفزيون الخبَر).. (وديع الصافي) يغنّي (تقشعْ عريشة وبااااب.. بفَيّتا نلوي.. حلوة بإيدا كتااااب.. سَلّمْ على الحلوة.. ).. و (عازار حبيب) ينشِد (شو قولِكْ.. )..
سأخبرُكِ بما حَدَثَ معي اليوم..
استيقظتُ قبلَ السابعة، صباح اليوم.. مع أنني لم أنَمْ سوى بَعْدَ الثالثة صباحاً.. كنتُ أتصَفّحُ الفيسبوك..
نَهَضْتُ.. أجرَيْتُ أعمالَ الصباحِ الروتينيّةِ، المُعتادَة.. ثمّ نشَرْتُ ما تبَقّى منَ الغسيلِ المُلَوّنِ، الذي لم تُنْهِ الغسّالةُ الآليّةُ غَسْلَهُ حتى وقتٍ متأخّرٍ منَ الليلةِ الماضية، نتيجَةَ انقطاعِ الكهرباء لفتراتٍ مُتواتِرَة، تطولُ لمدّةِ أربعِ ساعات.. ثمّ يعودُ التيّارُ لمدّةِ نصفِ ساعة.. أو، ربما لحظة.. ويعود للإنقطاع.. وهكذا… كتبوا على (الفيسبوك) أنّ ذلكَ ناتجٌ عن (عطلٍ في مَحَطّةِ “ضهْر صَفرا”..)..
بعدَ نشرِ الغسيل.. لبستُ ثيابي.. وحَمَلْتُ حقيبتي.. ونزلتُ، بشوقٍ، ورَغبَةٍ كبيرةِ، إلى (بين الناس) (العالم الآخر) (الصّاخب).. الذي يُشعِرُني بالحياة.. إذ، أنني بقيتُ في المنزلِ كلّ نهارِ الأربعاء.. كَنَسْتُ، بالمكنسة الكهربائية، وجَليتُ بعضَ الصحون.. و وَضعْتُ بالغسّالة، ثمّ نشَرْتُ، بعضَ الغسيلِ المُلوّن.. وكتبتُ قصّةً، كانتْ تُلِحُّ عَلَيّ من سنوات.. اتصَلْتُ بصَديقتي التي اتصَلَتْ بي على الخَلَوي، تتفقّدُني – كالعادة – فاتصَلْتُ بها على الأرضي.. وأخبَرْتُها بما عَملتُ.. وبأنني لن أنزلَ اليوم، كي لا تتبَدّدَ شُحْنةُ الإندفاعِ لكتابَةِ القصّةِ التي تشغلني.. ثمّ عُدْتُ، واتصَلتُ بها لأخبرَها أنني أنهَيتُها.. ثماني صَفحات على الدفترِ الزهريّ، ذي الغلافِ السّميك، والجميل.. لكنّ مِرْفَقَ يَديَ اليُمنى، مَكانَ الكَسْرِ القديمِ، يؤلمُني جداً.. نتيجَةَ تثبيتِ يدي في وَضْعٍ ما لمُدّةٍ طويلة، وشَدّ عَضلاتِ يديَ المُتوَتّرة، لكي أنهي القصّة..
اتصَلَتْ معي،مساءً، صديقتي الغالية، المهندسة.. سُرِرْتُ جداً.. (لقد كَسَرَتْ وَحْشَتي).. كنتُ قد مَلَلْتُ جداً.. وشَعَرْتُ بالعُزلةِ الشديدة – كالعادة – نتيجَةَ بقائي في البيتِ كلَّ اليوم.. ونتيجَةَ انقطاعِ الكهرباء لساعاتٍ طويلةٍ، لم تسمَحْ لي أن أقرأ، أو، أفتحَ التلفازَ، إلاّ قليلاً.. أو، حتى أن أنقُلَ القصّةَ منَ الدفترِ، إلى شاشَةِ اللابتوب الجديد، الذي اشتراهُ لي الغالي إبن أختي الأغلى، ب (52) ألف ليرة سورية.. مُستعمَل لمدّة قصيرة.. انتهى شَحْنُ بطّاريّتِهِ، قبلَ أن يعودَ التيّارُ الكهربائيّ.. نَهَضْتُ عنِ (الكَنَباية) العَريضة، المُقابِلة للتلفزيون.. لم أكُنْ قد أشعَلْتُ أيّةَ وَسيلةِ إضاءَةٍ، لأنني لم أتوقّع أن تطولَ مُدّةُ انقطاعِ التيّارِ، أكثرَ منْ ساعَتين.. أغلقْتُ اللابتوب، وقُمْت.. حاوَلْتُ أن أتلَمّسَ طريقي، لأدخلَ إلى غرفتي، لأحضِرَ (الكهرباية) التي وَضَعْتُها في (البريز) للشّحن.. أوقِدَها.. أو أوْقِدَ شَمْعَة.. لكنّني لم أستَطِعْ رؤيَةَ غيرِ السَّواد.. كانتْ عينايَ مُجْهَدَتانِ، لم تستطيعا التأقلُمَ معَ العتمَة، وأن تفتَحَ حَدقتيها، إلاّ بَعْدَ أكثر من دقيقة.. حاوَلْتُ خلالَها الإعتمادَ على ذاكرتي، لأخرُجَ إلى الشّرْفةِ الزّجاجيةِ، وأنظرَ نحوَ الخارِج.. هل الكهرباء مقطوعةٌ – فقط – عن قريتنا..؟! أم عن بقيّةِ القرى..؟! هل البابُ الحَديديُّ مُغلَقٌ بشكلٍ جيّد..؟! وقبلَ أن أصِلَ إلى مُحاذاةِ البابِ الخارجيِّ، سَمِعْتُ صَوتَ خطواتٍ تصعَدُ الدّرَج.. سألتُ : (- مَن..؟! ).. طمأنني أنهُ زوجي.. فتحْتُ لهُ البابَ، بعدَ أن (استَضْوَيْتُ ).. كانتْ أشِعّةُ القمَرِ تغمُرُ الأرضَ، والسماء.. و الجَوّ ساحِر.. دَخَلْتُ خَلفَه.. أشعَلْتُ الشّمعة.. أحضَرْتُ (الكهرباية).. أخبَرْتُهُ بما قرأتُ على (الفيسبوك) من اعتداءاتٍ انتحاريّةٍ، وتفجيراتٍ في مُختَلَفِ أنحاءِ الوطَنِ الغالي.. وسُقوط شهداءَ، وجَرحى.. خصوصاً في (القَلَمون) حيثُ استهْدَفَ انتِحاريٌّ (مَشفى دير عطيّة، الوطنيّ) (مَشفى الباسِل).. واستُشهِدَ العَديدُ منَ المَدَنيّين، والعَسكَريّين.. بَعْدَ أن كانَ الجيشُ العربيُّ السوريُّ قد حَرّرَ (المُراسِل المَيدانيّ للفضائيّةِ السورية.. المُذيع “جَعْفر أحمد”.. ) و طاقَم الفريق الإعلاميّ كُلّه..
سألتني صديقتي، إن كنتُ أنزلُ إلى عندِ صَديقتِنا المُشتَرَكة.. قلتُ :
– أنزلُ أغلبَ الأيام.. لكنني اليوم لم أنزل..
قالتْ أنّ لدَيها الكثير منَ أوراقِ المُذاكَراتِ التي عليها أن تُصَحِّحَها، وتضَعَ عليها العلاماتِ المُناسِبة.. وأنها وَعَدَتْ زوجَة أخيها أن تشتغل لابنها كنزةَ صوف.. فهل أستطيعُ أن أساعِدَها بها.. لأنها مشغولة..؟! وافَقْتُ.. بكلِّ سُرور..
المُهَمّ.. نزلتُ اليومَ، سَيراً على الأقدامِ إلى (الشيخ بدر) عيادَة صَديقتي.. لم أجدها.. اليوم عندها مُناوَبة في المَشفى.. إسعاف..
مَرَرْتُ إلى بيتِ خالي (الشيخ ابراهيم) اشترَيْتُ أربعَ بيضاتٍ بَلَدياتٍ، بمئةِ ليرة.. التقَطْتُ عِدّةَ صُوَرٍ، بواسِطَةِ كاميرا الخَلَوي، لبعضِ الأزهارِ، والوُرودَ الرائعةِ التي تزيّنُ مَدْخَلَ بيتِهِم منَ الجانبَين.. مَرَرْتُ إلى بيتكم – بيتنا، يا أمي.. وقبلَ أن أمُرّ.. كانتْ جارَتُنا أمامَ بيتِها، تكنُس.. وتُسَوّي بعضَ الترابِ، لتزرَعَ بعضَ الوُرود.. دَمَعَتْ عيناها، وهي تتذكّرُ أبناءَها الثلاثة، الذينَ يخدمونَ الوطنَ معَ الجيش.. وأنها قَلِقة عليهم جداً.. خصوصاً أنّ أحَدَهُم، قد غابَ عنِ الوَعيِ، لفترةٍ – كما أخبَرَها زملاؤه – عندما سَقَطَتْ قذيفةٌ قريبةٌ جداً منهُ.. حيثُ يخدمُ في شِمالِ البلاد..
فتَحْتُ البابَ.. بابَ المَدخَلِ الحَديديِّ الخارِجيّ.. ثمّ، بعدَ عِدّةِ أمتارٍ، فتَحْتُ البابَ الخشَبي…. آااااخ.. يا أمي.. آخ.. يا أهلي..!! بالأمسِ، كانَ هذا البيتُ عامِراً بأهلِهِ، وبالجيرانِ، والمُحِبّين، والمَعارِف، وأصحاب الحاجات.. واليوم.. لا أحَد..!!
يبدو أنّ الغالي إبن الأغلى، قد نامَ الليلةَ الماضيةَ هنا، قبل أن ينزلَ إلى عمله.. وأنّ أخي (عَمّه) سهرَ معَ بعضِ أصحابهِ هنا أيضاً (علي) أو غيره..
أغلقْتُ الباب.. ونزلتُ إلى (الخربة) أغلب المزروعات كانت ذابلةً، نتيجةَ الجَفافِ الذي مازالَ يُقيمُ منذُ أكثرَ من شهرٍ ونصف – ربما -.. قلعْتُ بَعْضَ (الفجلات) وقطَفْتُ باقةَ بَصَلٍ أخضر.. وهندباء بَرّيّة.. وبقدونس.. وعدّةَ قرونٍ صغيرةٍ من الفليفلة.. قلَعْتُ بَعضَ الأعشابِ القريبةِ من بعضِ شَتلاتِ الخَسِّ، والمَلفوفِ، التي تَحَدّتِ الجَفافَ، وصَمَدَتْ.. تجَذّرَتْ أكثر.. بانتظارِ المَطر..
صَعَدْتُ الدّرجاتٍ الإسمنتيّة إلى الشرفةِ الغربيّة.. نزلتُ الدّرجاتِ الثلاث التي وَصَلَتني بالبَرَندة (الشُّرْفة) المُبَلّطة، التي تطلّ من الجنوبِ على (الصالون) ومن الشمالِ على (الدّوّارَة)……. كم كنا نجلسُ عليها، يا أمي.. ونشربُ المَتّةَ، معاً.. أو، على الأغلب، مع الكثيرين، والكثيرات.. ونتغدّى، أو نفطر، أو نسهر.. لكن…. الحمد لله.. هذه هيَ الدنيا..
أخرَجْتُ من حقيبَةِ كتِفي، كيساً.. وَضَعْتُ فيهِ ما جَنَيْتُ منْ خضرة، بالإضافةِ إلى ثمرةِ برتقال، هي الأولى التي قَطَفتُها منَ (الخربة) هذا الموسم.. رغمَ أنها غير ناضجة بشكلٍ كافٍ.. سآكُلها بعدَ قليل.. إن شاء الله..
أغلقتُ بابَ المَدخَلِ الحديديّ الخارجيّ.. وبَرَمْتُ على يميني.. دَخَلْتُ (دكّان) بيت أخي.. بعدَ أن ألقَيْتُ التحيّةَ عن بُعْد.. يعني (دَستور).. أو.. (هل أنتم هنا..؟! أنا حَضَرْت).. أطَلّتْ زوجتُه.. استفسَرْتُ منها عن أحوالهم، وعن أخيها، كيف صارتْ ساقُه.. طمأنَتني أنهم بخير.. حَمَدْتُ اللهَ، وأخبَرْتُها بما جنيتُ من (الخربة) وسألتها إذا كانت تريدُ شيئاً من السّوق، أجابت شاكرةً بالنّفي ..أكملتُ طريقي إلى (الشّيخ بدر ) ،كانت عيادة صَديقتي مُعتمة ما تزال الكهرباء مقطوعة ..بانتظارها مريضة ، ومعها مرافقتها وطفلٌ صغير.. اشتريتُ من ممرّضة د. محمد (ربطة خبر) قالت أنّها زائدة عن حاجتهم ، ناولتُها (15) ليرة .. شربنا في العيادة مع ممرّضة الدكتورة، قليلاً من المتة مع الزّهورات والسّكر.. الإبريق مسخّن على مدفأة المازوت الصغيرة ..مع أنّ الجوّ حارّ نسيبياً في الخارج إلّا أنّ العيادة باردة .. كنتُ قد مررتُ إلى محل أولاد المرحوم جارنا، طلبتُ(فلافل) بمئة ليرة ..أخبرني هو و إبن الشيخ علي حسن (ابن عمتك يا أمي) أنّه يحتاج إلى عشر دقائق ليحضّرها ، أعطيتُه المئة ليرة ووعدني، أنّه سيناولني إيّاها في عيادة الدّكتورة لأنّه سينزل مع صديقه على (الموتور) بعد قليل إلى السّوق ..شكرتهما وأكملتُ طريقي .
ناولني الشابُّ النحيلُ المحترَمُ الكادِح، الفقير جداً، أقراصَ الفلافل السّاخنة ..أكلنا منها جميعاً..لم تقبل المريضةُ ومرافِقَتُها مشاركتنا الطّعام كما تشاركنا الأحاديث العامّة والخاصة قبل أن تحضر الدكتورة من المشفى تبدو عليها مظاهر التّعب ، عاينَتهما وخرَجتا ..جلستْ تشرب المتة مع الزّهورات معنا وتأكل قرصاً أو أكثر من الفلافل ..تحدّثنا عن ابن أخيها الصغير الذي صادَفتُهُ في طريقي إلى عندها، وهو صاعدٌ من بيتهم إلى مدرسة القرية.. يحملُ قطّتهُ التي وجَدَها بعدَ أن كانت مفقودَةً منذ مدّة.. كانَ يبكي بكاءَ مقهورٍ، وهو يحضنُ قطّتَهُ، التي تلوذُ بهِ مُطمئنّةً، ويخبرُني قصّةَ فَقدِها، وأنا أواسيهِ، دونَ أن أعرفَ من هو.. وأنّ رفاقَهُ يضحكونَ عليه..
– والله.. والله والله، ياخالتو.. عندما رأتني، طارتْ نحوي، وراحت تتمَسّح بقدَميّ.. والله والله.. لم تصدّق نفسَها، عندما شَمّتْ رائحتي، أنني أنا..!! والله والله……………..
..ثمّ أتت أكثر من مريضة ..عاينتهنَّ ..وكنتُ أنا قد اتصلتُ بنقابة المعلمين وأخبروني أنّ وصفات شهري 9 و10 قد أُحضِرتا من طرطوس وكذلك الصّورة من الشهر السابع .. سررتُ جداً لأنّ حقيبتي لم يعدْ بها أكثر من خمسين ليرة ..وعليّ أن أردّ في آخر الشّهر ثلاثة آلاف ليرة لابنة أغلى وأخلَص صديقة عندي.. كنتُ قد استدنتها منها على هذا الأساس عندما زارتني مع بناتها الغاليات الثّلاث والغالية ابنة عمتي وأمّي الثّانية (ندّة) رحمها الله ..أخذت النقود واشتريتُ علبة دواء ب 225 ليرة وصبغة للشّعر ب 400 ليرة .. ركبتُ السّيارة مع الدّكتورة إلى عند (الشّيخ علي سلمان) ..هي تابعتْ طريقَها إلى المشفى حيثُ عملها، وأنا تابعتُ إلى هنا سيراً على الأقدام في حقيبة كتفي البيضات الأربع وربطة الخبز وكتاب (عذراً سورية )للأستاذ (غسان كامل ونّوس).. ودواء، وأشياء أخرى .. سألتُ شرطيَّي السّير اللذين يقفان في وسط الدّائرة التي تفصل تفرّعات الطّرق الأربعة : “ما هذه المنشورات التي ألقتها الطّائرة المروحية التي كانت تحلّق على علوٍّ منخفض جداً عندما كنتُ في الصيدلية؟” ..أجابني أحدهما :”من أجلِ العفو ..من أجلِ العفو”..
حمدتُ الله وأكملتُ طريقي صعوداً على مهل إلى هنا ، وعند (المبرّة ), كانت نساءٌ أغلبهنَّ يرتدينَ الأسود ينتظرنَ ويتحادثنَ ويتفقدنَ أوراقاً بين أيديهنَّ وسيارتان على جانبي الطريق يجلسُ في ظلّهما بعضُ الرّجال ..تأكدتُ أنّهم جميعاً ينتظرون (المعونات) من الهلال الأحمر العربي السّوري ..هم وهنَّ على الأغلب أهالي شهداء أو جرحى أو مفقودين أو ..أو ..أو …
آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه يا سورية
كان زوجي يمسك المكنسة الكهربائية ليلتقط بواسطتِها ما نزلَ على السجّادة، والكنبايات في الصالون، نتيجةَ تركيبِ مِدفأةِ الحَطَب.. سألتُهُ :
– رَكّبتَها بمُفرَدِك..؟!
قال :
– لا.. أنا وأخي..
قلتُ :
– ألله يعطيكم العافية.. ممتاز.. حتى لو كان الطقسُ حارّاً.. هذا وقتُ تركيبها.. طلبْتُ منهُ أن يتركَ تنظيفَ السجّادَة.. أنا أنظّفُها بعدَ أن أبَدّلَ ثيابي.. لكنّهُ نظّفَ قليلاً، وترَكَ الباقي.. لأنّ قريبَهُ سَيَحضُر ليُصْلِحَ بَعْضَ مَفاتيحِ الكهرباء.. بَدّلْتُ ثيابي.. غَسَلْتُ وَجهي، ويدي، وجَفّفتُهُما بالمنشفة.. تناوَلْتُ دَفتري هذا، وقلَمي هذا.. نَفَضْتُ بعضَ الغُبارِ والكلسِ عن الكنباية، وجَلَسْتُ أكتب..
تغدّى زوجي.. وهو الآن مازالَ مُستلقياً على الديفون مُقابِلَ الصالون الذي يُطِلُّ على الشّرْفَةِ الزجاجيّة.. نائماً.. وأنا أكتب.. بل، أنهَيْتُ ما أرَدْتُ كتابَتَهُ الآن.. و……. إلى اللقاء……. يا أمي…….
الواحدة وستّ وثلاثين دقيقة..
سبع صفحاتٍ، ونصف.. يؤلمني مكانُ الكَسْرِ في ساعِدي الأيمن.. لكنني سعيدة.. لأنني.. كتَبْت…
ف….. إلى اللقاء……. ياغالية……… أمي………….

———

اليوم هو، أو، كانَ، الخميس الثاني عَشَر من كانون الأوّل عام 2013م
لأنني بدأتُ هذهِ السطور، والساعة تشيرُ إلى الثانيةَ عشرةَ تماماً، من منتصَف ليل الخميس – الجمعة.. أجلسُ على الطرّاحة الإسفنجية البُنّيّة المُستطيلة، التي أحضَرَها زوجي مع رفيقتِها، منذُ سنتين.. بعْدَ أن أوقَدْتُ مِدفأةَ المازوت في غرفتي التي أنام بها منذُ أشهُر.. الدّفءُ يَصِلني منها حتى رُكبَتَيّ، وبَطني.. لكنّهُ لا يَصِلُ إلى كلّ جسميَ، المُنكَمِشِ منَ البَرد.. قطَراتُ المازتِ المُسْرِعة، تنزلُ منَ الأنبوبِ في المدفأة.. الإبريقُ المَليءُ بالماءِ فوقَها.. وَضَعْتُ ظَرفاً منَ الشاي في رَكْوَةِ ستنلس، ومِلعَقَة للتحريك.. أحضَرْتُ كأساً زجاجياً صغيراً.. وجَلَسْتُ أكتبُ مادَوّنتُهُ قبلَ قليل، عندما كنتُ في الفراش، على جهازيَ الخَلَويّ، وسأزيدُ عليه..
(أغلقتُ صفحتي على الفيسبوك، وأطفأتُ الجهاز.. استلقيتُ في سَريري.. تدثّرْتُ ببَطّانيّتين ولِحاف.. وما زالَ رأسيَ المَكشوفُ مُسَقّعاً.. ورُطوبَةُ شَعْريَ الذي لم يجفّ جيداً بعدَ الحَمّام، رغمَ جُلوسيَ الطويل قُربَ مدفأةِ الحَطَبِ في الصالون، أحاولُ أن أشاهِدَ (الفضائية السورية) أو (المَنار).. دونَ جَدوى.. تابَعْتُ، بشَكلٍ مُتَقَطّع، الأخبارَ على القناتَينِ الأرضيّتين.. الفضائيّات التي أريدُها، غائبة.. التيّارُ الكهربائيُّ يتقطّع.. مِدفأةُ الحَطَبِ بحاجَةٍ مُتواصِلةٍ لدَعْمِها بالمزيدِ، كي تمنحَنا الدفءَ المَطلوبَ، في هذا الجَوّ الكانونيّ الصّقيعيِّ (أليكْسا) تضربُ المنطقة.. الثلجُ يُغَطّي الجبالَ العالية، والصّقيعُ يَصِلُ إلى قُرْبِ الساحِل، والرّياحُ الشرقيّةُ تعصِفُ بسُرْعةِ (70) كم في الساعة، على الأقَلّ..
أردُّ الغِطاءَ جيداً على كتفي المُسَقّع، لأكتبَ بواسطةِ إبهاميَ الأيمَنِ على جهازيَ الخَلَويّ.. أظنُّ أنني سأمرَضُ منَ البَرد، إن لم أشعِلْ مِدفأةَ المازوتِ القريبةِ من سَريري….. سأفعَل.. )
أصُبُّ الآنَ كأساً منَ الشايِ الساخِنِ، منَ الرّكوَةِ، في الكأسِ الزجاجيّةِ الصغيرة.. صناعة وطنيّة.. سَحَبْتُ سِلْكَ الكهرباءِ من جهازِ اللابتوب، بعْدَ أن تَمّ شَحْنُه، وانطفأ الضوءُ الأحمرُ الصغيرُ في وَسطهِ من الأمام..
سأشرَبُ الشايَ، وأنا أكتب.. أكادُ أشعُرُ بالدفْءِ قليلاً.. لكنّ ظهري مازالَ بارِداً..
أحبَبْتُ أن أدَوّنَ بعضَ ما يشغلُ فكري.. أرخَيْتُ شَعري، بعدَ أن كنتُ جَمَعْتُهُ بِبِكلة، عَلّهُ يُساهِمُ في تدفئةِ نَقرَتي، بعدَ أن جَفَّ..
قبلَ أن آتي إلى هنا، كنتُ قد قرأتُ خبَراً، على صفحة (الوطن في العَينين) على الفيسبوك، نقَلهُ أحدُ أعضاء الصفحة.. يقول أنّ الصديقة المهندسة السورية، تنعي إليكم شهيدَةَ الوطن المهندسة (ميسون محلا) وزوجُها المهندس (نزار حسن) وأبناءَهما.. وأنّ الشهيد المُهَندس، استُشهِدَ هو وعائلتُهُ كلّها.. وكانتْ آخرُ جُمْلةٍ يتلفّظُ بها، قبلَ استشهادِه : (لقد وَصَلوا إلى بَيتي.. ولم يَعُدْ مَعي سِوى قنبُلة ) وألقى القنبلة على بَيتِه.. فاستُشهِدَ في الحال، مع عائلتِهِ كلّها.. وقَتَلَ جميعَ الإرهابيّين من (جبهة النّصرة) الذينَ دَخَلوا بيتَه.. أو، كادوا……
كتَبَ (عادل سَمارة) من الأرضِ المُحتَلّة : ( إنّ سوريا ستنتصِر.. ولا يُمكنُ إلاّ أن تنتصِر.. مادامَ فيها رجالٌ يُفَضّلونَ المَوتَ، على انتِهاكِ الكرامة..).. وكَتَبْتُ أنا (إنّ هذهِ هِيَ سوريا الكَرامَة، والإباء، والشّرَف.. عاشَتْ وَطننا الغالي سوريا.. عاشَتْ.. عاشَتْ.. عاشَتْ..) وتَرَحّمْنا على الشهداء.. وألقَينا الشتائمَ على الإرهابيّين القَتَلَة، وعلى داعِميهم..
وقد قالت لي – لاحقاً – إحدى الناجيات من مجزرة (مساكن عَدرا العُمّاليَة) أن الإرهابيين، (شَحَطوا) المهندسة (ميسون) التي قَدّمَت خدمات كبيرة للمُهَجّرين.. من شَعرها، وكانت إحدى ساقيها مقطوعة، أو أنهم قطعوها.. كانت ماتزالُ تنزف.. و(مَيسون) لم تَمُتْ بَعْدُ.. جَرّوها.. ثم رَبَطوها، ورَبَطوا غيرَها من الأحياء والأموات، بسيّارة شاحِنة، قادَها أحَدُ الإرهابيين.. وراحوا يجرّونَهم، ويُهَلّلون ويُكبّرونَ، وهم يدورونَ في الشوارع.. !!!!!!!!
_________________________________________________________
أمي..
كنتُ قد أفلَحْتُ في تنزيلِ مجموعَةٍ من الصّوَرِ من جهازيَ الخَلَويّ، على اللابتوب.. كما عَلّمَني الغالي ابنُ أختي، أثناءَ زيارَتي لهُم في طرطوس.. حيثُ نزلْتُ مع أبوَيهِ الغاليَين.. سَنَدي دائماً.. الجمعة الماضية، وذهَبْنا معاً إلى بيتِ الغالية أخته.. لعِبنا معَ الصغير الغالي، حفيدنا الأوّل، الذي أكمَلَ عامَهُ الأوّلَ في التاسِعِ من هذا الشهر.. بعْدَ عَودَتي بيوم.. والسّبَبُ في نزولي إلى طرطوس، أنّ الإعلاميّة (صَباح ابراهيم) كانتْ قد دَعَتني في مُحادَثة على الفيسبوك، منذُ عِدّةِ أيام، لتُجري مَعي مُقابَلَةً إذاعيّةً مُباشِرَة، على أثيرِ إذاعةِ (أمواج) الرّسمية، لمُدّةِ ساعَةٍ كامِلة، من الثانية بعدَ ظُهر الأحَد، حتى الثالثة… ترَدّدْتُ قليلاً، بحجّةِ أنني لا أجيدُ التعبيرَ بالكلامِ، بقَدْرِ ما أجيدُهُ بالكتابة.. لكنّها شَجّعَتني.. وقَبِلْتُ، لأنني بحاجَةٍ إلى رَفْعِ مَعنويّاتي.. وإلى تغييرِ جَوّ..
انتَقَيْتُ صورَةً لكِ، ياغالية.. تجلسينَ على (البَرَندة) فوقَ الدّيفون الذي كنتُ قد أخرَجْتُهُ منَ الصالون، لنجلسَ عليهِ عندما نمَلُّ الجلوسَ في الدّاخِل.. كنتُ قد وَضَعْتُ فوقَ كَتِفَيكِ الحَبيبَين، قِطعَتَيّ قماشٍ، أغلَقْتُ إحداها على صَدرِكِ الحَبيب، بشَنكَلٍ مَعدنيّ.. وأنتِ ترتدينَ (جلاّبيّتِكِ) الخَمْريّةَ الصّيفيّةَ الطويلة، ذات الأكمامِ القصيرة.. هِيَ الآن عندي، يا أمي.. لبِستُها في الصّيفِ الماضي، الذي أعقَبَ رَحيلَكِ ياغالية..
كم منَ الوقتِ مَضى حتى الآن، وأنتِ غائبَة عن عَينَيّ يا حَبيبة.. سأحْسب..
أمي.. مَعقول..؟! مَعقول، صارَ لكِ سَبعَةَ أشهُرٍ، ونصف غائبة.. يا أمي..؟! أمي….
كيفَ استَطَعْتِ ذلك..؟!
آ.. أعرف… لم ترحَلي.. أنتِ مُقيمَةٌ، حاضِرَةٌ مَدى الدّهرِ، في كَياني، وفي وُجودي، وَ وُجودَ كلِّ مَن عَرِفَكِ، وأحَبّكِ، يا أمي.. أبناءَ، وبَنات.. أحفادَ وحَفيدات.. أقارِبَ، وأباعِد.. جيران، ومَعارِف…. هنيئاً لكِ، أيّتها الحاضِرَةُ دائماً.. الحَيّة في نفوسِنا جميعاً.. هنيئاً منَ القلب..
بَرَدَتِ الشاي.. أنزلتُ الإبريقَ، وَضَعْتُ مَكانَهُ الرَكْوَةَ على المِدفأة.. صارَ العَرَقُ يندّي جِسمي، حتى نقرَتي، يا أمي.. لكن، أحياناً تَلسَعُني نسمَةٌ، لا أعرفُ منْ أينَ تأتي.. على كُلٍّ.. الرياحُ تعصِفُ الآن….. كم أحُبُّ هذا الجَوَّ يا أمي..!!
نقَلْتُ، ظُهرَ اليوم، على اللابتوب، خاطرة كنتُ قد كتَبْتُها صَيفَ 1985م بعُنوان (حَلّقي) كنتُ قد أرسَلتُها معَ قصيدتينِ، في أوّلِ رسالَةٍ عَبرَ البريدِ، إلى (عالَمِ الأدَب).. أحِبُّ هذهِ الخاطرة، يا أمي.. أما القصيدتين، فلسْتُ مُضطرّةً هنا أن أفشي سِرّهُما، وأبوحَ بمَضمونِهِما.. أو، على الأقلّ، مَضمون إحداهُما.. لأنني قرأتُ إحداهُما مَرّتين، أثناءَ اللقاءِ الإذاعيّ المباشر…
إلى اللقاء يا أمي……………….!!
__________________________________________________
أنا الآن في بيتِكُم، يا أمي.. بيت أهلي.. بيتِنا..
اليوم هو الإثنين الثالث والعشرين من كانون الأول، ديسمبر، عام 2013م..
الساعة الآن تُقارب الثالثة والربع بعدَ الظهر.. الجَوّ في الخارِجِ مُشمِسٌ، وربّما أكثرُ دِفئاً منَ الأيامِ الماضية، حَسْبَ ما قالتِ النشرةُ الجَوّيّة، في (بانوراما طرطوس) على الفيسبوك، وتلفزيون (المَنار) و (الفضائيّة السورية)..
استيقظتُ مُبْكِراً هذا الصّباح.. لبستُ ثيابي.. وخَرَجْتُ إلى الشُّرْفةِ، في بيتنا في (الضَّهْر).. كانتِ الساعَةُ حوالي السابعة.. زوجي، على غيرِ عادَتِه، لم يكُنْ قدِ استيقظ.. ربّما يشعُرُ بالدّفءِ، لأنهُ شَغّلَ المُكَيِّف الصغير الذي كنتُ قد اشترَيْتُهُ للمَحَلّ، بتشجيعٍ من أخي الغالي، بثمانية عشر ألف ليرة (18000) ل.س.. دَفَعتُها لهُ بالتقسيط، كلّ شهر ألف ليرة.. عندما كانَ يُجَهّزُ مَحَلّهُم (لبيعِ الأحذية) الذي أسماه باسمِ ابنةِ أخيه الأغلى.. المُقابل لمَحَلّي (الحِسان) في الشارعِ الرئيسيّ من مدينةِ (الشيخ بدر) (شارع زكي الأرسوزي).. والذي ترَكَهُ الغالي أبي لأنتقِلَ من مَحَلّيَ القديم، تحت بيت أخي الأصغر.. ذلكَ المَحَلّ الواسع الكبير، الفقير جداً…………
– ماذا ستُسمونَ المحَلّ يا أخي..؟!
– أنتِ التي ستُسْمينَهُ، كما ترغبينَ، يا فاطمة..
– أنا..؟! لا لا.. أسموهُ كما ترغبون..
– لنْ يُسميَهُ أحدٌ سواكِ، يا أختي.. اختاري اسماً تحبّينهُ أنتِ.. على راحَتِك…
لم أصَدّقْ، يا أغلى الغوالي..
أنا.. أنا سأختارُ شيئاً، على راحتي.. وكما أرغب..؟!! وبدونِ ضغطٍ من أحَد…؟!!!!!
لااااااااااا………… يا (اسماعيل)..!!!
أغصّ، ياغالي.. حبيب قلبي ونور عيني.. بل، أبكي………….
(ولك، ليش قتلوك……….؟!!!! ليييييييش…………؟؟؟؟؟!!!!! )
لا أحدَ في الكونِ، يقدرُ أن يُقنِعَني أنّ وفاتَكَ كانتْ مجرَّدَ.. صُدفة……………!!!!!! أبداً يا أخي…………….
كتبتُ، مرّةً، وبعد ارتقائكَ بسنوات.. ما معناه :
( أخي.. ياقطعةً من ذاتي، مَدفونةً تحتَ التراب………………… عرفتُ الآنَ لماذا يُقدّسُ الناسُ تُرابَ بلادِهم.. لأنهُ يضمّ في حضنهِ، قِطَعاً من أرواحِهم.. أغلى الناس……………………إلخ)

أمي..
سأحكي لكِ كيفَ صارَ عندي مَحَلٌّ لبَيعِ الألبسَةِ النسائيّة، والولاّديّة الجاهزة، والأحذية.. وكيفَ حَوّلْتُ جزءاً منهُ إلى مَكتَبَة..
هل تسمَحينَ ياغالية..؟!
أعرفُ أنّ ما يُسعِدُني، يُسعِدُكِ، بالتأكيد، يا أمي..
مدفأةُ الحَطَبِ في غرفتكُما، يا أبَوَيّ الغاليَين، أماميَ الآن.. تتوقّدُ داخلها عِدّةُ قِطَعٍ منَ الحَطَب (قْرامي) أحضَرَها أخي.. على المدفأة إبريقُ المَتّة، والطنجرة الستنلس الكبيرة، التي فقَدَتُ غطاءَها منذُ مُدّة، بَعْدَ رَحيلِكِ ياغالية..!! (أتعرفينَ أينَ وجدتُه..؟؟!! هههه اضحكي علَيّ..!!.. وجدتُهُ بين الغاز، والحائط..!! ههه).. فيها قليلٌ منَ القمْحِ المَقشور، يغلي.. سأحضِرُ منَ البيت في (الضّهْر) بعضَ الحمّص المَسلوق، الذي أضَعُهُ في أسفلِ البَرّادِ الصغير، وأغليهِ مع (القَمْحِيّة) ليُصبِحَ طعاماً كاملاً.. اللابتوب على الطاولة الكبيرة، على يَساري.. وَصَلتُهُ بالشاحِن، قبلَ قليل (أمي.. هناكَ صَوتُ سيّارةِ إسعاف، ورَشقاتُ رَصاص.. أكيد شَهيد..).. شَهيد ل (بِشْمِس).. رحِمَهُ الله.. عَبَرَ قريَتَنا الغالية، بجَنازَةٍ ليستْ كبيرة.. لم أستطِعْ أن أرى صورَتَهُ الكبيرة، التي تحمِلُها سَيّارة شاحِنة، يُمسِكُها منَ الجانبَينِ، شابّانِ صغيران…… آآآآآآآآآآآآآآخ.. يا أمي… الحمد لله…..
قبلَ ساعاتٍ، أذاعوا في الجامِعِ (جامِع الشيخ علي سلمان) خَبَرَ استشهادِه..
أمي.. اللابتوب على الطاولةِ البُنّيّةِ الكبيرة، على يساري.. وَصَلتُهُ بالشّحْنِ، عن طريقِ سِلْكٍ طويلٍ (كابل) يستمِدُّ منهُ التيّارَ الكهربائيّ.. لن أطيل.. سأحكي – كما قلنا – عنِ (المَحَلّ).. (الحِسان).. هَيّا.. و – كالعادَة – أخبِريني عندما تمَلّين..
أخبَرْتِني – ياغالية – في أحَدِ أيام عام 1983م على ما أظنّ.. أنّ أخي الأغلى، أخذَكِ بسَيّارَتِه التابِعَةِ ل (الدّولة) بعدَ أن قُمْتِ بالسلامَةِ، من عَمَليّةِ استئصالِ المَرارَةِ، عن طريقِ الجِراحة.. كانَ ينامُ عندَ قَدَمَيكِ، عندما يعودُ من عَمَلِهِ الشاقِّ جداً، والخَطير، وهوَ بالبوطِ العَسكريِّ، وبذّتِهِ العَسكَريّةِ، بقامتِهِ الفارِعَةِ، وأنتِ تتعافينَ بالتدريجِ، بعْدَ العَمَلِ الجراحيِّ.. ينامُ، أو يستلقي على السّريرِ الذي تستلقينَ فوقَهُ في المَشفى، بالعَرضِ.. رأسُهُ في آخِرِ السّريرِ، عند قدَمَيكِ.. وجذعُهُ، أيضاً.. أما ساقاهُ الطويلتان، فكانتا تمتدّانِ خارِجَ السريرِ، وتستقرّ قدَماهُ الكبيرتان المُحاطتانِ بالبوطِ العَسكريِّ الثخينِ، على أرضِ الغرفةِ.. بعدَ أن يكونَ قدِ اطمأنّ من الأطبّاءِ على صِحّتِك.. قد يسرقُ إغفاءَةً دافئةً، عندَ قدمَيكِ يا أمي.. ربما كانَ يستمِدّ من دِفئهِما الأمانَ والحَنانَ الذي فقَدَهُما، منذُ توَلّى مسؤوليةَ القيامِ بواجِبِهِ في حِمايَة الوطنِ الأغلى.. كانتْ آخِرُ مَهَمّاتِهِ، عَمَلَهُ كضابطٍ برتبَةِ (رائِدٍ) في (حَلَب).. عَمَلاً قاسياً، يحملُ منَ الخطورَةِ الشيءَ الكثير.. في تلكَ المَرحَلَةِ من هَيَجانِ (خُوّانِ المُسلمين) الذين ازدادَتْ شَراسَتُهُم، وأعمالُهُمُ العُدوانيّة، منذُ سَنوات.. قد تكونُ بعْدَ توقيعِ اتفاقيّةِ (كامب ديفد) الخيانية، بينَ (السادات) و (الكيانِ الغاصِب) عام 1979م..
وعندما قَرّرَ الأطبّاءُ أنّهُ بإمكانِهِم أن يُخرّجوكِ منَ المَشفى.. جاءَ الغالي.. واصطَحَبَكِ بسيّارَتِهِ، ليُنزّهَكِ، ويُطلِعَكِ على بعْضِ معالمِ (حَلَب) التي لم تزوريها من قَبْل.. كانَ أبي مُستَعجِلاً قدومَكِ، لكن، بعدَ أن يتأكّدَ الأطباءُ أن لا حاجةَ لبقائكِ تحتَ إشرافِهِم.. لكنّ أخي أخبَرَهُ أنّهُ سيُبقيكِ يَومَين، على الأقَلّ، عنده في (حَلَب)، للحيطة.. كنتِ سَعيدَةً، ومُندَهِشَةً منَ المناظرِ الجميلةِ التي ترَينَها من نافذةِ السيارة، التي كانَ يقودُها الغالي بنفسِه.. دونَ سائقٍ، ولا مُرافِق.. رُغمَ الظروفِ الأمنيّةِ الخطيرةِ التي كانتْ سائدة.. (آخ يا أمي.. لو تعرفينَ ماذا حَلّ بحَلَب، وبغيرِها منَ المُدُنِ والقُرى السوريّةِ الحبيبة.. بعدَ أن غزَتها قطعانُ المَغولِ، والتتارِ والتكفيريّينَ الهَمَج الإرهابيّينَ القَتَلَة..!!)..
(هل تعتقدينَ أنّ أخي سيعاقبني، لأنني أستهلكُ (قْرامي) الحَطَب، التي جَهّزَها ليتدفّأ عليها هوَ وضيوفُهُ، عندما يأتونَ إلى هنا، عَصراً، في أغلبِ الأيام، منذُ أشهُر.. يجتمعونَ على خيرِ الجميع.. يتحادثون حَولَ الأمورِ الخاصّةِ، والعامّة.. ينظّمونَ أعمالَهُم الخاصّة والعامّة.. يوزّعونها بينهم.. ؟! )
أكيد.. لا…. تعرفينَ أنني أمزح..
في الخارِجِ، الآن، على الشرفةِ الغربيّةِ، الإسمَنتيّة (الفوقانيّة) بعضُ الشّبابِ من جيراننا، يقطِّعونَ الحَطَبَ الناعِم.. أكيد أخي هو الذي طَلَبَ منهم أن يَفعَلوا، وسيُعطيهِم أجرَهُم (على الأقَلّ)..
لنَعُدْ إلى (حَلَب)..
كان الغالي يَدُلّكِ على كلِّ مَعْلَمٍ منْ مَعالِمِ المدينةِ الجميلة.. ويشرَحُ لكِ عنهُ قليلاً.. قُلتِ لي، أنكِ رأيتِ أثناءَ تجوالِكُما في المدينة، مجموعَةً منَ البناياتِ الجميلةِ الرائعة.. فسألتِ أخي، باندِهاش :
– ماهذهِ البنايات الفخمَة، يا بُنيّ..؟!
فأجابَكِ، بأنّها بناياتِ ضُبّاطٍ في الجيش..
فاستغرَبْتِ.. وضَرَبْتِهِ على كَتِفِهِ، قائلةً – بِعَتَب – :
– هذهِ بيوتُ ضُبّاطٍ.. وأنتَ، ليسَ لدَيكَ (قِنٌّ) يؤويكَ، معَ زوجَتِك..؟!! ألله يكتّر خير أبيك، الذي بنى لكَ غرفتين صغيرتين في “الأندروسة”.. والله، لولا ذلك، لما صارَ عندكَ بيت..!!
وضَحِكْتِ……
لكنّ الغالي أجابَكِ بقُوّةٍ، وثقَة :
– ألله لا يطعمني لقمةً كهذهِ، يا أمي..!!
ومن ضمنِ ما استفسَرَ مِنكِ عنه.. أنا.. قُلتِ لي أنّهُ سألَكِ عن وَضْعيَ الصّحيّ، وعن أحوالي بشكلٍ عامّ.. فأخبَرتِهِ أنني غيرُ سعيدة، و وَضعي ليسَ جيّداً.. فقالَ لكِ :
– والله يجب أن نبحثَ لها عن وظيفة.. أو، أيّ عَمَل تُشغل نفسها به.. وَضْعُها بهذا الشكل، غير مَقبول…… وعَبّرَ عنِ انشِغالِهِ الشديد في عَمَلِه.. وعلى الرّغمِ من كلِّ ما يُتعِبُه.. سيُحاوِلُ أن يَحُلَّ لي مُشكِلَتي..
كُدْتُ أطيرُ منَ الفَرَحِ، عندما أخبَرَني بذلكَ، ياغالية..
مَعقول..؟! مَعقولٌ أن يُصبحَ عندي عَمَل..؟! لكن.. لكن كيفَ سأتوظّف، أو يكونُ عندي عَمَل، أو أتَحَمّلَ أيّةَ مَسؤوليّة، وصِحّتي لا تُساعِدُني، أبداً.. صحّتي النفسيّة، والجَسَديّة، و………………. إلخ
لكنني تمَسّكْتُ بالأمَل..
كنتِ تحدّثينني ياأمي، بين فترةٍ وأخرى، وأنتِ تبكين.. عن أخي الغالي، كيفَ كانَ يبكي بقهرٍ شَديدٍ على ضابطٍ صَديقٍ لهُ، اغتالته عِصاباتُ الإخوان، وكان قد تزوّجَ قبلَ عشرين يوماً، فقط.. قال لكِ أخي :
– هل تعلمين حرقةَ قلبِ الأمِّ على ولَدِها يا أمي؟ بهذهِ الدّرَجَة، انا مقهورٌ على صديقي..!!
لم تكن أمي قد ذاقتْ حُرْقةَ قلبِ الأم على ولَدِها، بعْدُ، يا أخي.. لكنها ذاقتها – أول ماذاقتها _ عليك يا حبيبي..
__________________________________________________
أعطتني أمي الغالية – اليوم – ألف ليرة، للمرة الثانية.. وقد أوصاها أبي بذلك..
إذا كانت محتاجةً، اعطِها، بينَ فترةٍ وأخرى، ألف ليرةٍ، ممّا يعطيكِ إياهم أخي (علي ) كلّ شهر، حَسَنة عن روحِ أبوَيكِ..
أردت، يا أبي، أن تضربَ عصفورين بحجر – كعادتك في أعمال الخير –
أن تدفعَ لي – بطريقةٍ لا تمسُّ مشاعري – إجرةَ مساعدتي البسيطة جداً، لأمي.. كي لا تجعلها تشعرُ بأنّ أحداً له فضلٌ عليها، حتى أنا، ابنتها الكبرى..
وأن تجعل أمي الغالية تدفع زكاة مالِها – مالِ الله – للأقربين، الأولى بالمعروف..
أقول : ( ربِّ ارحمهما، كما ربياني صغيرا..)
__________________________________________________
مثل كلّ الغزاة الطامعين، لم تسحب فرنسا قواتها العسكرية، وتنهي استعمارها المباشر لأرضنا، إلاّ بعد أن انتقمت من الثوار، بشكل غير مباشر..
كان الغزاة متأكدين أن أغلب المواطنين، حتى البسطاء منهم، متعاطفين مع الثوار إلى حَدّ التقديس.. وأنهم، إن أمَروا، فسيكونون طوعَ أمْرِهم، فوراً.. وكيف لا يكون ذلك، والثوار هم القوة الوحيدة القادرة على الدفاع عن وجودهم، وأرزاقهم، وعيالهم، وكرامتهم.. الثوار.. هذه الطبقة من الناس، التي تنكر ذاتها، وتنسى مصالحَها الخاصة، بل، تضحّي بها كلها، إذا اقتضى الأمرُ تلكَ التضحية.. وذلك في سبيلِ مصلحةِ الجماعة.. مصلحةِ الوطن.. أفراد مُستَضْعَفين، غير قادرين على الدفاع عن أنفسهم.. فيضحّي الثائرُ حتى بنفسه، لتحيا تلك الجماعة.. التي تشكّل (الوطن).. الذي هو أغلى من الروح..
(والجودُ بالنفسِ، أقصى غاية الجُودِ)
كان العدوّ ماكراً.. ككُلّ الغزاة.. فأدرَكَ أنه لو انتقَمَ منَ الثوّارِ، بشكلٍ مُباشَر.. فسيدفعُ الثمَنَ غالياً، من ثورَةَ المواطنينَ الذين – مهما كانوا ضُعَفاء، وعُزّلاً – فلن يسكتوا.. وسيبقون شوكَةً في حلوقِ الظالمين.. وفي أسوأ الأحوال، سوف يعرقلونَ تنقُّلَ القوّاتِ الغازية.. فاستعمَلوا طريقةً أكثرَ دِقّةً، وخِداعاً، وتأثيراً، وخِدمَةً لمَصالحِهمُ الإستعمارية.. ألا وهيَ.. تشويه سُمعةِ الثوّار.. وبَثّ الفرقة بين الناس، بافتراءِ أفعالٍ قامَتْ بها هذهِ الفئة، ضدّ الفئةِ الأخرى.. مُستخدِمَةً بذلكَ ضِعافَ النفوسِ، قليليّ الذكاء.. غير المُدرِكينَ لمخاطِرِ الإستعمار.. فأغرَتهم بالمالِ، والجاهِ.. ونَصّبَتهم زُعَماءَ عَشائرَ، وطوائف.. كل مجموعة من الناس، يتزعّمُها شخصٌ قادِرٌ على إدارَةِ أفرادِ مجموعته، بإشارَةٍ من إصبَعِه.. لقاءَ صَوْنِ عَيشِه.. وبقائهِ حَيّاً..
أما الكرامة.. فلا وُجودَ لها..
صارَ الوَطَنُ، في أغلبِهِ تحتَ سَيطرةِ الرأسِ الأكبر (المُستعمِر) والذي يَليه.. الزعامات..
أمّا المواطنونَ المُستَضعَفون، فقد أصبَحوا دُمىً، تُحَرّكُهُم العَصَبيّات، والمَصالحُ الفرديّة الضيّقة.. تحتَ ضَغطِ الحاجة.. وتسَلُّطِ القويِّ على الضّعيف..
حتى صارتْ صِفَةُ (ثائر) مَسارَ سُخريَةِ الجُهَلاء، والعُمَلاء، والزّعامات الفئويّة..
وبذلكَ استطاعَتْ “فرنسا” إضعافَ الثوّار، وتحييدِهِم عن طريقها.. ولم يبقَ معَهُم إلاّ مَن رَحِمَ رَبّي، من المُتنوِّرين، بَعيديّ النظر، المُدرِكينَ لحَقيقةِ ما يَحصل.. لكنهم كانوا فقراء.. وغير مؤثّرين كثيراً في المُجتَمَع..
فقد صار (بيت أمين) وأمثالُهم، أغنياء..
فبنوا المَدارِسَ، والمَشافي.. وفتحوا المَحَلاّتِ التجاريّة.. وتعَلّموا.. فصارَ منهمُ القاضي، والمُحامي، والطبيب، والمُدَرّس، ورئيس المخفر.. ومأمور الأحراش.. وصاحب المدرسة الخاصّة.. التي لا يستطيعُ إبنُ الفلاّحِ الذي كان (ثائراً) وفقيراً.. ولا باقي أبناءِ الشعب أن يُعَلِّمَ أبناءَهُ من دونِ أن يدفعَ (لإبن أمين) أقساطاً سَنويّة..
حتى افتتحتِ الدّولةُ في أواخرِ الستينات، المدارِسَ الإعداديةَ والثانويّةَ، الحكوميّة، المَجانيّة..
وقبلَها (المَدارسَ الإبتدائية).. وقَبْلَها كان التعليمُ (عند الخطيب).. أو، ضمنَ العائلة الواحدة.. أو، الجَماعة الواحدة.. وبشكلٍ مخفيٍّ عنِ المُستعمِرين، الذين كانوا يُحاربونَ الدينَ، والهُويّةَ، بكلِّ أشكالِها.. منذُ أنِ اهتدى أوّلُ غازٍ إلى أهَمّيّةِ الدينِ، كمَنظومَةٍ أخلاقيّةٍ وقِيَميّة، تنظّمُ المجتمَع، وتحكمُهُ بالعَدْلِ، والحُريّة.. وتحضُّ على العِلْمِ، والمَعرفة، للإرتقاء بالإنسان بشكلٍ عام.. وبالحياةِ كُلّها..
وبدأتْ مَسيرَةُ التجهيلِ، والإنحِطاط، منذ أن أغرَقَ أوّلُ غازٍ المكتباتَ في مياهِ (دجلة) وغيرِها.. وسَرَقَ أهَمّ الكُتُبِ، وأغناها بالمَعارف.. وأحرَقَ ما استطاعَ الحصولَ عليهِ من بقيّةِ الكُتُبِ، التي تحوي العلومَ والمَعارِفَ، بكلّ أشكالِها.. الدينية، والدنيوية.. وصارَتِ (القوّةُ المادّيّةُ) العسكريّةُ التسَلّطيّة، هي الحاكمة الآمِرَة، والناهية، والناظِمة لحياةِ المواطِنين.. كما تشاءُ مَصالحُ المستعمرين، الخاصّة..
وكُلُّ مُعتَرِضٍ، يُقطَعُ رأسُه..
فاضطُرّ العُلَماءُ للتَّخَفّي.. وصاروا يُعَلّمونَ الناسَ (سِرّاً ) مِمّا تبقّى لدَيهِم من كنوزِ المَعْرِفةِ، الشفَهيّة، والمَكتوبة..
وهنا حَصَلَ الخَلَل.. إذ، استطاعَ بعضُ الجَهَلَة، أو، الباحِثينَ عن مَصالحِهِمُ الخاصّة.. من جاهٍ، ومالٍ، ومَكانةٍ إجتماعيّة.. أن يَدّعوا أنّهُم (شيوخ) و (عُلماء).. وأن يُصبِحَ لهم أتباعُ، ومُريدون، من الناسِ البُسَطاء، الباحثين عن المعرفة.. حيث أنّ الجاهِلَ منبوذ.. ولا قيمَة لهُ تجاهَ العالِمِ، أو، المُتَعَلِّم.. وذلكَ، لحَضِّ الناسِ على طَلَبِ العِلم..
وكان الناسُ، لا يزوّجونَ بَناتَهم، لمَن لا يملكُ قَدْراً منَ العِلمِ.. فيُضطَرُّ الشبّانُ أن يبحثوا عن (عُلماء) يتتلمَذونَ على أيديهم.. ليتمَكّنوا من القبول، من الحبيبة، وأهلِها..
__________________________________________________
في أحد الأيام، جاء الغالي إلى بيتنا في (الضّهْر).. وبادَرَني بالحديث عن أنه عجزَ عن تأمين وظيفةٍ لي.. وكنت قد حصلت على الشهادة الثانوية الفرع الأدبي، بتشجيعٍ من زوجي، عام 1982م.. وأمّنَ لي زوجي إعطاء عدة ساعات، في مدرسة قريتنا (المريقب) الإبتدائية.. وفي السنة الثانية، في (ابتدائية الشيخ صالح العلي) في الشيخ بدر.. كلما غابتْ آنسة، أمومة.. أو، استراحة.. أعلّم مكانها حتى تنتهي إجازتُها.. وكان يحرصُ على أن (أقبضَ راتبي) بنفسي.. كي أشعرَ أنني مُنتِجَة..
أبدى أخي الغالي أسَفَهُ الشديد لأنّ توظيفي عند الدولة، غير ممكن.. لذلك.. اقترَحَ عَليّ أن يستدينَ هو وزوجي، ويفتحا لي مَحَلاّ في (الشيخ بدر) أختارُ أنا ما سيكون.. (كوافيرة) (بائعة ثياب من البالي) (بائعة ثياب جاهزة)… أو، أي شيء أرضى بهِ، ويُسعِدُني.. وأضاف – مازحاً – :
– أعرفكِ، لا تقدرين على العيشِ بدون كلام.. أنتِ تحبين الكلامَ كثيراً..!!
أجَبتُهُ بفرح :
– إي والله أحبّ الكلام.. وأحبّ المجتمع… وهذا حُلُمٌ عندي أن أخرجَ من عُزلتي، ومن عَطالتي عنِ العمل.. لا أستطيعُ الإستمرارَ في الحياةِ، بلا هَدَف.. بلا عَمَل.. بلا انخراطٍ في المجتمع كإنسانة فاعِلة مُتفاعِلة..
ضَحِكنا معاً.. و وافَقْتُ فوراً.. لكنني لم أكنْ أشعرُ أنّ بإمكاني أداءَ أيّةِ مَهَمّةٍ، أو إتقانَ أيِّ عَمَلٍ بمُفرَدي.. لكنني بأمَسِّ الحاجَةِ للخروجِ بينَ الناس.. والتّحَرّرِ من ذلكَ الجَوِّ الخانِقِ، الضّيّق، الذي كنتُ أعيشُه..
بَحَثَ الفِكْرَةَ مع زوجي.. وأنا غير مصدّقة..
__________________________________________________
(-ما رأيُكِ أن تتقدّمي للشهادةِ الثانوية..؟!زميلاتُكِ، وزملاؤكِ الذينَ كنتِ أذكى منهم، حصلوا عليها، وتوظّفوا..؟!)
واشترى لي كُتُباً من (مستودع الكتب المدرسية) تشجّعْتُ جداً.. وأقبَلْتُ على الكتُبِ المَدرَسيّةِ، بشَغَفٍ، وحَماسَةٍ بالِغَين.. رغمَ أنني كنتُ أعاني منذ سنواتٍ من (عُصاب القلق الإكتئابيّ) طبعاً، أنا شَخّصتُ المَرض لنفسي، حسبَ ما قرأتُ عن أعراضِهِ في كتابَيّ (علم النفس) للدكتور (فاخر عاقل).. و (الصحّة النفسية) ل (نعيم الرفاعي).. الذيَن كانا مُخَصّصَين لطُلاّب الدبلوم.. وكان زوجي قد احتفظَ بهما في مكتبتِه.. وعانَيتُ كثيراً من (القَمَهِ العَصَبيّ الشديد) كما شَخّصَهُ لي الدكتور (محمود زغيبي) الذي اصطَحَبني زوجي إلى عيادته برفقةِ عَمّتي الغالية، أمي الثانية (آمنة) التي اخترتُها من بين كلّ أهلي كي تذهبَ معي إلى دمشق، في التاكسي التي استأجَرها الغالي زوجي، لأنني كنتُ في حالةٍ نفسيّةٍ وجَسَديّةٍ مُزرية.. كانت الغالية أختي (آمال) في الصف الحادي عشر، أو، البكالورية.. وبقيتْ عدّةَ أيامٍ، تجلسُ خَلفَ ظهري على السرير، لتسندَني.. و زوجي يشوي اللّحْمَ أمامي على (المَنقَل) في الغرفةِ، قربَ السّرير، ليرغّبَني من خلال رائحَتِه، بتناوُلِ بعض الطعام.. لكن.. دون جدوى… كنتُ، لأرضيهِ، أضعُ اللقمةَ في فمي، وأمضَغُها قليلاً، وأعجَزُ عن بَلعِها.. فأشيرُ إلى أختي التي تسندني، أن تناولني مَحْرَمة ورقية، فأغافلهُ، وأبصُقُها لترميها أختي في الزبالة..
بصعوبةٍ بالغة، استطاعَ الدكتور (محمود زغيبي ) أن يفحصني.. كنتُ متوَترةً جداً.. وهزيلةً جداً.. لم يجد بي مرضاً جسَدياً، أبداً.. فأحالَنا إلى الدكتور (علي بلال ) المختصّ بالأمراضِ العَصَبية.. وكتبَ لهُ رسالةً باللغةِ الإنجليزية، ترجمَها لنا سلفي، وأخبرَني، بإعجاب، أن الدكتور (محمود ) قد كتبَ في رسالتهِ القصيرة الموجّهة للدكتور (علي ) : (……. أرجو أن تعالجَ هذهِ السيّدة، الذكيّة فوق العادة (إكسترا أوردينري )، فاطمة صالح، التي تعاني من “القمَهِ العَصَبيِّ الشديد”………. إلخ )
عانى معي الغالي زوجي الكثير، خلالَ سنواتِ مَرضي.. كانَ يأخذني بسيّارة أجرة، مَرّتين، إلى دمشق.. ومَرّتين.. إلى بيروت.. يبدّلُ لي الأطباء، والإختصاصات.. الجسمانية، والنفسانيّة.. دونَ جَدوى تُذكَر.. أذكُرُ أنهم كانوا يقولونَ لهُ : (مافيها شي) فاغتاظَ منهم جداً، وقالَ لأحَدِهم بحُنقٍ بالغ :
– (يا أخي، “مافيها شي”، لكنها تكادُ تموت. اعطوني إشعاراً بحالتِها، إذا لم تكونوا قادرينَ على عِلاجِها، وسأخرِجُها للمعاجةِ خارجَ القطر.. )
لن أنسى فَضْلَهُ – يا أمي – ..
أمي..
لا تلوميني..
هناكَ أمورٌ لن أحكيها..
عندما سَمِعَ أنّ وزارَةَ التربية تُعلِنُ عن الترشيح لإعارة بعض المدرّسين إلى بعض الأقطار العربية، لم يتردّد في تقديم أوراقه.. وكانت نتيجة الإعارة، إلى (المغرب).. قال لي : أن الراتبَ هناك قليل، ولا يُقارَن بالرواتب التي يتقاضاها المُدَرّسون المُعارون إلى دول (الخليج) – مثلاً – لكنه سعيدٌ بأننا سنغيّر جَوّاً.. و ربما تستريحُ نفسيّتي..!!
ماذا جرى لنا يا حبيبي..؟!
المهمّ، الآن، أن أكتبَ حول اقتراح أخي (اسماعيل)..
قال لي :
-ما رأيِك، أن نأخذ، أنا والأستاذ، كلٌّ منا قرضاً.. ونفتحُ لك مَحَلاً في السوق.. وأنتِ تختارين ماذا سيكون..
واخترتُ أن يكونَ محلاً لبيع الألبسة الجاهزة النسائية، والولاّدية.. كي يكون، أيضاً، مريحاً لي ولصديقاتي والزائرات، أكثر من أن تكون فيه ألبسة رجالية.. واختار أخي، أيضاً، أن تكون فيه أحذية.. حتى إذا دخلتِ المرأةُ إليه، تأخذ كل ما تحتاجه لها ولأسرتها من الداخلي والخارجي والأحذية، والمناشف، وغيرها…..
آآآآه…. ما أجمَلَ الأحلام..!! وما أسهَلَ أن نحلم..!!
استعنا بالله..
أنا الغبية، يا أمي.. أنا العمياء، التي لاتعرف عن غير محيطها الضيق، سوى القليل القليل.. طلبتُ من الغالي أخي، أن يدخلَ معي إلى غرفتنا في بيتنا في الضهر.. أغلقتُ البابَ، وهَمَسْتُ له، أستحلفه بالله، إن كان بعضُ مالِهِ غيرَ حلال.. أنا ليستْ لي أية علاقة بخصوصيّاتِك.. لكنني لا أستطيعُ أن أمارسَ عملاً بمالٍ غير مال الحلال الصافي……!!
واعتذرْتُ منهُ على هذا السؤال..
وبكلِّ طيبَتِهِ، وصِدْقِهِ، ونُبْلِهِ المعهود.. أجابَني، وبهدوءٍ، وثقة.. لكن، باستغراب :
-أقسِم.. بشَرَفي.. بديني.. بوجداني.. أنّ مالي حَلالُ حَلال.. وأنهُ لا يمكنُ لي أن أتخلّى عن مبادئي وأخلاقي.. وما ترينَهُ من ادعاءِ الغنى، هو، لأنني أعيشُ في بيئةٍ ثريّة في (حلب) ولا أريدُ لأحَدِ أن يدعوني – يوماً – إلى الغداء – مثلاً – أو أن يهديني هديّة، دون أن أردَّ لهُ ذلكَ بمثله، أو بأكثر.. أما (سلوى) فلا أريدُ أن ينقصَها شيءٌ، ولا أن تبدو أقَلّ أناقةً، أو، دَلالاً، مِمّا تبدو عليهِ النساءُ الأخريات اللاتي تعيشُ معهنّ…
بل، وسأبوحُ لكِ بسِرٍّ، لم أبُحْ بهِ لأحَدٍ غيركِ، يا أختي.. وأتمنى عليكِ ألاّ تبوحي بهِ لأحَد..
(لم أبُحْ بهِ لأحَدٍ، يا أخي الغالي، سوى بعْدَ وفاتِكَ ياغالي.. سامحني.. فقد كانَ ذلكَ ضرورياً جداً..)
أنهُ عليَّ دَينٌ – حتى الآن – ما يفوقُ المئةَ ألف ليرة سورية.. (كان ذلك في أوائل عام 1983م)
أقسِم بشَرَفي.. بديني.. بوجداني… أنني لم آكُل – يوماً – ولا يمكنُ أن آكُل، سوى من تَعَبي.. من راتبي.. والمَهَمّات الموكَلة إليّ..
فاطمئنّي، يا أختي……………..
آآآآآآآآآخ من أختِك.. وعلى أختِك، ياغالي…..!! ما أذنَبَها..!! وما أجهَلَها..!! وما أظلَمَها..!! وما أغباها..!! وما أبعَدَها عنِ الواقِع…!!
سامِحني يا أخي.. سامحني ياغالي..
قلتُها لكَ عندما عُدنا من نزهةٍ اصطَحَبتَني بها إلى (كفر جَنة) شمال (حلب) على الحدود التركية.. مع الغالية (سلوى) وعصفورتكما الحبيبة.. عندما استأذَنتَ زوجي، واصطحَبتَني معَكَ إلى (حَلَب).. لتعرضَني على الأطباء هناك.. لكن لم يكنْ لديكَ وَقتٌ لتأخذني بنفسِكَ إلى الأطباء.. فطلبتَ من سائقِكَ، ومن صديقكَ الطبيب.. أن يصطحِباني..
-أرجوك.. خذ أختي إلى كل الأطباء اللذين تعرف أنها تحتاجهم.. ولا تعيدها، إلاّ وقد شُخِّصَ مَرَضُها.. وعُرِفَ الدواء.. أرجوك.. لا تعيدُها إلاّ وقد تداوَتْ…!!
وضَحِكتما..
غادَرْتَ أنتَ إلى عَمَلِكَ ياغالي.. واصطحَبني الدكتور (ابراهيم) والغالي (عمران) إلى العديد من الأطباء.. تصوير إيكو.. وفحوص سَريريّة.. وغير ذلك.. دونَ أن يوجَدَ معي أيّ مَرَضٍ جَسَديّ.. وكانَ آخر مَن طلبوا استشارته (رئيس شعبة الهضمية في أحد المشافي).. وكان التشخيص….. لامَرَض عُضويّ.. أبداً.. إنما هناكَ (تشَنّجات شديدة في الكولون) ناتجَة عن معاناة نفسيّة، وحَساسيَة مُفرِطة……… وأخذتُ أبكي، بحُرْقَةٍ بالغة.. وأنا ما زلتُ على سَريرِ الفحص.. وعندما لاحَظَ صديقُكَ الطبيب النبيل، أنّ أحَدَ الأطباء أخذَ يلاطفُني أكثرَ من اللازم… سَحَبَني من أمامِه.. وناوَلَهُ أجرَه، شاكراً.. ونزلَ بي مع السائق إلى خارج المَشفى..وراحَ يُعطيني تعليماتِه:
– أختي.. كلّ ما تعانينَ منهُ ناتجٌ عن تَراكُم إزعاجات نفسيّة، وتَراكم مُعاناة.. أختي، أنتِ لا تحتاجينَ أيّ نوعٍ من الأدوية.. لو كانت واحدة غيرك، كان يجب أن نصِفَ لها مُهَدّئات.. لكنّكِ قويّة، وتمتلكينَ الإرادَة.. لن أعطيكِ مُهَدّئات.. طَوّلي بالك على هذه الدّنيا.. وامتنِعي عن تناوُل بَعض الأطعِمة……… وراحَ يعُدّ لي بعضَ أصنافِ الطعامِ الممنوعة… ونحن عائدون إلى بيتِكَ ياغالي… لم تكنْ قد عُدْتَ من عَمَلِكَ يا أخي.. كان (عمران) و (د. ابراهيم) يسنداني، عندما كنتُ أنزُلُ من السيارة، ويَضَعُ كلٌّ منهما يدَهُ تحتَ إبطي، ليساعِداني على صعودِ الأدراج، ونزولها.. أنا التي كنتُ قد فقدْتُ الكثير من وزني، ومن قوّتي..
وفورَ عَودَتِكَ مُجْهَداً، مُرهَقاً، ياغالي.. سألتني عن حالي، فأخبرتك.. لكنكَ لم تكتفِ بجوابي.. فاتصَلتَ بالدكتور (ابراهيم).. الذي شَرَحَ لكَ الحقيقة..
أكلتَ، ونمتَ قليلاً.. وقمتَ لاصطحابنا في اليوم التالي إلى (كفر جَنّة) وكنتُ قد طلبتُ منكَ أن تبحثَ لي عن فواكه تتقبّلُها مَعِدَتي، أكثرَ من غيرِها.. كان (الموز) الذي أحبّهُ، مَقطوعاً.. وكذلكَ (البرتقال) حتى عندنا هنا في (الشيخ بدر).. لم تتركْ وسيلةً إلاّ بَحَثتَ لي بها عن فواكهي المفضّلة المفقودة.. وعندما وَصَلنا إلى الحدود التركية.. نزلتَ من سيارتكَ – سيّارة الدولة – أمامَ بَرّاكَةٍ لحُرّاسِ الحدود.. نادَيتَهم.. وأوصَيتَهُم أن يُأمّنوا لكَ من (تركيا) (سَحّارة) برتقال.. و (سَحّارة) تفاح.. و مثلها (موز) إن وُجِد… ووعَدتَهم أن تمرّ عليهم لتأخذَ الفواكه، عندَ عَودتكَ من (كفر جنة).. وهذا ما حَصَل… كنتُ منكَمِشَة، وأنا داخل السيارة، عندما نزلتَ لتُحضِرَ الفواكه… آه.. كم كنتُ خائفة أن تكونَ (بلاش).. عندها لا يمكنُ أن ألمِسَها، أو أن يتذوّقَها لساني…. لكن……………….
آآآآآآآآآآآآآآآآآخ.. يا أخي…!! وما نفعُ الآخ.. بعد ذلك..!!
لم يقبل حارس الحدود، أن يأخذَ ثَمَنها.. صَرَختَ بوجهِهِ بقوّةٍ، أن يأتمر بأمركَ، ويأخذَ حَقّه… وهو يقول لك :
-لا والله ياسيدي.. لا والله ياسيدي..
فصَرَختَ بوجههِ أكثر.. ودَخَلْتَ البَرّاكَةَ خَلفَه، والدنيا ظلام، إلاّ من أضوية الكهرباء… و بالقوة والشتيمة، أعطيتَهُ حَقّهُ – على الأقَلّ – .. وأرَحْتَ قلبي…….
لا يمكن أن أنسى ابتسامتكَ الطفولية الساخرة مني.. عندما بدأتُ أتناوَلُ ما عَصَرَتهُ لي زوجتك من الفواكه، وأنا في المطبخ.. نادَيتُكَ، وأنتَ تشجّعني على شربِ العصير، كنتَ قدِ ابتَعَدْتَ خطواتٍ عن المطبخ :
-اسماعيل.. أخي….. سامحني….. ألله يخلّيك سامحني…
–على ماذا..؟!!
-لأنني ظلمتُك… لأنني ظنَنْتُكَ عكس ما رأيت…
أرجوكَ سامحني يا أخي…… وقبّلتُك…
ضَحِكْتَ في وجهي ساخراً، كما كنا في طفولتنا ياغالي…
تعني…. الأمرُ سخيف.. لايستحقّ الإعتذار..
بعدَ وفاتِكَ ياغالي، باعَ أبي قِطعاً من الأرض، وغيرَ ذلك، ليوفّي ما عليكَ من ديونٍ بلغَتْ أكثرَ من ثلاثمئة ألف ليرة..
أخبَرنا صديقُكَ الذي كنتَ قد اشتريتَ منهُ بيتكَ الذي تسكنُ فيهِ في أحد أحياء (حلَب) أنهُ حاوَلَ أن (يهديكَ) الشقّة.. فهوَ غنيٌّ، وأنتَ صَديقه.. لكنكَ رفضْتَ رَفضاً قاطِعاً.. وبعدَ إلحاحِهِ الشديد، قلتَ له :
-إن كنتَ تحبُّ أن تخدمَني، بِعْني البيت.. لكنْ.. بالتقسيط.. وأكون لكَ من الشاكرين..
وكان ذلك..
لكنكَ يا غالي لم تكنْ قد وَفّيتَ كل ذِمّتِكَ عند ارتقائكَ إلى رحابِ القوّةِ الخالقة..
حاوَلَ صديقُكَ بكلّ مالديهِ من جهدٍ، ليجعَلَ أهلي يقبلونَ بأن يُسامِحَهُم بما تبقّى عليكَ من أقساطِ البيت… دون جدوى.. شكروهُ من القلب، على نُبْله..
وأوفوا ذِمّتَكَ ياغالي..
بعدَ ولادَةِ زوجتكَ طفلَكما الغالي.. أعرَبْتَ عن سَعادَتِكَ البالغة بهِ.. كنتَ تظنّ أنكَ غير قادرٍ على أن تحبّ غير عصفورتِكما الغالية.. لكنكَ اكتشَفتَ كم تحبُّ هذا العصفورَ، أيضاً..
كنتُ موجودَةً عندكم، للإستشفاء، طبعاً.. وكانت (سلوى) ما تزالُ في الفراش..
أذكُرُ كيفَ دَخَلَ إلى بيتكم رَجُلانِ، أحَدُهُهما يلبسُ جَلاّبيّةً بيضاءَ، وعقالاً.. وكيف أدخَلتَهما الصالون.. لكننا استغرَبْنا، واستنكرْنا طلَبَهُ أن يرى الصغيرَ (الذّكَر) و (سلوى) ما تزالُ في الفراش، وبلباسِ المرأةِ الوَلود..!!
كانا قادِمَينِ ل (تهنِئَتِكَ ) بالصّبيّ…
أذكُرُ كم حاوَلَ الذي يلبسُ الجلابيّةَ والعِقالَ، ويضحَكُ بشكْلٍ مُرائي.. أن ( يُنَقِّطَ ) الصغيرَ ب (خمسَةَ عشرَ ألفَ ليرةٍ سوريّة)…!!! وكيفَ رَفَضْتَ، بشكْلٍ قاطِعٍ، (هَديّتَه).. لكنّهُ أصَرّ إصراراً أتعَبَكَ، وجَعَلَكَ تحارُ كيفَ تتصرّفُ دونَ أن تؤذي مَشاعِرَه….!!
رَفَضَ (الرّجُلُ) الخروجَ من البيتِ، دونَ أن يرى الصغيرَ.. وأن تقبلَ (الهديّةَ البسيطة)..!!
تأفّفْتَ بحُنقٍ بالغٍ أمامَنا.. ونحنُ في غرفةِ (سلوى)..
قلتُ لكَ – مُحاوِلَةً أن أخرِجَكَ من تلكَ الوَرطة – :
-خُذها، يا أخي.. وغداً اهدِهِ، في إحدى المُناسَباتِ عندَهُ، ما يفوقُ قيمَتَها.. !!
صحْتَ – مُستنكِراً – :
-ما فَشَر……..!!!!!!! هذا يُريدُ أن يطلبَ مني أن أغَطّي لهُ ( تهْريبَةً)….!!!!!!!!!!!!
-مَنْ هذا.. يا أخي..؟؟؟!!
-زعيمُ عَشيرَةٍ.. غنيٌّ جداً.. يُقيمُ في (السّعوديّة).. ويتنقّل بينها وبين سورية وبلدان عِدّة….!!!!!!!
تعبتُ، يا أمي.. سأستريحُ قليلاً، من نقلِ ماكتبتُهُ على الدفتر، وما أضَفتُهُ من ذاكرتي…
فإلى اللقاء يا أمي..
الإثنين/9/6/2014م
*******************************************
رسالة أبي – رحمه الله = إلى أخي اسماعيل – رحمه الله –

ولَدي الحبيب اسماعيل
أطبع على خديك قبلة أب مشتاق للقاء شبله الذي يحمل راية النصر والكرامة عالية خفاقة وبعد
ما كنت أحسب أنني افقد عاطفتي نحوك حتى ساعة كتابة رسالتي هذه
أقسم لك أنني ماذكرتكم إلاّ نادراً وبدون عاطفة اطلاقا وماكنت أدري ما السبب حتى تلقيت آخر رسالة منك وعندها عرفت ان هناك شعوري داخلي لا إرادي حميمي انكم رجال بكل مافي هذه الكلمة من معنى وهذا الذي حدا بي الى الثقة بكم وبحسن سيركم ونهجكم وحينما اشرقت شموس معرفتي بحقيقتكم لأن ليس للبخور رائحة أزكى إلا بعد احتراقه (اي اختباره) فجاشت في نفسي عاطفة جامحة هوجاء وحنين اعمى واشتياق اشد الى الرجال وما أحلاها من كلمة (الرجال) حماة الديار الذين (طمحوا الى استقلالهم بدمائهم لم يرهبوا التهويل والتهديدا) وذكرني هذا مناقشات قديمة كانت تنشر عن الأعداء انهم اقوياء وانهم مسلحين وانهم… وانهم… فقلت والحرقة تفجر قلبي وحنجرتي اليسو بشراً ايضاً قيل نعم ولكن.. قلت بالنسبة لكم واما بالنسبة لنا فهم مثلنا إلا اننا نحن اعرق منهم شجاعة ورجولة في تاريخ اجدادنا عبره فاين تاريخ اجدادهم.. واما نحن وهم فينطبق علينا قول القائل (ان دون المجد سلّم مرتقاه من سهام) (لا يُنال الشّهْدُ مالم إبَرٌ تؤذي العظام) وقولة
(وما المرء حيث كان إلا ابن سعيه فمَن كان اسعى كان بالمجد أجدرا) وقد قيل قديماً (المصائب محك الرجال)
إذن الجهاد الجهاد أيها الرجال وليس ارغد عيشاً من الخشونة لقول الرسول صلعم (اخشوشنوا ولا تتنعّموا فإن النعم لا تدوم) وأجلّ صفة يُتّصَفُ بها الرجولة الخشونة ولكن ليس في الأخلاق للرجال وعكسها اللطف والنعومة للنساء . كم اود لو كنت متعلماً لأشبعت قلمي وأرضيت ضميري معبراً عما يجوش في صدري . نحن الاسرة الوالدة والجدة والاخوة والاخوات والعم بل الأعمام وذويهم والعمات واسرهم والاصدقاء ومن حولهم بالخير العميم يشاركوني قبلات وجناتكم انت وبدر ومن يلوذ .
واخيراً الف تحية وقبلة : طرطوس في 19/1/74
والدك
صالح سليم

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك