أمي.. ألله يسعد أوقاتِك..
أنا الآن في بيتكم – بيتنا – بيت أهلي، في القرية.. أجلس على نفس الديفون الذي كنت أجلس عليه عندما بدأت بكتابة هذه الرواية.. الساعة الآن الثالثة والنصف ودقيقتين، من بعد ظهر الأربعاء، الخامس والعشرين من كانون الثاني (ديسمبر) عام 2013م.. عيد ميلاد السيد المسيح ابن مريم، عليهما السلام.. وعيد ميلاد حفيدكِ الأصغر..
منذ حوالي ساعة، أتيتُ إلى هنا، من بيتنا في (الضهر) بعد أن كنت قد طلعت من (الشيخ بدر) مع صديقتي بسيارتها، كأغلب الأيام.. وجدت زوجي يطلي بالإسمنت جوانب النافذة المفتوحة منذ أشهر، مكان الباب القديم للغرفة الوسطى (غرفة بيت عمي) والتي أنام فيها منذ أشهر.. وبها مدفأة مازوت، وديفون، ومكتبة، وطاولة، وطابعة، وكومة من الدفاتر القديمة، التي كنت قد دوّنت على صفحاتها الكثير من اليوميات، والإنطباعات، وما يعجبني من أقوال، والكثير من الفقرات التي أعجبتني من الروايات، أو المجموعات الشعرية، أو أي من الكتبِ، والمجلاّت التي قرأتها.. أو غيرها الكثير..
وبعد أن أنهى عمله.. كنست الإسمنت من الغرفة، ومن الشرفةِ الزجاجية التي يجلس هو وضيوفه فيها، غالباً، على الديفون الحديدي المتين، الذي أحضره قبل زواجنا بعدة أيام من (حمص) مع باقي الأغراض.. وكنست السجادة حول مدفأة الحطب في الصالون.. ثم نزلت إلى (السفل) تحت الشرفة، وأحضرتُ الكثير من الحطب الناعم، والخشن، أغلبه من شجر (الكينا) المقطّع.. ملأت مدفأة الحطب، ولم أشعلها.. وجمعت الحطبات كومةً قرب مدفأة الحطب الأخرى القديمة الملاصقة للحائط الشرقي، على امتداد المجلى في المطبخ..
كان يحضر طعامه (سمك بالفرن).. انقطعت الكهرباء.. شعرت أنني سأملّ إن بقيت في البيت.. وشعرت بضيق الخلق، وربما بالحاجة إلى البكاء، أو، الإعتراض على أمور كثيرة عصيّة على الحل.. فتركت اللابتوب في الصالون على طاولة بلاستيك جانبية، وحملت عدة أكياس نايلون أسود فارغة مستعملة، لأعطيها لبيت أخي، كي يعيدوا استعمالها في بيع الخضار والفواكه ومواد التنظيف، لأن الغلاء فاحشٌ في هذه السنوات القاهرة.. و وَضَعْتُ ثلاث دفاتر، أحَدَها هذا الدفتر الزهريّ الذي أكتب على صفحاتهِ الآن، في أحدِ الأكياس، مع جهازيَ الخلَويّ، وبعض الأدوية.. سخّنتُ بقايا (الرّز بشعيريّة) الذي كنت قد طبختُ منهُ كأساً كبيرةً، منذ أوّل أمس، هنا.. وتغدّيتُ ما بقيَ في المِقلاة (التقلاية) الستنلس، المخلوع ذيلُها.. والآن، أشرَبُ كأساً كبيرةً من الشاي الأسود (النيغرو) كما يسَمّيه المَغارِبة.. مازلتُ ألبسُ (الكَبّوت) الأسوَد، المُصَوفَن من الداخل، المَرِن (ليكرا) الذي أهدتني إياهُ الغالية أختي، العام الماضي، من (البالي) بستّمئة ليرة سورية.. الآن، حتى (البالي) صارَتْ أسعارُهُ نار..
لا أشعِلُ مدفأةَ الحطبِ التي أمامي.. ولا أشعُرُ بالبَرْدِ، إلاّ بشكلٍ بَسيط.. استَمَعْتُ – وأنا آكل الرَز – من جهازيَ الخَلَويّ، إلى تسجيلِ اللقاءِ الإذاعيِّ الذي أجْرَتْهُ معي الإعلامية (صباح ابراهيم) منذُ مُدّة.. وهوَ أوّلُ لقاءٍ لي على الهواء مباشَرَةً..
أمي..
منذ ثلاثةِ أيام، توفّيَتْ بنت (ديبة) عمّة أبي، بنت عَمّتك (آمنة ياسين سلامي) (أمّ بَدْريّة).. أخبَرَني زوجي عن صِلَةِ القرابة بينكما.. واليوم (أسبوعُها) في (المَبَرّة) و بالأمس، توفّيَتْ (أم أحمد ليلى) يُقالُ أنها أخت (أم فاطمة) العِصاميّة، الرائعة..
(بُنيان) الإبن الأصغر ل (بَدْر كامل وَنّوس).. أسَرَتْهُ (جَبهة النّصرة) أو، مجموعة إرهابية جديدة أخرى.. قيلَ لي أنهُ كانَ (طالب ضابط) في الكُلّيّة الحَربيّة.. وأرسَلوهم للمَعارِك الدائرة في مُختَلَف أنحاء الوطن الغالي، منذُ الخامِس عشر من شهر آذار عام 2011م…. هو ورفاقه في مشفى الكِنديّ، في (حَلَب) تكلّمَ معَهُ أهلُهُ، فرَدّ عليهمُ الإرهابيّون..
حَضَرَ إخوتي، والكثير من شباب القرية، والمَعارف، ليَدْعَموا أهلَهُ مَعنوياً، على الأقَلّ.. ويواسونهم.. إلى أن يقضيَ اللهُ أمراً كانَ مَفعولا..
بالأمس، كنتُ في بيت أخي.. جاءَتِ الغالية أختي، مع زوجها وابنتها وحفيدنا الغالي.. تغدّينا معاً في بيت أخي.. كانت زوجةُ أخي، عاملة (كَبسِة) و (فَتّوش) و (كشك) وغير ذلك..
لعِبْتُ معَ الصغير الغالي.. ما أجمَلهُ، وما أعذبَ ابتسامتَه..!! شبيهٌ بأمهُ، يا أمّي.. ألا تذكرين..؟! حَمَلتهُ جدّتُه، أختي، وقرّبتهُ من وجهِك، لتَرينهُ، وأنتِ مُستلقيةً على فراشِ المَرَضِ، في أوّلِ، وثاني مرّةٍ يُحْضِرونهُ إلى القريةِ، بعدَ وِلادَتِه.. وقالتْ لكِ: (أمي.. هذا إبن بنتي..)..
المُهِمّ، يا أمّي.. حَكى لنا أخي، أنّ (بَدْر) الضابط المُتقاعِد.. صَديق الغالي أخي (اسماعيل) و رفيق طفولتِه.. نزَلَتْ دُموعُهُ، وهوَ يتبادَلُ الحَديثَ معَ الشباب الذينَ جاؤوا لمُواساتِهِ، عندما سَمعوا باختطافِ ابنِه.. وقال :
– لا تؤاخِذوني يا شَباب.. أنا أبّ.. ومَهما يكن.. لا بُدّ أن تطغى العاطفة.. فقالوا له :
– بالعكس.. خُذ راحتَك.. البُكاءُ في مثل هذهِ الحالات، لا يتعارَضُ معَ الرّجولة..
الساعة، الآن، الرابعة وخمس دقائق..
إلى اللقاء يا أمي…………..
هنا…. تجاوَزتُ عدّةَ صَفحاتِ تحكي عن قرية (مْعان) وما حَصَل فيها من مجازر………… على لسان أهلها، مباشَرةً…….
آخ يا أمي…. أحداثٌ لا تُصَدّق…
***********************************
الكهرباءُ مقطوعةٌ من الساعةِ الثامنة والثلث صباحاً.. والآن، يا أمي، الساعة الثانية عشرة إلاَ ربعاً، وما تزالُ مقطوعة.. ربما تأتي في الواحدة.. ألله أعلَم..
قلتُ لأحَدِ الموجودين:
-دَخيلَكْ.. حتى لو لم تأتِ.. المهمّ أن يفرجها الله على هذا البلد..
المرأة.. خالة زوج المريضة التي في المخاض.. قلت لها عدة مرات (ألله يخلصك بخير ياخالتو).. قالت أن زوجة ابنها تزوجت بعد استشهاد زوجها، وظل أبناهما برقبتها، هما وابنة وزوجة ابنها الشهيد الثاني.. وهم مُهَجّرون، ويستأجرون مساكنَ في قرية (الرّقمِة).. يعيشون على مُساعَدات الناس الطيّبين.. لا يجرؤون أن يذهبوا إلى مشفى (المَعَرّة) كي يُحْضِروا الأوراق التي تثبتُ استشهادَ الشابَّين، ورفيقهما.. وسَرِقَة هُويّاتهم، وأجهزَتَهمُ الخلَويّة، والنقود التي كانت معهم.. وكلّ أوراقهم.. والجهات المُختصّة، لا تستطيع أن تعاملهم مُعامَلة أهالي الشهداء، إن لم يُثبِتوا ذلك..
جاءتِ الكهرباء الساعة الثانيةَ عشرة والرّبع، ظهراً..
*******************************************
أمي..
اليوم أنا سعيدة، لأنكِ لستِ معي.. لستِ هنا.. لستِ في هذهِ الدنيا..
أمي..
لا أقدر أن أحصي لكِ عدد الأمور القاهرة التي دعتني إلى هذا الشعور الغريب..
أمي..
يعرضُ التلفزيون، كما تنشُر شبكات التواصل الإجتماعي، فيديو لأحَدَ عَشَرَ شاباً من ضبّاط الجيش العربي السوريّ، وفي مقدّمَتِهِم (بُنيان) يُنَكّلُ بهِمْ، ويُعدَمون بالرّصاص، على أيدي الجماعات الإرهابيّة المُسَلّحة في (مَشفى الكِندي) في (حَلَب).. بعدَ حِصارٍ طويل.. وتجويعٍ، وتعطيشٍ، وتعذيبٍ، وتنكيل.. لدَرَجَةِ أنهم كانوا يأكلونَ المَراهِمَ الطبّية.. و وَرَقَ الشجَر.. وغيرَها.. يُعْدَمونَ بطريقةٍ وَحشيّةٍ، أمامَ أعيُنِ ذَويهم.. وأمامَ العالَمِ أجْمَع..
مساء الأحد/5/1/2014م
وهاهيَ صورَةٌ أخرى على نفسِ الصّفحَةِ، لشبابٍ مَعصوبيّ الأعيُنِ، مربوطيّ الأيدي من خلف ظهورهم.. شَبابٌ صِغارٌ، يا أمي.. ويبدو أنّ أحَدَهم طَلَبَ الماءَ من جَلاّديهِ، وقاتِليه.. فيبدو ذلكَ القاتِلُ في الصورةِ، يرتدي ثياباً عَسكَريّةً خاصّةً بالإرهابيّين (داعش) و (جبهة النصرة) و (لواء الإسلام) و (الجيش الحُرّ) وغيرها.. يمدُّ يَدَهُ القذرة بقَدَحٍ بلاستيكيٍّ من الماء، يقرّبُهُ من شَفَتَيّ الشابِّ الظامئ، المَعصوب العَينين، المربوط اليدين من الخلف، والجالس مع رفاقهِ على الأرض.. يمُدُّ لهُ الماءَ، فيندفعُ ذلك الظامئُ ليَبلّ ريقَه.. فيُبعِدُهُ الجَلاّد.. يمدّ شَفتيهِ مرّةً أخرى، وأخرى، وأخرى.. لكنّ القَدَحَ يبتعِدُ تحت قهقهاتِ، وشَتمِ الجَلاّد القذِر.. دون أن تَمَسَّ قطرةٌ منهُ شفَةَ الشاب..
تعذيبٌ من قتَلَة، فَجَرَة.. يعذّبون، ويقتلونَ (باسمِ الله).. ويظلمون، ويسحقونَ، ويَسحَلون، ويحرقونَ الناسَ أحياءً.. يشوونهم بالفرن.. يخطفون، ويغتصِبونَ، ويهدمون، ويفجرون.. كلّهُ (باسمِ الله)…!!
أيُّ إلهٍ يعبدونَ، يا أمي..؟؟!!
أيُّ إلهٍ دَمَويٍّ قاتِلٍ، فاجِرٍ، ظالِمٍ، يعبدون.. ويقدّمونَ لهُ القرابينَ ليَرضى، ويمنحَهم ستّينَ حوريّةً لكلِّ (شهيدٍ) منهم..؟؟!!
*******************************************
الساعَةُ الآنَ تقارِبُ الواحِدَةَ والرّبعِ، من بعدِ ظهرِ يوم الجمعة العاشر منَ الشهرِ الأوّلِ، من عام 2014م
أجلسُ الآنَ على الطّرّاحَةِ الإسفنجيّةِ، الطويلةِ، السميكة.. التي يغلّفها غطاءٌ مخمليٌّ بُنّيُ اللون.. قربَ مدفأةِ المازوتِ الصغيرةِ التي كُسِرَتْ زجاجَةُ بابِها منذُ ثلاثة أيام، ولم أحضِرْ بَديلاً مَعدنيّاً عنها، حتى الآن..
أقرأُ الآنَ خَبَرَينِ تلقّيتُهُما على جِهازيَ الخَلَويّ، من شَبَكَة (توب نيوز) الإخبارية.. أحَدُها يقول (وَحْدَة من الجيش العربيّ السوريّ تقضي على تجَمُّعٍ للإرهابيّينَ في “سَلمى” وتضبطُ مُستَودَعاً لصَواريخ (ستينغر) و (م. ط ) وعُرِفَ منَ الإرهابيّينَ القَتلى، السعوديّ (فضل التركاوي” والمصريّ (خالد الرّشواني) والليبيّ (أبو صَفوان الزيدي)
الخبَرُ الثاني يقول (الجيش العربي السوري يستهدفُ تجَمُّعاتٍ، وأوكاراً للإرهابيّينَ، في “الشيخ ياسين” و “الحويقة” وعندَ المُجَمّعِ الحُكوميِّ، في (دير الزور).. ويقضي على العشَراتِ منهم.. من بينهم (محمد العزاوي).. والآن، وَرَدَني الخبَرُ التالي، من نفس المَصدَر (الجيش العربي السوري يستهدفُ رَتلاً للعِصاباتِ الإرهابيّةِ في جبل الأكراد، مما أسفر عن تدمير إحدى عشر سيارة، آلية محملة برشاشات (دوشكا).. عُرف منَ الإرهابيين القتلى (أبو محجم العراقي) و (أبو النور السعودي) و (أبو معروف السعودي) و (صبيح الخلف) والقَطَريّ (أحمد خلفان السيد)..
ثم (استقالة رئيس الوزراء التونسي “علي العريضي” ) و (قوات الجيش العربي السوري تستهدف أوكار إرهابيي “جبهة النصرة” في بلدة “المزيريب” بريف “درعا” وتقضي على أعداد منهم، وتدمر معملاً للعبوات الناسفة.. ومن بين القتلى (ياسين الجوابرة) و (محمد، ومحمود الصبيحي) و (أحمد أبو عريمش) و(أحمد التلاّوي) ثم (الخارجية الروسية: موسكو ستعقد مع الأطراف السورية عدداً من اللقاءات على مستوى عالٍ، قبل المؤتمر الدولي جنيف 2) ثم (وزارة الصحة تستهجن في بيان، ما وصلت إليه الحكومة الفرنسية من تحريفٍ للحقائق، وتغوّلها في خرق القانون الدوليّ، ومخالفة مبادئ الثورة الفرنسية التي أدانتِ الكذبَ والعنفَ والجريمة.. وأكدت أن ما روّجَته الحكومةُ الفرنسيةُ عن حَمْلةِ شلل الأطفال، كذبٌ وعارٍ من الصحة) ثم (وزارة الصحة: الحكومةُ الفرنسية، ولأهداف دعائية، تقوم ، وبتسهيلات من الجانب التركي، بإدخال لقاحاتِ الأطفالِ إلى سورية بشكلٍ غيرِ شَرعيّ، ومُخالِف للقانون الدوليّ، وأدخَلَتْ لقاحاتٍ ثلاثيّة التكافؤ، وهي غير اللقاحات التي أوصَتْ بها منظّمَةُ الصحةِ العالمية.. الأمر الذي يؤثّر على صحّة الأطفال)
وأخبار أخرى…………..
بالأمس، يا أمي.. لم أنزل إلى (الشيخ بدر) بقيت في البيت، لأنني كنتُ مُصابةً بالزكام، بقيتُ في الفراش حتى الظهر، تقريباً، لأستريحَ، وليبقى جسمي دافئاً، دونَ أن أشعِلَ المدفأة.. مازوت، عندنا يا أمي.. لكنّ الحَطَبَ قليل.. وهو، في الغالب، من شجرِ (الكينا) أمام منزلنا هنا.. يذوبُ بسرعةٍ في مدفأةِ الحَطب في الصالون.. استهلكنا، تقريباً، نصفَ الكميّةِ التي كان قد قطعها بواسطةِ المنشار، رجلٌ يعملُ بالإجرة، وأدخلَها زوجي إلى (القَبو) تحت الشرفةِ من الشرق..
اتصَلتُ أمس بصديقتي.. رَدّتْ المُمَرّضة.. قالت أنها في المشفى.. طلبتُ زميلتَها، وقلتُ لها أنني أريد منها خِدْمةً، وهي أن تشتري لي قطعةً معدنيةً دائريةً بحجمِ بلّورة المدفأة المكسورة، لأضعها مكان البلورة المكسورة.. وأن تدفع ثمنها (75) ليرة سورية.. وأن تضعَها مع (مجلات أسامة) الأربع، التي أخبرني صاحب المكتبة أنه أحضرها لي.. فطلبتُ منهُ أن يضعَها عند صديقتي، ويأخذ منها ثمنَها (مئة وعشر ليرات)..
بالأمس، يا أمي.. استغلّيت وجودي في المنزل، وأنهيت كتابة قصتي (بارعة) على اللابتوب، وأرسلتها إلى رئيس تحرير مجلة (الموقف الأدبي) عن طريق الإيميل.. لأول مرةٍ أرسلُ مادّةً للنشرِ في هذه المجلةِ الصادرةِ عن (اتحاد الكتاب العرب) في (دمشق).. وكنت قد أحضرت رقم رئيس التحرير، من الأستاذ (رياض ) عبر المحادثة على الفيسبوك.. واتصلت معه، لأستشيره إن كان بالإمكان نشر موضوع بحثٍ كتبهُ زوجي، حولَ كتاب (تاريخ صافيتا في العهد العثماني) للمرحوم الضابط المتقاعد الباحث (منير نزيه صقر) من (راس الخشوفة) لأن الموضوعَ طويل، ولا تتسع له (الأسبوع الأدبي) التي أنشر بها بين فترة وأخرى، منذ آذار 2001م حيث أرسلت قصيدتي (شرقية أنا) عن طريق الفاكس.. واتصلت برئيس التحرير الشاعر (عبد القادر الحصني) فقال لي :
– سأنشرها.. طبعاً، بعدَ أن أتاهُ الفاكس، واطّلع عليها، وأعجبَتهُ القصيدة.. قلت له حينها :
– أنا مستعجلة على النشر، لأنني كبيرةٌ بالعمر.. أنا من مواليد 1953م.. فقال :
– (والله نفس مواليدي)..
أينَ صِرنا، يا أمي..؟! ههههههه..!!
على طريقة ضحكات الفيسبوك، أو الخلوي..
أنا – دائماً – أسترسل بالحديث..
انتقدَني، بذلك – مرةً – الأستاذ (خالد )، أمام زوجي في بيت أخي (محمد).. فقلتُ له:
– إي.. أنا لا أدّعي الكمال.. لا أحد إلاّ يوجد في شخصيتهِ عيب.. (لا تنقصُني انتِقادات..!!)..
فأجابني، برَويّة:
– هذا يصلح لكتابة الروايات..!!
شكراً يا أستاذ..
لنعُدْ إلى صباح هذا اليوم.. هل لديكِ مانعٌ، يا أمي..؟!
بالتأكيد، لا…. هههه..!!
استيقظت هذا الصباح، على هاتف الدكتورة، تطمئنّ عليّ، وتخبرني أنها كانت في طرطوس..
نشرتُ الغسيلَ الملوّن، قبل أن أنزلَ إلى القرية.. كنتُ أشعرُ بارتجافِ جسمي.. أخذت حبة مرخّي عضلي.. وسألتُ زوجي الذي كان قد أنهى وجبة الحفرِ في الأرضِ فوق (الخربة) التي تحوي ثلاث شجرات ليمون حامض، ذوات إنتاج غزير، وشبه دائم.. قال لعمتي (آمنة) التي طلبتْ أن تتكلم معه بعد أن أن أنهيتُ أنا كلامي معها على الهاتف.. أنه ممكن أن يزرعَ فيها بطاطا..
نزلتُ إلى القرية، سَيراً على الأقدام.. قال زوجي أنهُ سيَصطحبني بالسيارة، لأنني أخبَرْتُهُ أنني لستُ على مايُرام، لكنني رَفَضتُ ذلك، وقلتُ له :
– أنا أريدُ أن أمشي.. وإن تعِبْتُ، أجلس..
كانَ بابُ بيتكم – بيتنا – بيت أهلي، مَفتوحاً.. كم سَرّني ذلكَ، يا أمي..!! أكوامُ الحَطَبِ المُقَطّعِ على الشرفةِ من جهةِ الغرب.. هنا – كنا – وآه.. من كلمة “كُنّا” ..!! هنا كنا نجلسُ، ياغالية.. وتحتَ الدّرَجِ في المَدخَل، هناكَ الكثيرُ من “قرامي” الحَطَب.. قالوا لي، أنّ ابنَ أخي اشتراها من زميلهِ من قرية (الطْراق) بتسعَةَ عشرَ ألف ليرة..!! وكانَ أخي قد أحضَرَ، أيضاً، بعضَ الحَطَب، قبلَ ذلك..
في البيت، كانَ صديقُ ابن أخي.. لم أسَلّم عليهِ باليَدّ، لأنني كنتُ أخافُ أن أعديهِ بالزّكام.. سألتُهُ عن ابن أخي، قال أنّهُ يُحْضِر…..!! نسيتُ ماذا..!! وأنّ أخي قال أنهُ سيأتي.. لكنه لم يحضر، بَعْدُ.. فتَحْتُ الستائر (البَرادي)، وساعَدَني على فتحِ نافذةِ المَطبخ.. كانتْ مُغلَقةً، على غيرِ العادَة، كي لايزيدهم فتحُها من الإحساسِ بالبَرد.. قالَ أنّهما استيقظا للتّوّ..
نشَرْتُ وَجْبَةَ الغسيلِ على الحَبْلِ المَعدنيّ الأبيض، في الغرفة الغربية، خوفاً من المَطَر، إن نشَرْتُها في الخارِج.. فتحتُ نافذةَ غرفتِكِ، غرفتِنا الغربيّةِ، قليلاً، كي يتشكّلَ تَيّارٌ هوائيٌّ، يَعبُرُ غُرَفَ البيتِ، والمَمشى، ليخرجَ من نافذهِ المَطبَخِ، أو، العكس، ليتجَدّدَ الهواء.. وَضَعْتُ (مِتراً) بلاستيكيّاً جَيّدَ الصُّنعِ، كان عندي في البيت هنا، وَضَعْتُهُ في دِرجِ الماكينة (الجوكي) في (الدّرْبيّة) أو (المَمْشى) التي كنتُ قد أهدَيتُها لابنةِ أخي الغالية، عَقِبَ وفاتِكِ، يا أمي.. كَنَسْتُ السّجّادَةَ القديمةَ المَفروشَةَ تحتَ مدفأةِ الحَطَبِ المُستطيلة، في غرفتِكِ، غرفة أبي.. الشّرقيّة.. والشابّ يروحُ، ويجيءُ في البيتِ، بانتظارِ ابن أخي.. كانتْ (بارودَةُ الصّيدِ) التي يستخدِمُها الغالي، إبن الأغلى.. موضوعَةً على فِراشِهِ، في الغرفة الغربية.. وكانتْ في المَطبخِ، جُثّةُ طائرٍ كبيرةٍ، مُصطادَةٍ حَديثاً، موضوعَةً في صَحنٍ، على المَجلى..
منذُ مُدّة، قلتُ له :
– متل أبيكَ، يا عمتو.. تحبّ الصّيد…… أجابَني :
– وبواسِطَةِ بارودَتِهِ، أيضاً..
وَدّعْتُ الشابَّ، وخَرَجْتُ، مُتّجِهَةً إلى بيت أخي المُجاوِر.. نادَيْتُ منَ الخارِج :
– هل مِنْ أحَد..؟!
قالَتْ زوجته :
– تَفَضّلي..
دَخَلْتُ.. ولم أسَلّمْ على أحَد.. ولم أجلس.. لأنني مُصابة بالزكام.. وأخي الغالي، يعاني، أحياناً، منَ (التّحَسُّسِ الرّبويّ).. كان جالساً مع صهري.. أعطاني زوج أختي، راتِبَ عمّي (عَلي) (أبو مَعْن) لأعطيهِ لزوجي..
كنتُ قدِ اتصَلتُ بأختي على الخَلَوي، قبلَ أن أنزل، فأغلَقَتِ الجِهازَ، واتصَلَتْ هيَ بي، كي لا أخسَرَ ثمَنَ مُكالَمة.. سألتُها إن كانوا سيحضرونَ إلى القريةِ اليوم، قالتْ:
-نعم..
قلت :
-سأنزل، وأصطحِبُ معي بعضَ بصلاتٍ من جذورِ النرجِس (الرّنجُس) للغالي (فادي) ليزرَعَها في أرضِهِم قُرْبَ النّهْر، حولَ الغرفةِ الزراعيةِ الصغيرةِ التي بنوها من حجَرِ (الخفّان) دونَ أن يطلوها بالإسمنت.. لكنني نسيتُها، يا أمي.. المُهِمّ، أنّ أختي لم تكنْ قد حَضَرَتْ.. كانت زوجةُ أخي تخبز على الصاج (مْقَرّنات) لأختيَ الثانية.. طبعاً، بالإجرة.. كنتُ قد فَعَلتُ، مثلما كُنتِ تعلّمينا في طفولتِنا، ياغالية.. وثَبّتْتُ في ذهني هَدَفي من النزولِ إلى القرية، ثلاثة أهداف.. أن أعطي (حسَن) مِئتَين وخَمسينَ ليرة، إجرةَ اصطِحابي بسيّارتِهِ التاكسي، منذ عدّةِ أيام، إلى (بْرَيصين) ومنها إلى (الشيخ بدْر).. لم يأخذ، حينها، أجرَه.. قالَ أنهُ ليسَ مَعَهُ (فْراطَة) خمسمئة ليرة.. كانَ زوجي قد أعطاني، يومَها، خَمْسَةَ عَشَرَ ألف ليرة سورية، تكمِلَةً للراتبِ الذي يعطيني إياهُ شَهريّاً، يكفي لمُدّةِ الستّةِ أشهر القادمة، الأولى من هذا العام.. وكانَ قد أعطاني منها – سَلَفاً – خمسةَ عشرَ ألفاً، عندما اشتَريتُ (اللابتوب).. عندما هَبَطَ سعرُ الدولار الأمريكيّ إلى (148) ليرة سورية تقريباً.. أخبَرْتُ أخي، يومَها أنني أنوي شراءَ (لابتوب) لأنّ (الكمبيوتر) صارَ عاطِلاً تماماً.. وأنّ كلّ ما دَفعتُهُ لإصلاحِهِ، راحَ سُدى.. فقالَ لي :
– مازالَ لكِ معي من ثمَنِ الأرضِ، نقوداً.. كم تحتاجين..؟!
قلتُ له :
– خمسةً وعشرينَ ألفاً..
فأعطاني إياها..
ومن ثَمَن (حَلقاتِك) يا أمي، التي اشترَتها مني حفيدتُكِ الغالية.. كانَ سِعرُ غرامِ الذّهَبِ، حينها، (خمسةَ آلافٍ وأربع مئة) ليرة سورية..
تعِبَتْ يَدي، يا أمي.. سأستريحُ قليلاً.. هل تسمَحين..؟! أنتِ التي كنتِ توصينني، دائماً، ألاّ أُرهِقَ نفسي بأيِّ عَمَل………………
قُبُلاتي.. ياغالية…… نلتقي لاحِقاً، إن شاءَ الله..
*******************************************
الساعَةُ الآن، السادسة وعَشر دقائق، مساءً.. للتّوِّ، خَرَجْتُ منَ الحَمّام، يا أمي.. كنتُ قد وَصَلتُ السلْكَ الكهربائيَّ بالسّخّان، ونادِراً جداً، ما أفعَلُ ذلك.. لكنّ التيّارَ الكهربائيّ انقطَعَ قبلَ أن تتجاوَزَ الحرارةُ الخمسَ والعشرينَ دَرَجَة.. ترَكتُ السّلكَ موصولاً.. وحينَ عادَ التيّارُ، و وَصَلَتْ حَرارَةُ الماءِ إلى ما يقربُ الثلاثين، عادَ، وانقطَعَ التيَارُ الكهربائيّ.. فتركْتُ الدكتور، إبن سلفي، عندَ عَمّهِ في الصالون، ودَخَلتُ الحَمّام، قلتُ :
– حتى لو كانتِ المياهُ فاترة، سأستحِمّ..
كانت حرارةُ الماءِ مَقبولَةً.. أخذتُ معي (الكَهرباية) المَشحونة بالكَهرباء، و وَضَعْتُها على الكرسيّ الخيزران في الحَمّام، الذي كان زوجي قد اعترَضَ على إدخالِهِ إلى الحَمّام، لكنني قلتُ له :
– يَصعبُ عَليَّ الإستحمامُ بوضعيّةِ القرفصاء.. تؤلمني ساقَيّ مِنَ الخَلف.. تتخَدّر.. وظهري أيضاً.. ويصعبُ عَلَيَّ النهوضُ، إلاّ إذا تَمَسّكتُ بشيءٍ ثابت (الخَلاّط) مثلاً.. منذ سنواتٍ، قد تكونُ هذهِ الآلامُ بدأتْ معي منذُ كانَ عمري ثمانيةً وعشرينَ عاماً، عندما عُدنا منَ (المَغرِب) صيف عام 1980م.. كانَ بيتُنا عبارةً عن غرفةِ نومٍ لي ولزوجي.. وغرفةٍ أخرى (هذه التي أجلسُ فيها الآن) لبيت عمي، وحمّام ضيّق، ومِرحاض خارِجيّ.. فقرّرنا إكمالَ البيت، وإضافةَ صالونٍ، ومطبخ، وغرفةَ نومٍ ثانية.. وتوسيع الحَمّام، وجعلِ المِرحاض داخليّاً.. امتدّتْ مرحلةُ الإصلاحِ، تلك، أكثر من عشرِ سنوات.. ولم تكتمِلْ، بعد.. تعبنا خلال تلكَ السنوات بشكلٍ كبير..
كم كانتْ حَماتي دافئةً، يا أمي..!!
أمي.. أظنُّ أنّكِ ستُقاطِعينني الآن، على غيرِ عادَتِكِ، ياغالية، وتسألينني ماذا عَملتُ نهارَ اليوم..سأخبرُكِ ياأمي..(( هنا، يا أمي.. حُذِفَتْ فقَرةٌ مما كتَبتُ على هذا الجهاز.. نتيجةً برنامجِ التنسيق.. ليستْ مُهِمّة.. لذلكَ، سأكمِل، دون أن أعودَ إلى كتابَتِها.. خوفاً من أن يحدُثَ لفقرةٍ غيرِها، ماحَدَثَ لها..!!))
………….كنتُ أرفعُ قَبّةَ جاكيتِ الصوفِ ذاتِ اللونِ القرميديّ، الذي أحبّه، والتي حِكتُها منذُ سَنوات، بِجَدلاتٍ مُتداخِلة، مُتطاولة جميلة جداً.. بينها بعض (حَبّات الحمّص) تزيدُها جَمالاً.. طويلة، تصلُ إلى مُنتَصَفِ فَخذَيّ.. (ألا تذكرينَ أنكِ علّمتِني، بصبرٍ بالغٍ، شغلَ الصوف..؟! كان ذلكَ، عندما كنتُ في الصفِّ الرابعِ الإبتدائيّ.. كانتِ الكنزةُ الأولى التي أشرفتِ على حياكتي لها، من خيوطِ الصوفِ البُنّيةِ اللون.. حِكتُها، بإشرافِكِ، يا أمي، لأخي اسماعيل.. كنتِ تتركينَ عمَلكِ، وتأتينَ إليّ، لتُصَحِّحي لي خطأً في الشغل، حينَ أستنجِدُ بكِ، عندما تفلتُ إحدى القُطَبِ، ولا أعرفُ كيفَ أعيدُها إلى مكانِها.. أو عندما أخطئُ في الشغل.. حتى اكتملتِ الكنزة.. )
كنتُ أرفعُ القَبّةَ كُلّما هَبّتْ نَسمَةٌ قويّةٌ بارِدَة جداً، على نَقرَتي المُتعَرِّقَة بغزارَة..
بجَهدٍ، وَصَلْتُ البيت.. كان زوجي قد عادَ ليَحفرَ في الأرض.. المفتاحُ منَ الخارج.. دخَلْتُ.. نادَيتُهُ، لكنّهُ كان في الخارج.. عرفتُ ذلكَ من صَوتِ الفأسِ التي تحفرُ فوق البيتِ من الشّمال، عندما دَخَلتُ التواليت.. ثمّ المَطبخ.. وعندما فَتَحَ الباب، قُلتُ لهُ، بهدوء:
– أنا هنا..
كي لا (يَقفُط) حينَ يتفاجأ بوُجودي..
قال:
– لماذا أتَيْتِ، فوراً..؟!
قُلت:
– أختي لم تحضر.. و..و..
وأعطَيتُهُ راتبَ عَمّي.. جَلَيتُ الأواني، بعدَ أن استَرَحْتُ قليلاً.. وأوْقَدْتُ مِدفأةَ المازوت هذه.. وجَلَيتُ الغاز، و (عَدّيْتُ) الغسيلاتِ عنِ الحَبل.. نشَرْتُها على الديفون، هنا، يا أمي.. كي تجفَّ من حَرارَةِ الغُرفة.. وطَوَيتُ الغسيلَ الأبيضَ الجافّ، و وَضَعْتُ ثيابي، وثياب زوجي، والمناشف، في مكانها في الخزانة.. (زوجي يناديني الآن : أنا ذاهبٌ إلى بيت أخي) أجَبْتُهُ: (إي، ألله مَعَك……) يبدو أنّ ابنَ أخيه قَد ذَهَبَ، بعدَ أن شَرِبَ الشاي.. كنتُ قد وَضَعْتُ المزيدَ من الحَطَبِ الناعِمِ في مِدفأةِ الحَطَب، عندما دَخَلَ الدكتور.. كانَ عَمُّهُ على السّطح، يُغْلِقُ شيئاً ما (سِكْر) لينزلَ الماءُ الساخِنُ من الصنبور (الحَنَفيّة) عندما أفتَحُ السّخّانَ الكهربائيّ.. ما زلتُ لا أعرفُ ماذا أغلقُ، وماذا أفتَحُ على السّطحِ، من تداخُلِ التمديدات، وقساطِل المياه.. وكان زوجي قد رَكّبَ السّخّان الشّمسيّ الحالي بواسطة المهندس إبن عمتي، دونَ أن أعرف..
***************************************************************
السادسة والنصف صباح السبت الحادي عشر من كانون الثاني (يناير) 2014م
كم يفوتنا، عندما يأخذنا النوم، أو التجاهل، ولا نستيقظ باكراً، كما كان يفعلُ أسلافُنا..!!
استيقظتُ في حوالي الخامسة من هذا الصباح، أيّ، قبلَ ساعةٍ ونصف.. خرجتُ إلى الحمام.. أطفأتُ لمبةَ المطبخ، و وضعتُ اللمبةَ الحلزونيةَ الموفِّرةَ للطاقةِ، في (البريز) وعدتُ إلى الفراش.. يشغلني الكثير.. خصوصاً، الروايةُ هذه (إلى اللقاء يا أمي).. دوّنت على شاشةِ جهازيَ الخَلَويّ، رؤوسَ أقلامٍ، عليّ كتابتُها في هذه الرواية.. سمعتُ صوتَ فتحِ بابِ غرفةِ النومِ الغربيةِ ذاتِ السريرَين.. زوجي خرجَ إلى الحمّام، ثم عادَ إلى الغرفة.. لم آتِ بحِراكٍ، كي لا يشغلهُ استيقاظيَ المُبْكِر.. لم تعدْ بي حاجةٌ إلى النوم، لكنني أتجشّأ الكثيرَ من الغازاتِ، وأشعر ُبالبردِ، ويؤلمني بطني وأكتافي (وتاتيبي)..!! نهضتُ قبلَ دقائق، خرجتُ إلى الحمام، ثم عدتُ وبدّلتُ ثيابَ النومِ بثيابِ الخروج (بنطاليَ البنيّ، القطنيّ السميك “الجينز” الذي اشتريتُهُ مع آخرَ أسود (هو الآن في المصبَغة) عندما أعطتنا البلَديّةُ ثمنَ الأرضِ التي أعطانا إياها أبي الغالي.. ولبستُ الخُفّ “القَدَم” تحتَ الجراب الأسود الموشّى بالأبيض.. ولبستُ البلوزةَ الصوفيةَ ذاتَ اللونِ (البيج) التي حكتُها منذ حوالي سنتين، كنتُ – حينها – عندكِ، يا أمي، على ما أظنّ.. حكتُ أخرى صوفيّةً حمراءَ، عقبَ وفاةِ أبي.. إذ كنتُ لا أستطيعُ التركيزَ على شيء.. قراءة.. كتابة.. وغيرِ ذلك.. فأحضَرتُ صوفَ الكنزتين، وبدأتُ بالأولى الحمراءِ الجميلة، ربما أردتُ تحدّي الحزنِ على وفاةِ أبي الغالي، بالإشتغالِ باللونِ الأحمر.. لم ألبسْ أسودَ – أبداً – يا أمي، ولا أريدُ أن ألبس.. يكفي ظلامُ الحزنِ على مَن يرحَلُ قبلنا من الغوالي.. أريدُ أن أعيشَ ما كُتِبَ لي، بأقَلّ الخسائر، خصوصاً أنني لستُ من (الوَسَطيّين).. إن حزنتُ، أحزنُ بكلّ ذاتي.. وكذلكَ إن كرهت.. لكنني أكرَهُ أعمالاً.. لا أشخاصاً.. وكذلكَ، عندما أحبُّ.. أو أفرح..
المهمّ، يا أمي..
بعدَ أن لبستُ ثيابي، وبالمناسبة، مازلتُ أشعرُ بالبردِ يلسعُ ظهري، وأنا في الفراشِ، أتدثّرُ ببطّانيةٍ تحتَ اللحافِ، وأخرى فوقه.. سميكتينِ، ناعمتينِ مزهّرَتين، من صنع (الشركة السورية – السعودية) .. وأشعر بالغيظ، عند لفظ (السعودية) الضالعة حتى العظم، فيما يحدثُ من دماءٍ، ودَمارٍ في بلدنا الغالي.. سورية..
خرجتُ إلى الشّرفة التي تغطيها، أو تحجُبُها عنِ الخارجِ، واجِهَةٌ زجاجيةٌ، يحيطها معدنُ الألمنيوم..
يا للرّوعَةِ، يا أمي..!!
يا للسّحر..!!
أللـــــــــــه..!! ما أجملَ صباحاتك..!!
جبالك..!! وِديانك..!! بيوتك الوادِعة..!! قُراكِ الحَزينةِ الكادِحَة..!!
يا أللــــــــه… !! يا أللـــــه… ما أجمَلَ هذا الصباح..!! وبالتأكيد، كلّ الصباحات.. لكننا غالباً على غفلةٍ منَ الجمالِ الذي مَنحتْنا إياهُ الطبيعة.. والقوّةُ الخالقةُ لنا وللطبيعة..
أللـــــــه.. يا أمي..!!
سِحْرٌ.. وجمال.. قبلَ شروقِ الشمس.. لكِ أن تتصوّري…
هدوء.. سكون.. سحر.. جَلال.. شَفَقٌ أحمر.. بعض الغيوم الزرق.. عصفورٌ ينطُّ على الشرفةِ منَ الخارج، ظننتُهُ ضِفدعاً.. لكنني تأكّدْتُ أنهُ عصفورٌ صغيرٌ، جاءَ يلتمسُ بعضَ الدِّفءِ قربَ زجاجِ الشرفةِ منَ الخارج، حينَ نَطّ و وَقَفَ منكمِشاً على نفسهِ، على حَديدِ الشرفة.. خافَ مني يا أمي.. تصَوّري..!! قفزَ بعيداً.. وقفزتْ روحي خلفَه.. وخلفَ هذا السحرِ الحَلال.. شَهَقتُ من نَشوَتي.. وعُدْتُ أبحثُ عن دفترٍ آخرَ أكتبُ عليهِ شعوري، وقدِ أكملُ على صفحاتهِ روايتي هذهِ، قبلَ أن أنقلَها إلى (اللابتوب) ثمّ أطبَعها، وأنسَخها على (سي دي) وأرسِلها إلى النشر..
الدفترُ القديمُ امتلأ منذ المساء.. وكنتُ قد كتبتُ على دفترٍ آخرَ، بعضاً من أحداثِ هذهِ الرواية، لكنني وجدتهُ هوَ الآخر شبه ممتلئٍ بالكثير من (الخربشات) الشعريةِ، وغيرِها.. فتناوَلتُ هذا الدّفتَرَ ذي الجلدِ السميكِ والجميل.. كم أحبُّ الدفاترَ والكتُبَ، يا أمي..!! وكم أتفَنّنُ في شراءِ أجمَلِها..!! كما كان يفعلُ أخي الغالي، والأحَبّ (اسماعيل) رحمه الله.. كانَ يُحِبُّ الأقلامَ الجميلةَ، أيضاً.. ويتفنّنُ في شِرائها.. بل، كانَ يعشَقُ كلّ شيء جميل…….. وللبَحْثِ وَقتٌ آخر..!!
هذا الدفترُ الذي يربط أوراقهُ ببعضِها سِلكٌ معدنيٌّ حلزونيّ الشكل.. أوراقه ذاتُ خطوطٍ مُربّعة، طالما أحببتُ الكتابةَ عليها، أكثرَ من ذاتِ الخطوطِ المتوازية..!! هل كان هذا النموذجُ منَ الدفاترِ مخصّصاً لكتابةِ لغةٍ أخرى غيرِ اللغةِ العربيةِ، أو الإنكليزيةِ، التي لها شكلٌ آخر..؟! ربما..!! هل هو مخصّصٌ لكتابةِ اللغةِ (الصينية) مثلاً.. أو (اليابانية)..؟! أو…!! المهم، أنا سعيدةٌ لأنني أكتبُ عليه.. لكنني لا أعتني بالخطِ، أبداً.. بل، أكتبُ بسرعةٍ بالغة، غيرَ عابئةٍ بجمالِ خطي، أو الكتابةِ على السطر.. كي ألحَقَ الفكرة..
صارت الساعة السابعة، يا أمي..
أستودِعُك الله….. برعايةِ الرحمنِ يا أميَ الغالية..
سأتدثّرُ جيداً، بعد أن أخرجَ إلى الحمّام، وأعود.. أنتظرُ تحتَ اللحافِ، أو الغطاء.. قد أغفو قليلاً.. وقد لا أفعل.. وقد أنزلُ مع صديقتي بسيارتها، إلى (الشيخ بدر).. نجلسُ في عيادتِها الباردة، نوقدُ مدفأةَ المازوتِ الصغيرة.. أو تكون المُمَرِّضة قد أوقدَتها، ومسَحَتْ رخامَ العيادة….. سأصطحبُ معي اللابتوب.. أدخلُ بواسطتِهِ على النِّت، والفيسبوك، بسهولةٍ وسرعةٍ أكبر.. فهيَ لديها (آ دي أس أل ) أما أنا، فأدخلُ عن طريقِ البطاقة.. (سوا) (آية) (رن نت) (الجمعية) التي أفضّلها على غيرها من البطاقات..
إلى اللقاء، يا أمي……….
*******************************************
اليوم، يا أمي، كان السبت الثامن عشر من كانون الثاني (يناير) عام 2014م..
بعد أخبار قناة (الأرضيّة السورية).. (الدّش) عندنا معطَّل..!! عُرِضَ ما يشبه التقرير عن (مَجازر مَساكن “عَدْرا” العُمّاليّة )
دَخَلَ المُجرِمونَ (كلّهم من جنسيات غير سورية) حَسبَ قولِ أحَدِ الناجينَ مِنَ المَجازر.. دَخَلوا المَدينةَ من جِهَة (دوما) على ما أظنّ.. ويبدو أنّهم كانوا هارِبينَ من (مَعركَة القلَمون) التي يقوم بها الجيشُ العربيّ السوريّ، البطل، وغيرُهُ من قِوى المُقاوَمة (حزب الله) (الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) (من مصر.. هناك شهيد) من (اليَمَن) منَ الكثير من القِوى التي تدعَمُ المُقاوَمة..
هَجَموا في الساعةِ الخامسةِ والنصفِ فَجْراً، على المَساكِن.. قَطَعوا رأسَ (أبو حازم..!!) نعرفُهُ كُلُّنا.. وأحضروهُ لنا… دافَعْنا (كانَ معي مُسَدّسٌ مُرَخّص) و (رَبيع) عَسكري، كان معهُ (روسيّة).. دافَعْنا قَدْرَ الإمكان.. قاوَمناهُم (أنا قتلتُ إرهابياً).. وَضَعْنا النساءَ والأطفالَ، في جانبٍ منَ البنايةِ التي يُهاجِمونها.. وصِرنا نقاوِمُهُم من جانبٍ آخر.. كي نضَلّلَهُم عنِ النساءِ، والأطفال (مازالَ هناكَ مُحتجَزينَ في الأقبيَة، كدُروعٍ بَشَريّة، مع المُجرِمين).. كانوا يمنعونَ تقدُّمَ الجيشِ، بأن يَصعَدوا إلى الأسطِحة، ومَعَهُم أطفال.. وكُلّما تقدّمَ الجيشُ قليلاً، كانَ المُجرِمونَ يُلقونَ بَعْضَ الأطفالِ عن أسطُحِ البناياتِ، أمامَ أعيُنِ الجيش.. فيُحجِمُ الجيشُ عنِ التّقَدُّمِ، كي لا يموتَ الأطفال..
اغتَصَبوا بَعضَ النساءِ، والبَنات.. حَرَقوا البنايَةَ بما فيها، ومَن فيها.. قَطَعوا الرؤوسَ.. ومَثّلوا بالجُثَث.. (أنا نجوتُ بأعجوبَة..) (رَبيع، استُشهِد).. مَشيتُ أنا و صَديقي بينَ المُسَلَّحينَ، بعدَ أن قَتَلوا الكثيرَ منَ النساءِ، والأطفال.. ومن بينهم، زوجَتي، وطفلي ذي الأربعةِ أعوام.. والآخر عُمرهُ عامٌ واحد.. أنا ضَحّيتُ من أجلِ هذا الوطن، بثلاثة.. وغيري ضَحّى بأكثَر.. ربّما بعائلاتٍ بأكمَلِها.. حَرَقوا النساءَ، والأطفال (الحمدُ لله، كانوا مستَشهَدينَ، قبل أن يحرقوا جُثَثَهُم).. (زوجتي، وأبنائي ” ويبكي بقَهْرٍ مَكْبوت” استُشهِدوا، قَتَلوهُم بطريقةٍ بَشِعة.. بَشِعَة جداً.. جداً.. “ويشهَق”.. عندما استُشهِدَتْ كلُّ عائلاتِنا.. ولم يَعُدْ مَعَنا سلاحٌ، ولا شيء.. قلنا: لم يَعُدْ عندنا مَن ندافعُ عنهُ.. ونحنُ.. مَيّتونَ.. مَيّتون لا مَحالَة.. قالَ رَفيقي : سيروا رافِعينَ رؤوسَكم.. فَمَشينا بينَ المُسَلَّحينَ، حتى وَصَلنا “بعِنايَةِ اللهِ” إلى أوّلِ حاجِزٍ للجيش.. فسَلّمناهم أنفُسَنا.. لن أقولَ لكِ (يبدو أنّ مُذيعَة كانت تُجري اللقاء) أيّ طريقٍ سَلَكْتُ، حتى نَجَوْت.. كي لا يعرفَ بهِ (المُسَلَّحون)…
الشهداءُ كانوا من كلّ أطيافِ الشّعبِ السوريّ.. (سُنّى – مَسيحيون – عَلَويّون – دُروز – شِيعَة – أكراد…… إلخ )
كانوا يُقيمونَ الحَدَّ على مَن يُخالفهم.. مثلاً.. على مَن يشربُ التبغ.. رَفيقي خَرَجَ “مستوي” منَ الجَلْد..
امرأةٌ، لم تُظهِر وَجهَها.. كانتْ تتكلّمُ وهيَ متخفّيَةً خلفَ مجموعَةٍ منَ الصِّبيَةِ، يحجبونها عنِ الكاميرا.. بينما المُذيعُ الشابُّ، الذي يَظهَرُ على الشاشَةِ، يسألُها، وهيَ تروي..
قالتْ أنهم نَهَروهم عندما رأوهُم يجلسونَ، نساءً، ورجالاً.. قالوا أنّ ذلكَ (حَرامٌ بالشَّرْع)……………. إلخ
قارَبَتِ الثانيَةُ بعدَ منتصَفِ الليلِ، يا أمي……
فأستودِعُكِ الرَحمن الرحيم… و.. إلى اللقاء….
———————–
الساعة الآن تُقارِبُ الواحِدَة، ليلَ الإثنين – الثلاثاء، العشرين، والحادي والعشرين من كانون الثاني (يناير) عام 2014م.
بعدَ ظهرِ الأمس، الإثنين، تغدّيتُ في بيتكم- بيتنا- بيت أهلي.. رزّ مع عَديس.. أحضَرْتُ كأسَ لَبَنٍ كبيرةٍ من عندِ زوجةِ أخي.. خَلَطتُها مع الرزّ.. وأكلتُها.. ثمّ أخذتُ الدّواءَ، وطلعْتُ إلى (المَبَرّة) لأعَزّي بالغالي الشابّ المهندس المُلازم أوّل في أكاديميّة الأسَد للهَندَسة العسكرية، شَهيد (مَشفى الكِنْدي) في حَلَب (بُنيان بَدْر وَنّوس)..
*******************************************
أمي..
الساعةُ الآن تجاوَزَتِ السادِسَة مساءً، بعِدّةِ دَقائق، من مساءِ يومِ الإثنين السابع والعشرين من كانون الثاني عام 2014م..
سأروي لكِ بَعضاً ممّا حَدَثَ معي اليوم.. لكن، قبلَ ذلكَ سأبَشّرُكِ بأنّ الدنيا تبرُقُ، وترعُدُ الآن، ومن قبلِ أقَلّ من ساعة، عندما كنتُ آتيةً من بيتكم- بيتنا- بيت أهلي، في القرية..
كنتُ قدِ استيقظتُ في السابعة والربع صباحاً.. لبستُ ثيابي، وجَهّزتُ نفسي لأصطحِبَ معي تسعةَ قطع (مْحَمّرَة) واللابتوب، ودوائي، ومفتاحي، وبعضَ النقود.. وأنزلُ سيراً على الأقدامِ إلى (الشيخ بدر).. لكنّ الغالية صديقتي الدكتورة (عَلّمَتْ) لي على الخَلَوي قبلَ الثامنة بحوالي عشرِ دقائق.. فأغلقتُ اتصالّها، و (عَلّمْتُ) لها، أيضاً.. يعني: أنا جاهزة.. فَمَشيتُ غرباً، نحوَ بيتهِم، حوالي خَمسينَ متراً.. عابَثتُها، وعابَثتُ طِفلَيها الغاليَين، بأن لَوّحْتُ لهم، شِبْهَ راقِصَةٍ، بكِيسِ (المْحَمّرَة).. و وَقَفتُ، لثواني، في مُنتَصَفِ الطريقِ، أمامَ سيّارَتِها.. ثمّ صَعَدْتُ إلى جانبِها، عندما أوقَفتْها ضاحِكَةً.. قلتُ للطّفلَين الغاليَين:- اليوم ليسَ هناكَ من قُبلاتٍ،لأني مُصابَةٌ بالزّكام.. لكنني قَبّلتُ يدَ الغالي (حَسَن) ثمّ مَسَحْتُها عِدّةَ مَرّات.. الغالي (علي) اختبأ عنّي خَلفَ مسندِ المقعَدِ، وراحَ يَعوي، ويَنبحُ، كأنّهُ كَلب.. فصِرْتُ أردُّ عَليهِ بنباحٍ أقوى.. قال لي (حَسَن): هذا ليس (علي) هذا (توتو).. قلتُ لهُ، وأنا أمُدُّ يَدي إلى خَلفِ المقعَدِ، لألمسَ جَسَدَهُ الصغيرَ الغالي، عَبَثاً.. لأنّهُ رَفَعَ ساقَيهِ نحوَ زُجاجِ النافذة، فلم أستطِعْ لَمْسَه (أنتَ كلب.. وأنا ضَبعَة.. كيفَ يكونُ صوتُ الضّبْعَة، يا (حَسَن)..؟! ) قال: وووووو….. وهوَ يزمُّ شَفَتيهِ بقوّة.. فصِرْتُ أعوي بقوّة : أووووووووو.. و (علي) ينبح……..!!
أمي.. هاتي البِشارَة.. المَطَرُ يهطِلُ بغزارَةٍ على الشّرْفة.
الحمدُ لله.. الحمدُ لله.. الحَمدُ لله.. أخشى على اللابتوب منَ البَرْقِ، والرّعْد.. فقدِ انتهى شَحنُهُ قبلَ قليل، قبلَ أن تأتي الكهرباءُ في الساعةِ السادِسة.. كانَ من المُفتَرَضِ أن تنقطِعَ منَ الرابعةِ، إلى الخامسةِ والنصف.. ثمّ، منَ الثامنةِ والنصفِ، إلى العاشرةِ، ليلاً.. أمّا في الصّباح، فمِنَ السابعةِ، حتى العاشِرة.. هكذا أخبَرَني أحَدُ مُوَظّفيّ الكهرباء..
انتقَلتُ الآن منَ الصالون، إلى غرفتي، لأنني شَعَرْتُ بالبَرْدِ الشديدِ يَلسَعُ ظهري.. هنا أجلسُ قربَ مدفأةِ المازوت التي أوقَدتُها قبلَ حَوالي عشرِ دقائق.. الآن (طَقّت) البَلّورَة، تماماً.. طَفَيتُ المدفأة، حتى تبرُدَ، ثمّ أنزَعُ الزجاجَةَ المَكسورَةَ منذُ مُدّة.. وكنتُ أعيدُ لَصقَها بواسطةِ (الشّعلة).. لكنني أوصَيتُ مُمَرّضة الدكتور (محمد) منذ أكثرَ من نصفِ شَهرٍ، أن تشتريَ لي رقيقَةً مَعدَنيّةً دائريةً، مُخَصَّصَةً كبديلٍ لزُجاجاتِ المدافئ.. فاشترَتها لي بخمسةٍ وسَبعين ليرةً سوريّة.. لكنّ الزُّجاجَةَ حَرَنَتْ، ولم تعُدْ تنكسِر، وتسقط، حتى هذهِ اللحظة..
هل تعرفينَ ياأمي..؟!! ظهري مُسَقّع.. يا الله، تكادُ المدفأةُ تنطفئ.. ومنَ المؤكّدِ أنها لن تحتاجٌ إلى وقتٍ طويلٍ كي تبرُدَ، لأنها لم تَحْمَ كثيراً، بَعْدُ..
مازالَ الرّعْدُ متوسّطُ القوّةِ، يَهدُرُ بينَ فترَةٍ، وأخرى.. (أللهُمّ صَلِّ على النبي).. كم كنتِ تخافينَ الرّعْدَ، يا أميَ الغالية..!! أو، بالأحرى، كم كنتِ تخافينَ من أيِّ شيءٍ عَنيفٍ، يهُزُّ سَلامَ روحِكِ المُسالِمَةِ، الطّيّبة..!!
سأحاولُ تبديلَ زُجاجَةِ المدفأة، وأعود..
إلى اللقاء يا أمي………..
بَدّلتُها بسهولةٍ، يا أمي..
حَضَرَ زوجي، وأنا أثبّتُها.. قال:
– يا الله…..
في إشارَةٍ إلى أنهُ هوَ الذي دَخَل… فقلت:
– إي…..
أعني، عَرفتُ..
أخبَرْتُهُ أنني بَدّلتُ زجاجَةَ المدفأة.. وأنّ أحد الشعراءِ غيرِ اللطيف، كان قدِ اتصَلَ بي بعدَ وصولي بقليل.. كنتُ أجمَعُ الزبالةَ من الحَمّامِ، والواليت، والمطبخ، وكنتُ قد ربطتُ الكيسَ الأسوَدَ جيداً، حينَ رَنّ الهاتفُ الأرضيٌّ طويلاً.. فبحثتُ عن مِنديلٍ وَرَقيٍّ لأمسكَ بهِ سَمّاعَةَ الهاتف..
– مَن..؟!
– أنا أخوكِ أبو (فلان )
– مَن أبو (فلان )..؟!
– ألم تعرفيني..؟! أنا (فلان)..
هنا شَرحٌ طويلٌ لا أجدهُ لازماً.. لذلكَ، لن أنقلَهُ إلى اللابتوب..
المُهِمّ، يا أمي.. الآن أكادُ أشعُرُ بالدّفء.. لكنني منذُ الظهر وأنا أشعُرُ بالحاجَةِ إلى التقيّؤ.. وأشعُرُ أنّ جسمي ليسَ على مايُرام.. أخذتُ قبلَ حوالي نصف ساعة حَبّةَ (موتين).. ولم يتغيّر الإحساسُ كثيراً..
(الآن يناديني زوجي من قربِ البابِ الخارجيّ: أنا ذاهبٌ إلى بيت أخي.. قلتُ له: إي.. ألله معك.. ) هاهوَ يُغلِقُ البابَ خلفهُ يا أمي.. و قد يقفلهُ بالمفتاح، كما طَلَبْتُ منهُ عِدّةَ مَرّات.. فلم يعُدْ هنالكَ أمانٌ كما كانَ قبلَ حوالي ثلاثِ سنوات من هذهِ الحَرب…
يزعجني جداً شعوري بالحاجة إلى التقيّؤ.. وأحار.. هل أقومُ إلى المغسلة، أو التواليت، وأحَرّضُ معدتي بواسطة سَبّابَتي..؟! أم أنَّ ذلكَ خطأ..؟! تسألينني ماذا أكلتُ اليوم..؟! أكلتُ في الصباحِ قطعةَ (مْحَمّرَة) وكأساً من الشاي، في عيادةِ صديقتي.. وأكلتُ (قضوضة) شوكولا، من صنعِها.. أعطتني كميةً منها عندما نزلتُ معها بالسيارةِ هذا الصباح، قالت : هذهِ هَديّةٌ من (علوشة وحسونة ).. شكرُتها وشكرتُهما، وأعربتُ عن سعادتي بهذهِ الهديةِ الغالية..
ذهبتْ إلى طرطوس لتجري عملية لإحدى المريضات..
حملتُ اللابتوب، وذهبتُ إلى أحدِ معارِفنا، في محلهِ، ليُجري لي بعضَ الرّتوشِ على استخدامي له، كفتحِ الفيديو عن طريقِ النت أو الفيسبوك، وتقطيعِ اللقاءِ الإذاعيِّ الذي أجرَتهُ معي الإعلامية (صباح ابراهيم) على هوا (أمواج) منذ مدّة.. لأنشرَهُ – كرابط- على صفحتي ، ليستمعَ إليهِ مَن يريد.. لم أجدْه.. قالَ ليَ الشابُّ الذي في المحل:
– اتركيهِ حتى يأتي.. هوَ يعرفُ هذهِ الأمور أكثرَ مني.. (الفيديو) فتحَ معهُ فوراً..
قال: – إذن، لا يفتحُ عندكِ من بطءِ النت، لأنكِ تدخلينَ من بطاقة.. قلتُ له: حتى عندَ الدكتورة لم يفتح.. ربما سُرعةُ النت لها علاقةٌ بالموضوع.. تركتُهُ في المحلّ، واتصلتُ ببيتِ أخي الغالي.. أجابَ هوَ بصوتٍ أجّشّ.. سألتُهُ إن كانَ مناسِباً أن أزورَهم في ذلكَ الوقت، قال:
– زوجتي في المستوصَف، وأنا جالسٌ بمفردي..
قلت له : – أنا ذاهبة….
شربتُ معهُ المتةَ معَ الزعترِ البريّ (عرانيس) مع السكّر.. حضرَ ابنُهُ الغالي.. بفرَحٍ غامِر تعانقنا.. قال: -هل نعملُ غلافَ الكتابِ الآن..؟!
قلت له: – لاحقاً ياحبيبي..
وكان قد أخبرَني على الهاتفِ منذ مدّة، أنهُ ألّفَ كتاباً معَ رسومِهِ المناسِبة.. وطلبَ مني أن أصنعَ لهُ غلافاً.. ظاناً أنني أنا التي أصَمّمُ أغلفَةَ كتُبي، وأثبّتها على الصفحات، وليستِ المطبعة.. بعد قليل، جاءتِ الغاليةُ أمه.. نحن نناديها باسمِها، فقط.. دونَ لقبِ دكتورة.. لأنها قريبتُنا.. وقدِ اعتدنا ذلك…… رحّبَتْ بي جداً.. تبادَلنا القبل.. كان الصغيرُ قد وضعَ بنفسِهِ ثلاث قطع من لَفّات الملفوفِ المطبوخِ، المحشوِّ بالرز واللحمِ، في صحن.. وملأ زبديةً من الحجمِ الوسَط ب (المتبّلة) وجلسَ يأكلها، بعدَ أن طلبتُ منهُ أن يغسلَ يديهِ و وجهَهُ قبلَ الطعامِ، ففعل.. أثنى عليهِ أبوه، لأنهُ وضعَ لنفسِهِ الطعامَ، وقالَ له :
– أخبرْ ماما عندما تأتي، أنكَ فعلتَ ذلك، لتسَرّ منك.. اتصلتْ خالتُه، حبيبةُ قلبِكِ.. ردّ الصغير.. أغلقَ السماعةَ فرِحاً، وراحَ ينطّ ويقول:
– خالتي تدعوني لتناوُلِ ورقِ العنب.. دائماً.. كلّ يوم ٍتدعوني إلى الغداء….
لكنهُ جلسَ ليكمِلَ طعامَه.. وبعدَ قليلٍ، أرسلت خالتُهُ جاطاً زجاجياً (بيركس) مليئاً بورقِ العنبِ الساخن، وقطعٍ لا بأسَ بها منَ اللحم.. أظنّ أنهُ لحم خروف.. جلستْ زوجةُ أخي قربَهُ، وراحت تأكل، لكنهُ تمدّدَ على الصوفا، ونام.. دَعَتني إلى الطعامِ، بإلحاح..قلتُ لها :
-شكراً.. لستُ جائعة.. أنا في بيتي.. ولا داعي للإلحاح..
قالت: – والله وأعَزّ..
أجبرَتني على تذوّقِ قطعةٍ منَ اللحمِ الناضجِ جيداً.. طلبتُ أن تكونَ صغيرةً جداً، لأنني لا أحبّ اللحم.. وكان ذلك… أنهى الصغيرُ طعامَه وأقبلَ على صحنِ (الشوكولا) الذي نزعْتُ عنهُ كيسَ النايلون، عملتْ له أمهُ منها (قضوضة) أتى ابنُ أختِها الصغرى، من غرفةِ السطحِ، التي كان يدرسُ فيها مُحَضّراً للشهادةِ الثانوية الفرع العلمي.. وابن أخي، يحضّرُ لامتحاناتِ الفصلِ الأولِ من السنةِ الأولى (طبّ بَشَري) في طرطوس….. أكلنا نحن الخمسة منَ الشوكولا.. جلى ابنُ أخي الصحن.. وضعتُهُ في كيسٍ، وحمَلتُهُ معي إلى بيت أخي المُسافِر.. جلستُ حوالي عشر دقائق، فقط.. كانتِ الساعة قد تجاوزتِ الثانيةَ والنصف ظهراً.. الكُلُّ نائمٌ، إلاّ ابنتُهُ الصغرى، وأخوها الأصغر.. البابُ مُغلقٌ على غرَفِ النومِ والمطبخ.. جلسْنا ثلاثتُنا في الغرفة.. أخبرتني ابنةُ أخي أنها أصبحتْ (أدمِن) صفحةٍ على الفيسبوك.. وأنّ لديها الوقتُ لذلكَ، لأنها ستتخرّجُ هذا العام، إن شاء الله، في الجامعة (تشرين) (اللاذقية) مُجازةً في مادّة (الجغرافيا).. سألتُها عن أختها.. وكانت قد أخبرَتني من يومَين عندما وضعتُ لها صورةَ قلبٍ أحمر، على المُحادَثة، كتَحيّة، أنها قد أجْرَتْ عمليةَ (ليزر) على عينيها..
– ألا تريدينَ أن تأتي إلى عندِنا، لترَينها، ياعمتي..؟!
– إن شاءَ الله.. الحمدُ للهِ على السلامة..
خَرَجْتُ من بيتهم إلى مَحَلّ الكمبيوتر.. كان صاحبهُ موجوداً.. جلستُ عندهم أكثرَ من نصفِ ساعةٍ، وهو يحاولُ أن يقطّعَ لي اللقاءَ الإذاعيّ.. لكنهُ، في النهايةِ، حفظهُ عندهُ، وأخبَرَني أنهُ سيشتغلُ بهِ كلَّ ما يستطيع، ليحاولَ نَقلَهُ على (اليوتيوب) بشكلٍ كامِل.. ويضعَ لي الرابطَ على صفحتي.. اشترَيتُ من عندِه بطاقَتَيّ نت (جمعية) كلّ بطاقةٍ بمئةِ ليرة.. كانت زوجةُ أخي، قد طَلَبَتْ مني أن أتصلَ معها عندما أنهي عَمَلي، لتنقلَني إلى بَيتي (هُنا) بالسيارة..
عندما خرَجتُ من المحلّ، مَدَدْتُ يدي إلى جهازيَ الخَلَويِّ، لأتصِلَ معَها، وما كدتُ ألمسَهُ حتى صارَ يرتجُّ بين أصابعي.. كانتِ الغاليةُ على الطرفِ الثاني منَ الخطّ الخلوي، تسألني إن كنتُ قد أنهَيتُ عملي..
حضرتُ إلى أمامِ بيتهم، انتظرتُ قربَ السيارةِ، إلى أن نزلَتْ من بيتهم، هيَ والغالي الصغير.. وأحضراني إلى هنا..
أخبَرْتُ زوجي بذلك.. فعَبّرَ عن سُرورِه.. بقيتُ بثيابِ الخروج.. وجَمَعْتُ كميّةً من أكياسِ النايلون الصغيرةِ جداً، والأكبرِ، والأكبر.. ثلاث مقاسات.. كنتُ قد احتفظتُ بها من مُحتوَياتِ (المَحَلّ).. رَمَيتُ بحقيبتي الصغيرةِ المعطوبةِ إلى سلةِ الزبالة.. و وضعتُ نقودي ودوائي والمفتاحَ في الحقيبةِ السوداءِ الصغيرةِ الجميلة.. وأخبَرْتُ زوجي أنني نازلةٌ إلى القرية.. كان (محمد) إبن جيراننا يُطلِقُ بوقَ سيّارَتِهِ أمامَ بيتنا، ليخرجَ زوجي، وينزلَ معهُ ليجتمعوا مع وفدٍ من أهلِ القرية (صندوق القرية الخَيريّ) ليَتركوا سَياراتهم، أو موتوراتهم.. قُرْبَ المَبَرّة (مَبَرّة الإمام علي زين العابدين) عليهِ السلام.. ويستأجروا (مِيكروباص) ينقلهم من قريةٍ، إلى أخرى.. للتعازي بالشهداء.. وبالمُتَوَفّين طبيعياً.. حاملينَ مَعَهُم لكلّ شهيدٍ، إكليلاً دائرياً من الزهر.. و (شهادة فخرٍ واعتزازٍ مُبروَزَة) و كلمةً يلقيها أحدُهم كتعزيةٍ بالشهيدِ، وهو يقدّمُ الشهادَةَ إلى أهله.. ويُشاركون بقراءةِ القرآنِ على روحهِ، وأرواحِ جميعِ شهداءِ الوطن.. وكانَ لهذهِ البادِرَة الشعبيةِ الطيبة، أثرٌ طيّبٌ عند أهالي الشهداء.. يرفعُ من مَعنويّاتهم.. ويزيدُ اللحمةَ بين أبناءِ الوطنِ الأغلى..
لم أنزلْ معهما، لأنني كنتُ أريدُ أن أمشي.. جَلستُ عند زوجةِ أخي، حتى حَضَرَ أخي من دَوامِهِ في (مصفاة بانياس) التي ليس بها وُقودٌ منذ حوالي شهر – كما أخبَرَني بالأمس – دَعاني إلى الغداء، فاعتذَرْت.. كنتُ قد أعطيتُ الأكياسَ لزوجته، وجلستُ حوالي نصف ساعة.. ثمّ عُدتُ إلى بيتكم – بيتنا – بيت أهلي.. كَنَسْتُ حَولَ مِدفأةِ الحَطَب، والمَدخَل، والخارِج.. جَمَعْتُ الزبالَةَ في كيسَين، وأخرَجْتُهُا إلى زاويةِ زريعةِ البنفسجِ التي زرَعَها أبي الغالي.. قُرْبَ بابِ السّقيفة.. وضعتُها هُناك.. غسلتُ يديّ.. وَضَعتُ كيساً أسوَدَ فارغاً في سَلّةِ القُمامَةِ التي في المطبخ، كانَ صغيراً.. لم أجِدْ غيرَه.. ترَكْتُ برميلَ الغسيلِ الحديديّ الصغيرِ القديمِ الذي أستعملهُ من زمان لجَمعِ القُمامَةِ في الحَمّام قربَ التواليتِ الإفرنجيّ، بدونِ كيس، لأنني لم أجِد.. جَليتُ عدّةَ كؤوسٍ صغيرةٍ كانتْ في المَجلى، مَشروبٌ فيها الشاي.. ثم خرجتُ ومعي الكيس الأخضر الذي كنتُ أضعُ فيه بقيةَ الأكياس.. والآن فيه – فقط – حقيبتي الصغيرة.. أغلقتُ البابَين.. باب المَدخَل الداخليّ الخَشَبيّ، وبابَهُ الخارجيّ الحديديّ.. وأتيت.. سمعتُ هَديراً.. تمنّيتُ أن يكونَ رَعداً، وليستْ قذائف.. وكانَ ذلك..
أمي..
الساعةُ الآن السابعة وثمانٍ وثلاثونَ دقيقة.. تأخّرْتُ عن سَماعِ أخبارِ (المَنار) بواسطة الراديو..
إلى اللقاء يا أمي…
*******************************************
ألله يصَبّحِكْ بالخير يا أميَ الغالية..
أنا الآن أجلسُ في عيادةِ صديقتي.. تناوَلتُ دَفتري، وقلَماً.. وبدأتُ أكتب..
الساعة الآن حوالي الثامنة والربع من صباح الأربعاء التاسع والعشرين من كانون الثاني (يناير) عام 2014م..
من أوّل أمس، الإثنين، وأنا أعاني من حَرارةٍ ليسَتْ عالية.. حوالي (38) وخَطّين.. ( أنتِ ياغالية، مَن عَلّمتِني – بكثيرٍ من الصبر، والإصرار- قراءَةَ ميزان الحرارة الزئبَقيّ.. وكذلكَ إعطاء الحقَن.. وكم أعانَني ذلك في حياتي..!! لكنني لم أجرؤ – يوماً- أن أعطي سوى أسرتنا.. حَماتي.. و عَمي.. وزوجي… وأحياناً جارتي الغالية “نُهى”.. ومرّةً تجرَأتُ وأعطيتُ نفسي، مُحاوِلةً تقليدَكِ.. إذ كنتِ تحقنين نفسَكِ بالحُقَنِ التي وَصَفها لكِ الطبيب.. لكن، يا أمي.. لا تُخبِري أحداً…ههه ظَلّتْ إليَتي زرقاءَ بعدَها لأكثر من عَشرة أيام…!! اضحكي.. اضحكي….!! ) أشعرُ أيضاً بآلامٍ بالمَفاصِل.. وغير ذلك من توَعّك.. نتيجةَ التهاب جهاز تنفّسي عُلوي.. لازَمْتُ البيتَ في (الضَّهْر) حتى صَباح هذا اليوم.. وَجَدْتُ نفسي أحسَنَ قليلاً.. كانت بنت خالي، قد (عَلّمَتْ) لي – كما اتفقنا سابقاً – على الخَلَوي، فعَرفتُ أنها جَمَعَتْ لي عَدَداً من بيضِ الدّجاجِ البَلَديّ.. فنزلتُ في حوالي السابعة والنصف، حاملةً الحقيبة الجلديّةَ وفيها اللابتوب، وأشياءَ أخرى.. في الطريق، عند (المْسيل) تحت بيت خالتي، فوجِئتُ ب (سَيّارَتِنا) هههههه.. ضحكة فيسبوكية..!! كانت صديقتي قادِمة عَكسَ اتّجاهي.. ضحكنا نحنُ الإثنتَين، باستغرابٍ لهذهِ المُصادَفة السعيدة.. أوْقَفَتِ السيّارة، وفتحَتِ النافذة، ومَدّتْ كَفّها لتُسَلّمَ عَلَيّ، فرفَضتُ، لأنني أسعُلُ في كَفّي، كي لا تنتقلَ العَدوى إليها..
– كنتِ مُناوِبَة في المَشفى..؟!
-نعم..
– ألله يعطيكِ العافية..
-لا أعرفُ إن كنتُ سأنزل..؟!
-بل، ستنزلين.. المُمَرِّضة ليستْ مَوجودة..
وعَرفتُ من زميلتها، أنها كانت مع أمها في المَشفى..
أشعَلتُ مدفأةَ المازوت الصغيرة، فورَ أن فَتَحَتْ لي الصبيّةُ الباب.. وعادَتْ لتفتَحَ بابَ عيادة الدكتور (محمد).. ثمّ أتتْ لتكشفَ على المدفأة.. تعطيها الدكتورة أجراً، لأنها تُداوِمُ في غيابِ مُمَرّضتها، وبعدَ الظهر.. مَلأتُ طاسَةَ المدفأة بالمازوت.. وسَكَبتُ، من غيرِ قَصْد، قليلاً منه خارجَ الطاسةِ على الأرض.. وتعَوّذتُ بالله.. مَسَحْتُ المازوتَ عن الأرض، بواسطةِ الخرقَةِ المُخَصّصَة لمسحِ الأرض.. مازالتْ رائحتُهُ قويّة.. فتحتُ الآنَ البابَ الخارجيّ، وكنتُ قد وَسّعتُ فتحةَ النافذةِ في الغرفة المُقابلةِ ليَميني، قربَ المَطبخِ، والحَمّامِ، والمغسَلة.. والتي تحوي البطّاريّة الشاحِنة للكهرباء.. وسَريراً للمَريضات.. أظنّ أنها كانتْ توَلّدُهُنّ في العِيادَةِ، قبلَ أن تتعاقَدَ مع مَشفى في طرطوس.. وبعْدَها صارَتْ رئيسة القسم في مشفى (الشهيد مازن ابراهيم) هنا في (الشيخ بدر) عند (السّبيل)…..
هناكَ ارتَقَتْ روحُكِ الطاهِرَةُ إلى بارِئِها.. يا أميَ الغالية..
فَجْرَ يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من نيسان عام 2013م…..
رَحْمَةُ اللهِ على روحِكِ الطاهرةِ النقيّة..
قد تكونينَ أوّلَ شَخصٍ ترتقي روحُهُ في هذا المَشفى الذي كانَ مُحدَثاً.. تَمّ افتتاحُهُ في الخامس عَشَر من نيسان في ذلك العام 2013م.. حَيثُ أجرَتِ الغالية أوّلَ عَمَليّةٍ قَيصَريّة، شاهَدْتُها على الفيسبوك.. كان المَشفى يعملُ قبلَ ذلكَ بقليل، كَعيادات، فقط..
أحضَرْتُ سبعَ بَيضاتٍ بَلَديّاتٍ من بنت خالي، التي كانتْ تُطعِمُ البَقرَةَ، في زريبتها تحتَ البيت.. وعندما انتبَهَتْ لوجودي فوق، أمام بيتهم.. ابتسَمتُ في وَجهِها.. وأشَرْتُ لها أنني حَضَرت.. فقالتْ لي : اطرقي الباب.. أختي في الداخِل.. قلتُ لها، معَ الإشارات: طَرَقتُ.. ولا أحَدَ يُجيب..!! قالتْ: آآآ…. مازالتْ نائمة..
غَسَلَتْ يديها، ثمّ صَعَدَتِ الدّرَجَ الحَجَريّ.. بَدّلَتْ حذاءَها.. لبستْ حذاء البيت… ودخلتْ.. غسَلَتْ يَدَيها مرّةً أخرى بالصابون على المغسلة.. وأحضرَتْ لي البيضَ منَ المَطبَخ.. ناوَلتُها خمسمئة ليرة.. قالتْ: ليس لديّ صرافة.. قلتُ – وأنا أسندُ ظهري إلى الحائط – :
-احسبي ثمنَها.. أنا أتألّمُ كثيراً من ظهري..
وأشَرْتُ لها أنّ حَرارَتي مُرتفعَة.. وظهري وحَلقي يؤلماني.. قالت، بأسى:
– صحيح..؟! سلامتِك..
حَسَبَتْ سبع بيضات، كل بيضة بخمسة وعشرين ليرة.. يساوي مئة وخمسين ليرة.. طبعاً خطأ يا أمي.. لكنني لم أنتبهْ حينها، لتوَعُّكي وعدَم قدرتي على المُحاكَمة السليمة، أو التركيز.. أعطَيتُها مئة وخمسين ليرة، ونزلتُ نحو (الشيخ بدر).. في الطريق، عند (المْسيل)، قبلَ وُصولي إلى قُرْبِ مقامِكِ، يا أميَ الغالية، بِعِدّةِ أمتار.. رأيتُ سَيّارةَ صِهري، ومعهُ أختي، وابنَيهما..حَبايب قلبِك ياغالية.. رأيتُ أختي تُشيرُ لي بكَفّها اليُمنى، مُستغرِبَةً.. ظننتُ أنها تستغربُ نزولي باكِراً.. حاوَلتُ أن أكْمِلَ سَيراً على الأقدام إلى هنا.. لكنّ ظهري كادَ ينقصِمُ منَ الألَم.. فرَغِبْتُ أن أسلكَ الطريقَ القديمَ النازلَ من عندِ (الشّبيبَة) إلى (الشيخ بدر) خوفاً من أن يخذلني ظَهري، أو تخذلني صحّتي في ذلكَ الطريق (الأوتوستراد) وأجلس دون أن أعرفَ إن كانَ أحَدٌ سيتعرّفُ عَلَيّ، أو أمونُ عَلى أحَدٍ أعرفهُ، يقودُ تاكسي، أو موتوسيكلاً، فأستوقفُهُ ليُقِلّني إلى هُنا، ولو بالإجرة.. ثمّ قلتُ لنفسي، سأجلسُ أمامَ بيت أخ الدكتورة، أنتظرُها عندهم.. حيثُ ستأتي وتقف عندهم لتصطحِبَ ابنهم ، مع طِفلَيها إلى (رَوضَة المَحَبّة) التابعة للإتحاد النسائي، فأطلعُ مَعَها بالسيّارة، تضعُهُم في (الرّوضة) وتُكمِل إلى العِيادة.. لكنّ صهري كان قد أوصَل أختي وطفلَيهِما الغاليين إلى مَدرَسَة القرية، وعادَ إلى عَمَلِهِ.. وعندما رآني، أوقفَ السيّارَةِ أمامَ بيت أخ الدكتورة، قبل أن أصِلَ إليهِ بقليل، أشَرْتُ لَهُ أن يذهَب، وأنني لا أريدُ أن أنزلَ معه، لكن يبدو أنهُ لم ينتبهْ، مِنَ الغَبَش الذي يُغطّي زُجاجَ السيّارَةِ مِنَ الخلف نَدى.. أو مَطَر.. جلستُ في المقعدِ الأماميّ على يمينهِ، وأنا أقول لهُ، بعدَ التّحيّة: والله لم أكُنْ راغِبَةً بالنزولِ مَعَك.. أنا مَريضة.. كنتُ (ساخِنة) والآن، ظهري يؤلمُني جداً.. قالَ، مُستنكِراً: (ساخنة)..؟! لماذا نزلتِ منَ البيت..؟! قلت: كي أغَيّرَ جَوّاً.. لي يَومَين في البيت.. مَلَلْت.. قال: والله، أنا إذا أرَدْتُ تغييرَ جَوٍّ، لا أجِدُ أجمَلَ منَ الجلوسِ على شُرْفَةِ بيتِكم، والإستمتاع بالمناظر الطبيعية الرائعة.. وأريحُ نفسي من هذا الصّخَبِ، والضجيج.. قلتُ له: كلّ إنسان يَرغَب بما ينقصُه….. قال: والله صَحيح..
تابَعتُ إلى هنا.. كان كلّ من بابَيّ العِيادَتَينِ مُغلَقاً.. اتصَلتُ مع الدكتورة لأخبِرها أنني أمام العيادة.. سُرّتْ بذلكَ، وقالتْ: بعدَ قليل تأتي الصبيّة، وتفتحُ العيادة…
وكانَ ذلك..
صِرتُ أتمَشّى من باب عيادتها، وباب أستاذ الرياضيات الذي يعطي دروساً خصوصيّة.. كنتُ أكبرُهُ بعامٍ دِراسيّ.. صِرتُ أتمَشّى في المَمشى الصغير، الضيّق، أمام العِيادَتَين، وظهري يكادُ ينقسِمُ إلى نِصفَين.. أسندُهُ، أحياناً، على الحائط، وأحياناً أنحَني قليلاً ليَخفَّ الألَم.. أو أفرُك مَكانَ الألَمِ، عَلّني أستفيد.. دونَ جَدوى تُذكَر.. وفي حَوالي الثامنة والربع، جاءَتِ الصبيّةُ الشقراء.. فتَحَت بابَ عيادَةِ الدكتورة أوّلاً.. ثمّ عيادَة الدكتور (محمد).. وبعْدَ أن أشعَلْتُ المِدفأة.. جَلَسْتُ أكتُب..
والآن، صارتِ الساعَةُ حوالي الواحدة والنصف وخمس دقائق، بعْدَ الظهر.. والدكتورة عندها مَريضَة.. سنطلَعُ بعْدَ قليل.. وتصطحِبُ مَعَها صَغيرَيها الحَبيبَينِ منَ (الرّوْضَة)، وابنَ أخيها أيضاً.. تُنزِلُهُ عندَ بَيتِه.. ونُتابِعُ إلى بيتنا في (ضهر المريقب).. تنزلني عند مفرق بيتنا.. وتتابع غرباً حوالي مئتيّ متر أو أكثر.. لتصِلَ إلى بيتِها الذي اشترَته عندما تزوّجتْ.. في (ضهر الديرانة)..
أخذتُ دواءً كثيراً يا أمي.. والحمد لله، أشعر الآن بارتياحٍ لا بأسَ به.. كنت قد اتصلت بالغالي ابن أخي.. ليحضر لي من (المطعم) الذي افتتحوه حديثاً في (الوَرْوَر) أو (أرض الوَتِت) نصف كغ (مْسَبّحَة) بمئة ليرة، وأربعة أقراص (بسلق) وقرصين (بجبنة) صنع أمه، وخالته.. و قطعتين من (المحمرة).. فأحضرها على (الموتور) وطلب أربعمئة ليرة، مع (التوصيلة) كل قطعة بخمسة وثلاثين ليرة سورية.. و (التوصيلة) خمسة وعشرين ليرة سورية.. فأجبرته بخمسة وعشرين ليرة زيادة.. قلت له: فقط، لأنها أول مرة.. تبادلنا الشكر والدعاء بالخير.. وعاد إلى المطعم.. أكلت قرصاً محشوّاً بالسلقِ والبصَل، طيب جداً، وقليلاً من (المسَبّحة) لذيذة جداً.. بشهيّةٍ بالغة.. بالأمس، لم تكن لديّ شهيةٌ مطلقاً، إلاّ صباحاً.. حيث أكلت صحناً من شوربة معكرونة بجبنة، كنت قد طبختها منذ عدة أيام.. لكنها كانت مثلّجة تماماً في أسفل البرّادِ الصغير.. فوضعتُ فوق المعكرونة قليلاً من الماء.. غليتُها وتناولتُ صحناً.. وبعدهُ لم أتناول أيَّ شيء.. قال زوجي :
– سأشوي فرّوجاً..
قلت له:
– لا أحبه..
لكنني، في المساء، أجبرت نفسي بثلاث برتقالات متوسطات الحجم، وتفاحة.. ونمتُ، مع الأنينِ، والآلام.. واستيقظتُ بشكلٍ أفضل.. وأتيت..
أمي..
إلى اللقاء ياغالية..
*******************************************
الساعة الآن الثانية وثلاث وعشرين دقيقة، من بعد ظهر السبت الأول من شباط (فبراير) عام 2014م..
أجلسُ على الديفون، في صالونِ بيتِنا في (الضّهْر).. أمامي، فوق السّجّادَة، طربيزة بُنّيّة، عليها كأسُ ماءٍ زجاجيٍّ، فيه نصفه، ونظّارَتي، وبعضُ المناديلِ الوَرّقيّةِ البيضاء، وخشبة دائريّة رقيقة، عليها رَسْمَةٌ للطبيعة، يغلبُ عليها اللونُ الأخضر، وهيَ من صناعةِ الصين.. مدفأةُ الحَطَبِ البارِدَة، تبعُدُ عني حوالي متر.. وبعدَها بحَوالي متر ونصف المتر، شمالاً، الدّنسوار الذي يحملُ التلفزيون (سانيو) المُلَوّن، صناعة سوريّة، شاشة مُسَطّحَة (18) بوصة، على ما أظنّ.. على الحائطِ فَوقَهُ، ساعةُ حائط بُنّيّة مُرَبّعَة، أهدَتني إياها جارة أختي، عند إجرائي لعَمَليّة استِئصالِ المَرارةِ، في عيد الأم /21/3/2010م/….
كُنتِ عندي في (مَشفى الطّبّ الحَديث) في طرطوس، يا أميَ الغالية، معَ إخوَتي، وأخَواتي، وزوجي، وأقارِبي، وبَعْضُ مَعارِفي، وبَعضُ أقارب زوجي.. الدكتور، إبن أخ زوجي، هو الذي أجرى ليَ العَمَليّة، عن طريق التنظير.. ونَقَلَني بسَيّارَتِه، في نفس اليوم مساءً، إلى القرية.. إلى بيتِكم – بيتنا – بيت أهلي……
لم يستجيبوا لي، كما اتفَقنا قبل إجراء العملية، بأن أبقى في بيت أختي الأغلى (آمال) في طرطوس.. تعتَني بي هيَ وأسرَتُها الغالية، حتى أشفى.. وطالَما ضَمّني بيتُهُم، وضَمّتني أرواحُهُمُ الغالية، حيثُ كانَ يعزّ عَلَيّ الأمان، إلاّ مَعَهُم.. بكَتْ أختي (آمال) مُحاوِلةً أن لا أراها تبكي، وهيَ تحاولُ إقناعَهُم، كي لا يَحْنَثوا بوَعْدِهِم لي ولَها، بأن أبقى عندها بعدَ إجراء العَمَلية.. لكنّهُم فاجؤوني، وأنا لا حَوْلَ لي ولا قُوّة، بأنهم سيأخذوني منَ المَشفى، إلى القرية.. وتبَرّعَتْ أختيَ الصغرى، التي يبدو أنها اتّفَقَتْ مع زوجي على ذلك، أن تعتني بي في بيت أهلي عِدّةَ أيام، قبلَ أن يأخذوني إلى بيتي في (الضّهْر).. وأن تسهَرَ على راحَتي، ولا تترك أيّ شيءٍ ينقصني.. على أن أطلعَ مَعَهُم إلى القرية (كَي لا يحكي الناس عليهم) إذا بَقيتُ عندَ أختي………!!
لن أسترسِلَ، يا أميَ الغالية..
الطّقسُ مُشمِسٌ ودافئٌ، نوعاً ما، في الخارِج.. والهَواءُ شَرقيٌّ مُتوَسّطُ القوّة..
عندما استيقَظْتُ هذا الصّباح، وخَرَجْتُ إلى الحَمّام.. سمعْتُ من نافذتِهِ صَوتَ زوجي، و ….؟! لا أعرفُ مَن…!! يبدو أنهم يَعمَلونَ في الأرض.. وبَعْدَها……….. لن أكْمِلَ، يا أمي..
انتَقَلْتُ الآنَ إلى غرفتي، بعدَ أن مَلأتُ طاسَةَ االمِدفَأةِ بالمازوت، وأوقَدْتُها.. وجَلَستُ قُربَها.. أشعُرُ بالبَردِ، يا أمي.. معَ أنّ الطّقسَ في الخارِجِ مُشْمِس..
ما رأيُكِ، يا أمي أن نتصَفّحَ بَعْضَ ما دَوّنتُهُ على أحَدِ دَفاتِري من ذِكرَياتٍ قديمَة..؟! ننسى بها الواقِعَ الجافَّ.. ونُبدِعَ من مُخَيّلاتِنا الخَصيبَةِ، أحداثاً حَدَثَث بالفِعل.. لكنّ خَيالَنا يُضيفُ عَلَيها مسْحَةً منَ جَمالٍ، ودِفء.. كَتعويضِ نَقص.. فالذاكِرَةُ – غالِباً – (انتِقائيّةٌ) كما يقولون..؟!
يا الله..!!
أذكُر، يا أمي، في أحَدِ الأيام، كانَ أبي غائباً.. وقلتُم لي بعدَ أن كبرْتُ، أنّهُ كانَ يؤدّي الخدمَةَ العسكَريةَ الإلزاميّة، بعْدَ عَوْدَتكم من الأرجنتين.. لأنهم كانوا قد زَوّروا تاريخَ ميلادِهِ، وصَغّروا سِنّهُ، كي يتمَكّنَ من السّفَرِ، عَبْرَ (البَحرِ الأبيضِ المُتوَسّط) من ميناءِ (بَيروت) حتى يصِلَ إلى ميناءِ (بوينوس آيرس) قاطِعاً (المُحيطَ الأطلَسيّ) ليَحْظى بكِ يا أميَ الغالية.. أبي من مواليد تشرين عام 1931م.. لكنّهُ سُجِّلَ عام 1933م.. لأجلِ ذلكَ الغَرَض.. قالَ لي الدّكتور (عَلي بلال) رَحِمَهُ الله، يومَ كنتُ أتعالَجُ عندَهُ من عَطَبٍ نَفسيٍّ ألَمَّ بي، عَقِبَ زواجيَ المُبْكِر، وانقِطاعِ أحلامي.. كانَ بصُحبَتي الغالي زوجي، الذي تُحِبّينَه، وأحِبُّه.. هوَ و عَمّتي الغالية الحنونة الدافئة (آمنة).. بالمُناسَبة، سأحكي مَعَها اليوم، إن شاءَ الله..
استأجَرَ لي سَيّارةَ تاكسي من (المْرَيقِب) إلى (دِمَشق) مُتَنَقِّلاً بي من طبيبِ، إلى آخر.. عام.. وهَضمي.. و عَصَبي.. ونَفسي… مُستَميتاً في مُحاوَلَةِ عِلاجي، وإنقاذي ممّا حَلّ بي من مَرَضٍ كادَ يقتُلُني.. ولا يعرفُ أحَدٌ سَبَبَهُ، ولا تشخيصَه..
إلهي يعظّم أجرَك ياغالي.. كم كنتُ مُتَعَلِّقَةً بك..!! وكم كنتُ، وما أزالُ، وسأبقى مُعتَرِفَةً بمَواقِفِكَ المُتفانيةِ التي لا يُمكِنُ أن يَقِفَها سوى إنسانٌ نبيلٌ كريمٌ شَهمٌ، مُحِبٌّ، وَفيٌّ، مُخلِص..!! ما الذي جَرى يا حبيبي..؟!
أنا لستُ جاحِدَة.. أبَداً.. وأنتَ والجميعُ تعرفونَ ذلك.. لم أترُكْ شيئاً أعرفُهُ، وأقدرُ عَليهِ، في سبيلِ إسعادِكَ، ورَدّ الجميلِ إليكَ، إلاّ فَعَلتُه.. خسِرْتُ من صحّتي، وكرامتي، وتنازلتُ أو نسيتُ أغلَبَ حقوقي عليكَ، وعلى غيرِكَ مِمّن كانوا يؤثّرونَ في حياتِنا.. كي أردَّ هذا الدّيْنَ الذي ما يزالُ في عُنُقي.. لكن….. دونَ جَدوى…………
لن أطيلَ يا حبيبي.. لن أطيل..
(……. بكلِّ الحبِّ، والعِرفانِ..
أحملُ قَسْوَةَ الأيامِ..
صابرَةً.. بإيماني..
وحامِلَةً..
مبادئَ جَمّةً..
ماذا يكونُ المَرْءُ، لولاها..؟؟!!)
من إحدى القصائدِ التي كتبتُها في الثمانينات من القرنِ الماضي..
مايَجعَلُنا نعتمِدُ على القوّةِ الخالقةِ العادِلة، التي تُسَجّلُ عندها في سِجِلٍّ لا يُخطئ، أبَداً.. تُعاقِبُنا، وتُكافؤنا إن أخلَلْنا في ميزانها الطّبيعيّ المَوضوعِ بالقوّةِ والعَدْل، على صَفَحاتِ الكونِ الأزَليّةِ، السّرمَديّة.. هوَ شُعورٌ بالعَجْزِ عن إدراكِ كلِّ شيء.. أينَ أخطأنا بحَقِّ أنفُسِنا.. أو حَقِّ غيرِنا..؟! لكنني على ثِقَةٍ تامّة، أننا نُعاقَبُ، ونُكافأ.. إن أخلَلْنا في الميزان..
قالَ لي الدكتور (علي بلال) وأنا أرتَجِفُ منَ التّوَتُّرِ النّفسيّ، خَلفَ مَكتَبه في عيادَتِهِ في (شارِعِ العابِد) في دِمَشق، وهوَ يبتَسِم: أنتِ بنت صالح سليم صالح..؟! قلت: نعم.. قال: أنتِ مَريضة..؟! قلتُ لهُ: نعم.. نعم يا دكتور.. ألله يخلّيك عالجْني، أنا مُتوَتّرَة.. متوَتّرَة جداً..
ضَحِكَ، بهُدوءٍ، واستنكارٍ، وقال: لا والله لستِ مَريضة، إلاّ إذا كنتُ أنا مَريضاً.. وتابعَ : الدكتور محمود، يمدَحُ بكِ كثيراً، في رسالتِهِ هذه.. اذهبي.. اذهبي، وكُلي.. كُلي.. وخُصوصاً حلويّات.. أبوكِ كانَ معي في المدرسَة، بنفسِ الصّفّ في طرطوس.. قالَ لنا، بزُهُوٍّ، عندما أرادَ ترْكَ المَدْرَسة، من الصّفِّ الثامِن، عندما سألناهُ لماذا..؟! قال: أنا مُسافِرٌ، لأتزوّج..!! ضَحِكَ الدكتور (علي).. وحاوَلْتُ الإبتسام..
عمّتي، وزوجي في غرفةِ الإنتظار.. والبابُ مَفتوح..
——————————
.. ستَسْعَدينَ الآن.. أتعرفينَ لماذا..؟! قبلَ قليل، اتصَلَتْ بي ابنةُ الغالي، لتُخبِرَني أنّ (الشّوبَك) الذّكرى.. الذي طَلَبْتُهُ منكِ، في أحَدِ الأيام، لأحتفِظَ بهِ كَتَميمَةٍ دافئة، تُدفئ صَقيعَ أيامي، حينَ يهجمُ البَرْدُ القارِس.. لأنهُ يحملُ من ذِكرياتِنا مَعاً، الكثيرَ.. الكثير.. عندما كنتُ أرقُّ بواسطتِهِ لكِ العَجينَ على التّنّورِ، على مَدى أكثر من ثلاث سنوات، قبلَ زواجي.. وتقرصينَني في زَندي، إن كانتْ أطرافُ الرّغيفِ سَميكَة….. تضحَكين..؟! (سأحاسبكِ..!!).. الشَّوْبَك، صارَ مع بنت أخي.. هل سُرِرْتِ..؟! أعرفُ ذلك.. وأنا سُرِرْتُ جداً.. كنتُ أشعُرُ أنّ هذهِ التَميمَةَ، يجبُ أن تُحفَظَ معَ إنسانٍ جَديرٍ بها، ويعرفُ قيمَتَها المَعنويّة.. فاخترتُ الغالية ابنة الأغلى، لترِثَهُ عَنا.. يا أميَ الغالية..
سأعودُ لأحكي ما أذكرهُ من ذلكَ اليومِ الذي كانَ أبي فيهِ غائباً، ولم يَكُنْ في ذلكَ البيتِ الطينيِّ العريق (بيت الشّرقي) غيري أنا (فاطمة) الطفلة النائمة في السريرِ المعدنيّ، قُرْبَ الحائطِ الشّماليِّ، المُحَوّرِ، والمُزَنّر.. مُقابلَ السريرِ الحديديّ، الذي كنتِ تنامينَ عليهِ، أنتِ وأختي الأصغر مني بسنتين وثلاثة أشهر.. كانتْ (امرأةُ عَمي أم يحي “قَنّوع سلامة”) مَرَبّيَتُنا.. كانت تحاوِلُ إجلاسَها على الحَصيرِ المَصنوعِ منَ القَشّ.. بعد أن نزعت الحفاض المبلل .. مازلت أذكر ذلك المنظر الذي كنت أراقب تفاصيله، وأنا أنام (فوق خمّتي) مبللة ثيابي أيضاً، وفستاني النصف كم (نفخ) وفي مقدمته (إسوارة) من نفس القماش (الكرنش) المزهر بزهرات ناعمة، والمزموم من الخصر.. وكنت تخيطين ثيابنا وثياب العائلة كلها، الداخلية والخارجية، وتخيطين بالإجرة لبعض أهل القرية.. نساءً وأطفالاً، شباباً وشيوخاً..
لم أجرؤ على النهوض، قبل أن تجفّ الفَرشة قليلاً، وتجفَّ ثيابي.. تجنباً ل (قتلة) مؤكدة منكِ، لأنني فعلتها..
كانت (امرأةُ عمي أم يحي) رحمها الله تعالى، تحاول أن تُجلِسَ (آمال) على الحصير، كي تبعد الحفاض المبلل، وتحضر آخر جافاً، لتحفّضها من جديد.. لكنها، كلما ابتعدت قليلاً، تميلُ الصغيرةُ، وتكادُ تقع على جانبها.. فتسرع (مرت عمي) العجوز الدافئة.. الدافئة جداً يا أمي، وتستنكرُ ماحَصَل : (لاه.. لاه.. لااااه… ألله يلعن أبليس).. وتحاول إجلاسَها مرّةً ثانية، للحظةٍ، فقط.. كي تبدّلَ الحفاض..
كانت – رحمها الله – قد لاحَظتِ استيقاظي، مازلتُ أسمَعُ صَوتَها الدافئ: ( فِقتِ، يافاطمة..؟! إي يا الله، قومي بقا.. قومي يا بَيّي….. ) فأغمضُ عَينَيّ المُخادِعَتينِ، كي تظنني عُدتُ إلى النوم.. فتعاودُ مناداتي وهي تغنّي لي لَحناً تُراثياً دافئاً، مَرَحّبَةً باستيقاظي.. وتحثّني على النهوض: (فَطّوما.. فاطّوما………. إلخ) لكنّ (فَطّومَة) الماكِرَة، كانت تخطّطُ لفِعْلِ إنقاذيٍّ ما، وهي تدّعي مُعاوَدَةَ النوم..
كُنتِ قد أحضَرْتِ خِرقةً قطنيّةً بيضاءَ مُرَبّعةَ الشكل، وطَوَيتِها على شَكلِ مُثلّث، واتّجَهتِ صوبَ أختي الصغيرة، الشقراء الجميلة..لتربطيها حولَ إليَتِها، كحِفاضٍ جافٍّ، ونظيف.. لكنكِ فوجئتِ أنها بالتْ تحتها فوق الحَصيرِ، قبل أن تتداركيها.. فأنّبْتِ نفسَكِ (يامَرت عَمّي) الغالية : (لااااه.. لاااه….!! ألله يلعن أبليس) ورَفَعْتِ أختي من تحتِ إبطَيها، و (دَحْدَحْتِ) بها إلى مكانٍ بعيدٍ عن البول، لتشَطّفي لها، وتجفّفيها وتعاوِدي تحفيضَها.. وكانتِ الفرصَةُ الحُلُم، وغير المتوقَّعَة، بالنسبةِ لي.. فغافَلتُكِ..وقفَزْتُ من سَريري، بسرعَةِ البَرقِ، جَلَسْتُ فوقَ بولِ أختي.. وعندما لَمحتِني، سارَعْتِ إلى تنبيهي: (لاه.. لاه.. لاه يا بَيّي.. ألله يلعنك يا أبليس.. قومي قومي.. خيتك شَخّت عندِك..).. لكنني لم أقمْ بسُرعَة.. فكَرّرتِ تنبيهي.. فنهَضْتُ، مُتباكيَةً، وأنا أتلَمّسُ فستاني.. مُدّعِيَةً أنهُ للتّوّ تلوّث..!!
تضحَكينَ، يا أمي..؟!
رحمكم ربُّ الكون.. يا زمانيَ الدافئ.. القاسي.. الفقير.. الغنيّ.. الحنون……………
كنتُ أشعُرُ بينكم بالحياة.. بكُلّ مَعانيها..
ولم أشعُرْ بَعدَها بها……… أبداً…… يا أمي…
الساعَةُ تقاربُ الرابعةَ عَصراً..
ستأتي الكهرباء التي انقطعت في الواحدة..
سأستريحُ قليلاً..
إلى اللقاء…… يا زمانيَ الدافئ.. إلى اللقاء يا أهليَ الغوالي..
********************************************
تحضرينَ في خاطري ووجداني، وأنتِ تحملينَ مِنكاشاً (مَنكوش) صغيراً، وتنزلينَ إلى حَقلنا (الحير) القريب الذي كان مزروعاً في العام الماضي بالبطاطا.. تبحثين عن (سِمْخٍ) يبزغُ فوق الأرضِ القاسية، بزوغَ الأملِ في روحٍ تحلم.. وكلَما بَدا لكِ (سِمْخٌ) تسارِعينَ للبَحثِ، بالمنكاش تحتَ التراب.. لتستخرِجي بَعضَ حَبّاتِ البطاطا الصغيرة جداً.. تجمعينَ ثروَتَكِ هذهِ في (جْمَيِّم) من القَشّ، حتى لو كانتِ الحَبّةُ بحَجْمِ (الكِلّة).. تعودينَ بها ظافرَةً إلى البيت.. تقلينها، أو تسلقينها.. أو تطبخينها بمقلي الفَخّار مع البصلِ والبندورة.. أو تحمسينها بالزيت والملح.. لنا.. أو للضيوف.. أو لأبي وأخي وعمي وعمتيّ وجَدّتي، عند عَودَتِهم من العملِ بالأرض… فينشرحُ صَدْرُكِ الغالي الحبيب.. لأنّكِ أمّنتِ وَجبَةً للعائلة، كنت تخشينَ ألاّ تجدي ما تطبخين، لولاها..
وأراكِ في دار بيت الشرقي، في حُفرةٍ صغيرةٍ أنزَلَكِ فيها (كْحال) الضخم، وراحَ يُداعِبُكِ بقرنَيهِ الصّلدَين.. وأنتِ تبحثين عن سلاحٍ.. ولا تستطيعُ يدَاكِ الظفَرَ سوى بقضيبٍ صغيرٍ رَفيع، تحاوِلينَ إبعادَ الثور المُشاكِسِ، وأنتِ خافِضةَ الرأسٍ خوفاً من أن يُحَطّمَهُ الأهبَل.. فتضربينه بالعصا.. فتارَةً تحقّقُ إصابَةً ناعمةً على قرنه.. وتارَتينِ تقعُ الضّربَةُ على رأسِك.. وبقيتِ على هذه الحال، حتى تعِبَ الثورُ ومَلّ من هذهِ اللعبَة.. فقرّرَ الإبتعادَ، والبحثَ عن تسليَةٍ أخرى وَقْتَ القيلولة.. فنَهَضتِ مُضَعضَعَةَ العظامِ، والروح.. تبكين وتضحكين وأنتِ تروين لنا ما حَدَث.. وتُرينا الكَدَماتِ الزرقاء التي خَلّفتها هذه التسلية الحيوانية الفظّة..
وأراكِ تشعرين بالحَرَجِ، وأنتِ تطلبين من (أم علي سليمَة) أن تعيرَكِ فَرْشَةً أو لحافاً إضافيّين.. لأنّ بيتنا مليءٌ بالضّيوف.. ولم تعُدِ الفرشاتُ تكفي ليناموا ليلتَهُم، قبلَ أن يعودوا في الصباح الباكرِ، إلى قُراهُمُ البعيدة.. وتشعرينَ بالإمتنان والحبّ، عندما تناولُكِ جارَتُكِ العجوزُ الفراشَ مَطويّاً، من فوقِ حائطِ المِصطَبَة.. وتطلبُ منكِ الحِرصَ على الإمساكِ بهِ جيّداً.. وتعود.. وعندما تفرشينهُ فوق الحَصيرِ على أرضِ البيت.. تُفاجَئينَ بعِدّةِ أرغِفةٍ من الخبزِ، وعَدَدٍ من أقراصِ الشنكليش، وبعض البيضِ البَلَديّ.. فتدمَعُ عيناكِ فرَحاً وامتناناً من تلك الجارة العجوز الكريمة الحنونة.. التي قَدّرَتْ حاجَتكِ، وأهدَتكِ ما تتوقّعُ أنكِ ستحتاجينهُ لضيوفِكِ، الذينَ يترَدّدون على بيتكم (بيت الكَرَم والعزّ، وقَضاءِ الحاجات) أغلَب الأيام.. وتبقين تتذكّرين (أم علي) بالكثير من الإحترام والتقدير.. وتحدّثيننا بما كانت تفعل.. وتحدّثي غيرنا في كل مناسَبة… رغمَ أنكِ لم تقَصّري، ولايمكنُ أن تقصّري معها ولا مع غيرها، يوماً.. بأيّةِ خِدمَةٍ ممكنة..
مازالت كنّتُها تتحدّثُ عن (فَضْلِكِ) عليها في أمَسّ أوقاتِ الحاجة.. خصوصاً عندما كانت تلِدُ.. أو تُجهِض.. وأنتِ تساعِدينها على الولادَةِ.. وعلى التَخلّصِ من الخلاص.. تقولُ أنكِ كنتِ تُحَمّمينها.. وتغسلي لها حاجاتَها، بكلّ نفسٍ راضية.. كأنها أختُكِ، أو قريبتُك.. وتبكي وهي تحدّثُنا بتأثُّرٍ بالغ.. وتقول : هذه أمّنا.. أمّي أنا.. وأمّ الجميع.. رغم أنها قد تكون بعمرك..
كما أراكِ تعترضين على أبي عندما كان يستشيرُكِ أن يبيعَ البقرة، ويريحَكِ من أعباءِ العناية بها.. بعد أن رأى صحّتَكِ لم تعُد تحتملُ التعَبَ الشديد.. تحتجّينَ ساخِطَةً.. وترفضين بيعَها.. وعندما يسألكِ عن سبب اعتراضِكِ.. وهو يهدفُ إلى راحَتِك.. تجيبينه دامِعَةً.. و (تُبَرْوِتين) : إذا بِعتَها يا سيّد أبو (اسماعيل) من أين سأدَبّرُ الحليبَ.. أو اللبنَ.. أو الشنكليش.. أو الكشك.. أو المتبّلة.. أو الزبدة والسمنة وغيرها..؟! وإذا مرضَ أحدٌ من أهل القرية، ماذا سآخذ له إن لم يكنْ عندي (درّ)..؟! (أم محمود) هذه العجوز الوحيدة.. كنتُ آخذُ لها حين أزورُها.. أو أرسلُ لها كأساً من (العيران) لتبلّ ريقها به.. ماذا سآخذ لها إن بعتَ البقرة..؟! و (الشغ سليمان) ذلك العجوز المريض.. كنتُ آخذُ لهُ حين أعيدُهُ، سَطلاً من الحَليب.. ماذا سآخذُ لهُ، عندما أزورُهُ، إذا بِعْتَ البقرة..؟! فيبتسمُ أبي الغالي.. ويؤجّلُ بيعَها إلى أن تقتنعي أنتِ، وتطلبي بنفسِكِ بَيعَها..
كما تحضرين في روحي، وبكل تقدير، وإعجاب.. عندما كنت تستيقظين باكراً، أكثر من المعتاد.. وبهِمّةٍ عالية، لتنجزي كل أعمالكِ اليومية، والمستقبلية التي لا بدّ منها، ولا تقبلين أن ينجزَها أحَدٌ سِواكِ.. قبل أن تحضّري نفسَكِ للنزولِ إلى (طرطوس) لتُجري عمليةً جراحيةً، ولا تستجيبينَ لطلبِ أبي الغالي، بأن تتركي كلّ عمل.. وترتاحي جيداً، قبل أن تنزلي.. يقول لكِ، أنهُ سيأكلُ بنفسه.. ولا يهمّ ماذا يأكل.. الطعامُ متوفّر لله الحمد.. وهو سيحضّر طعامَهُ بنفسهِ في غيابك.. وعندما تعودين بالسلامة وتتعافين جيداً ستعودين لتحضّري له الطعام الذي يناسبه.. فأنتِ تعرفين ماذا يناسب صحّته أكثر من أي إنسانٍ آخر.. والجَلي والتنظيف وترتيب البيت، وتحضير عَدد من الطبخات للعمالِ الذين يشتغلون في الأرض.. كنت تعملين بجهدٍ مُضاعَف، وسُرعةٍ أكبر.. وتوصينَ أفرادَ الأسرةِ أن ينتبهوا لهذا الشيء، أو ذاك.. حتى تعودين.. وعندما تلاحظين اهتمام الجميع بكِ، وخصوصاً أبي..تقولينَ مازحَةً:
( – لو كنتُ أعرفُ أنكم ستهتمّونَ بي، وتدَلِّلوني إلى هذهِ الدّرَجَة، كنتُ سأجري كلَّ يومٍ عمليّةً جراحية..!! )
وعندما يسألكِ أحدٌ، كيف يشغلكِ كلّ شيء إلاّ العَمَلية..؟! تُجيبينَ، باستِغراب :
( – ويلي أنا..!! بعمري لم أخفْ من إجراءِ عملٍ جراحيٍّ، أبداً.. ماذا يخيفُ بالعَمَليّة..؟! هل سأشعرُ بألم..؟! سأكونُ مُخَدَّرَة.. وإذا مِتُّ وأنا مُخدّرَة، هذهِ أمنية.. ما من ميتَةٍ أسهل من أن يموتَ الإنسانُ وهوَ مُخَدَّر..!! ) وتضحَكينَ، غير عابئةٍ بقلقِ مَن حَولِك..
عندما أدخَلوكِ إلى غرفة العمليات في (حَلَب) وابنُكِ الغالي بجانبك.. لم يسمحوا لهُ بالدخولِ معكِ.. هوَ الرهيفُ الحَنون، إلاّ بَعْدَ أنْ ألبَسوهُ الثيابَ الخضراءَ المُعَقّمَةَ.. وحذاءً مُعَقّماً، أيضاً.. وطاقيّةً معقّمةً تخفي شَعرَةُ الكثيف، وكَمّامَةً، لاتسمحُ لهواءِ زفيرِهِ أن يَخرجَ في فضاءِ الغرفة… استلقَيتِ على سريرِ العَمَليات.. وقبلَ أنْ يخَدّروكِ، قُلتِ : يا الله.. استعَنتُ بألله.. وبعلي زين العابدين….. فهَمَسوا في أذنكِ، أن عليكِ ألاّ تقولي هنا هذا الكلام.. لأنهُ يوجَد أغراب.. فأجَبتِهِمْ بثقة : لماذا..؟! هذا دينُنا وإيمانُنا.. إي والله، استعنتُ بالله.. وبسيّدنا علي زين العابدين.. فضحكوا.. وخَدّروكِ.. وأجروا لكِ العمليةً بنجاح.. لله الحمد..
**************************************************************
وعندما يطلبُ منكِ أبي أن تذهَبي مع إخوتي وأخواتي في نزهةٍ، إلى مَطعَم.. أو متنزّه.. أو زيارةٍ لأقاربَ أو مَعارفَ تحبينهم.. يقول لهم أبي :
– خذوها إلى المكان الذي ترغب به.. إلى أيّ مكانٍ يُسعِدها.. أنا غيرُ قادِرٍ على إسعادِها.. ولا أحبُّ المَطاعِم.. ولا أستطيعُ أن أفرح..
ويطلب لكم سيّارةَ أجرَة، كي تكونَ تحتَ تصرّفكم.. وأن تصطحبي معكِ كلّ مَن تحبين.. وكلّ مَن يُسعِدكِ…. وألاّ يبخلوا عليكِ بشيء.. وهوَ مُستعِدٌّ للدفع، مُقابلَ إسعادِك..
أحياناً كنتِ تتعزّزين، لأنكِ لا ترغَبين بتركِ أبي وهوَ مريض.. (- أخافُ عليهِ من (هالشّرْدوقَة ).. والله إذا حصلتْ معهُ، وهو بمُفرَدِه، قد يموت منها، لا سَمَحَ الله.. أنا غير قادرة على تركهِ، أبداً أبداً.. لن أتركَه.. )..!!
***********************************************
(أمي حبوب) هي زوجة جَدّي (الشيخ محمد صالح صالح) الإبن الأكبر لجدّي (الشيخ صالح) و هي (حَبّوب بنت الشيخ عباس) عمة جدّتي (خديجة أحمد عباس) (أم صالح) و سلفتُها..كانت – إن حصلتْ على لقمةِ خبزٍ (رغيف ) أو (شَدّوق )، مثلاً.. تضعهُ في عبّها، وتخرجُ منهُ لقمَةً، لقمَة.. تلقّمُ بها أولادَ سِلفها الصّغار.. أبي.. صالح سليم صالح.. وعمتى فاطمة.. وعمي علي.. وعمتي ندة.. وعمتي آمنة.. وعمي محمد.. وابنتها (عمتي خديجة)…….لذلك، كانوا يدعونها (أمي حبوب )..
***********************************************
أمي..
ألا تسمعين زخّات الرصاص المنبعثةِ من فوّهاتِ البنادق العسكريّةِ، بغزارةٍ كبيرة..؟!!
أهنئكِ أنكِ لا تسمعينها..
إنها آتيةٌ من قرية “شريجس” التي تودّع اليومَ، أو، تزفّ – كما يقولون – شهيداً شاباً من أبنائها.. لا أعرف رقمهُ بين شهداءِ هذه القريةِ المنكوبة.. ربما اقتربَ عددُ شهدائها من ثلاثين شهيداً.. قريتنا الغالية فقدتْ، حتى الآن، خمسةَ شهداء من أبنائها.. هم على التوالي.. (العميد الركن عيسى صالح سلامي ) إبن إبن عمتك البطلة (أم علي آمنة ) اختطفوه، وعذّبوه، ربما ليومَين، أو أكثر، ثمّ وُجِدَتْ جثّتُهُ قربَ الساعة، في مدينةِ حمص..أخبرَتني أختُهُ الطبيبة، أنّ بقايا لحمِهم كانت ماتزالُ تحتَ أظافِره.. دليلاً على شدّةِ مُقاوَمَتِهِ لهم.. وأضافتْ : والله، حتى لو قطّعوهُ إرَباً، إرَباً، لا يمكنُ أن ينشقّ عنِ الجيش..!!.. و (الملازم شرف أحمد صالح حسين ).. إبن صالح ديبة.. أو، صالح ابراهيم.. و ( العقيد الركن نضال محمد سلمان ) إبن الأستاذ محمد غانم سلمان.. و (النقيب ملاذ علي حامد ).. إبن جيرانِنا.. و (النقيب المهندس بُنيان بدر ونوس ).. إبن بدر إبن كامل غبيسو، يا أمي…
تذكّرتِ أخي اسماعيل…؟!
لكلّ شهيدٍ منهم قصةٌ، يا أمي الغالية.. اليوم، كان هناك إلى المنطقة هنا(الشيخ بدر ) أربعةُ شهداء.. ( من شريجس ) و (بيت دَوحة ) و (المجيدل ) و (الورديّة) ..
أمي..
الساعة الآن الثالثة واثنتيّ عشر دقيقة من بعد ظهر يوم الأحد السادس والعشرين من شهر كانون الثاني عام 2014م.. أنا في بيتكم – بيتنا – بيت أهلي… في غرفتكم الشرقية.. أجلس على نفس الديفون الذي كنتُ أجلس عليه عندما بدأتُ روايتي هذه في الأول من أيار عام 2013م.. لكنّ سريركِ لم يعدْ هنا في الغرفة.. صارَ في الصالون.. ينامُ فوقهُ ابنُ أخي الأغلى..
سأستريحُ قليلاً، يا أمي.. لأتغدّى رزّ بحمّص.. طبختُهُ قبلَ قليل، عندما أتيتُ مع الدكتورة، وزوجها من عيادتها إلى عند (الشيخ علي سلمان).. هما تابَعا نحوَ الفرنِ ليُحضِرا خبزاً طازجاً.. وأنا تابَعتُ إلى هنا سَيراً على قدَميّ، معي اللابتوب في شنطتهِ أو محفظتهِ الجلديّةِ الخاصة.. تناولتُ الحمّصَ من الثلاجَة، كنتُ قد سَلقْته في بيتنا سابقاً.. مازالت زخّاتُ الرصاصِ تخرقُ عِنانَ السماء، يا أمي، لتُسمِعَ السماءَ كم نحنُ مقهورون.. لم أجرؤ على الخروج من البيت هنا عندما مرّت جنازةُ الشهيد.. أخافُ من الرصاصِ المتمرّد الطائش، يا أمي.. لن أتوقّف عن الكتابة مباشرةً على اللابتوب.. لقد أحضرتُ صحناً من الصينيّ الأبيض متوسط الحجم.. تعرفينه جيداً.. كان لديكم منه دزّينة..”12″ صحناً.. ملأتُه بالرز.. أضفتُ إليه كميةً من زيتِ الزيتون.. وجئتُ آكلهُ هنا على الطاولة البُنّية.. وأكتب.. أشعرُ بالبردِ قليلاً، يا أمي.. فقد فتحتُ عدةَ نوافذَ في البيت.. والطقسُ في الخارجِ غائمٌ بشكلٍ كلّيّ.. هل تحملُ هذه الغيومُ الرماديةُ الغامقةُ، زخّاتٍ من المطر..؟! أم علينا ألاّ نرى إلاّ زخّاتِ الرصاص..؟! ألله كريم.. أعرف.. لكنّ المطرَ تأخّرَ جداً هذا الموسم.. سأغلق بعضَ النوافذِ، وآتي… أغلقتُها… الرزّ قليلُ الملح.. وقد برَدَ بسُرعة..لكن.. لا عَليه.. طيّب….. آخ…!! ما طعمُ الحياةِ إن لم يشاركْنا فيها الأحِبّة..؟! لا.. وغيرُ الأحِبّة..؟! فلا يُظهِرُ النقيضَ، إلاّ النقيضُ.. أتفلسَف..؟! لكنها الحقيقة… ربما هي المتناقضات التي تشكّلُ الكونَ، والحياة.. عندما وصلتُ إلى أمام البيت، كانت بنفسجاتُكَ يا أبي الغالي، قد أزهَرَت… قطفتُ باقةً صغيرةً منها، وأحضرتها إلى هنا.. وضعتُها في كأسٍ زجاجيّةٍ مستطيلةٍ جميلة، مذهّبة عند فوهتها الدائرية… وملأتها بالماءِ من الخزّان من حنفية المطبخ.. هاهي الآن أمامي.. رائحتُها اللطيفةُ الناعمةُ تنعِشُ روحي، وأنفي.. أشعرُ أنها رائحتُكَ يا أبي.. أيها الغالي… أرجو أن تكونَ سعيداً حيثُ أنت…
أتذكُرُ حينَ تواصَلتُ معكَ بالروح، عندما كنتَ في لحظاتكَ الأخيرةِ في هذه الفانية..!! كنتَ في مشفى تشرين العسكري في دمشق.. وكنتُ في بيتنا في الضهر.. زوجي بجانبي… يروحُ، ويأتي… وأنا أبكيكَ بصمتٍ، يا أبي الغالي… وأحدثُكَ بما كنتَ تعلم، وبما لم تكنْ تعلم… شرَحْتُ لكَ كلّ شيء.. كلّ مالم يكنْ واضحاً بالنسبة إليك.. وكنتُ أشعرُ أنّ روحَكَ الطاهرةَ العامرةَ بالحبّ والحنين، معي… تكلّمني بلغتها الخاصّة.. تفهمني… تسامحني… تتفهّمُ كلّ تصرّفاتي، وردودَ أفعالي… تحضنني، بندّيةٍ، وأبوّةٍ خالصة.. شعرتُ أنكَ قد عرفتَ كم أحبكَ يا أبي الغالي.. وكم أقدّرُ كلّ ما عانيتَهُ من أجلنا.. ومن أجل كلّ مَن التجأ إليكَ –يوماً- غريباً، أم قريباً… لايهمّ… المهمّ أنكَ كنتَ صادقاً، ووفياً، وحازماً، ومخلِصاً للجميع.. حتى المخطئين… لأنكَ كنتَ تفعلُ المستحيل.. بكلّ ما أوتيتَ من قدرةٍ وذكاءٍ، وحِنكةٍ، وعدل… كي تردّهُ عن ظلمِه.. أو خطئِه… جازاكَ اللهُ خيراً، يا أبي الغالي…
إذا نجحَ أحدُ الفقراءِ في قريتنا، أو تفوّقَ، أو أنجَبَ، أو عادَ من سفر.. أو.. أو.. أو…. كنتَ تسارِعُ في الخيرات… فترسلُ لهُ هَديّة.. أو بعضاً من النقود.. أو تحضرُ الشوكولا.. والسكاكر.. وتضيّفُ زوّارَك الكثُر.. وتُبدي لهم سعادتك.. ( تعِبْتَ جداً، يا أبي… فليُعطِكَ الإله.. غايَتَكَ التي هي.. رضاه.. ).. آمين يارب العالمين.. لم تكنْ تريدُ جزاءً، ولا شكورا…
فلتهنأ يا أبي.. أكيد، التقيتَ بحبيبةِ عُمرِكَ.. والتقتْ بك… هل أنتما سعيدانِ معاً أيها الغاليَين..؟! أكيد… كنّا نمزحُ مع الغالية أمي.. ونقولُ لها أننا نخشى أن تقتلَ نفسَها كي تسرعَ باللقاءِ بكَ يا غالي.. كم كانتْ تفتقدُكَ يا أبي..!! حبيبها.. وحبيبتكَ الوحيدة.. والوحيد… رحمكما الله تعالى أيها العاشقينِ الغاليين..
أنهَيتُ صحنَ الرز يا أمي… الحمد لله رب العالمين…
إلى اللقاء يا أمي…
الساعة الآن الرابعة وإحدى عشرةَ دقيقة..
لا.. لن أنهي.. سأكتبُ قليلاً.. اتصلْتُ قبلَ قليل بابنِ أخي :
(- عمتو.. أريدُ عشر محمّرات ).. قال أنهُ سيُحضِرها بنفسهِ إلى هنا.. عندما يغلقُ المطعمَ الجديدَ الذي افتتحوهُ منذ حوالي نصف شهر.. لبيعِ المعجّنات.. وغيرِها.. في (وادي ورور) أو (أرض الوَتد )… بكم القطعة ياعمتو..؟! بخمسةٍ وثلاثينَ ليرة.. إذاً العشرةُ بثلاثمئة وخمسين ليرة.. لاعليهِ يا أمي… فقد وضَعَ لي أخي الغالي مبلغ ألفَيّ ليرةٍ هنا في علبةِ الدواءِ التي كنتِ تستعملينها.. وقبلكِ أبي… أظنّ أنّ بنت الأستاذ (يوسف) إبن خالكِ، المرحوم… و كنّة عمتي.. أحضَرَتْها لأبي.. كهَديّةٍ، منذ سنوات…. وبالتأكيد.. دفعَ ثمنَها، أضعافاً.. كعادَتِه… في طريقي إلى هنا، مرَرتُ إلى باب بيت أخي (محمد) لأعيدَ عدداً من (مجلةِ المعرِفة) كنتُ قد استعرتُه من ابنتِهِ الصغرى.. وهي لخطيبها… وسيتزوّجا في الثاني والعشرين من شهر شباط القادم.. إن شاء الله.. حاولتُ أن أضعَ المجلةَ داخلَ شَبَكِ الحَديدِ على نافذةِ غرفتِها.. لكنّ أمها فتَحَتْ بابَ المَدْخل.. قلتُ لها :
– رأيتِني من النافذة..؟!
قالتْ: – لا والله.. لكنني فتحتُ البابَ ل….
نسيتُ لماذا…
اعتذرتُ أنني لم أكنْ أظنّ أنّ أحداً في البيت، فحاولتُ وضعَها على النافذة… قالت :
– لا عَليه..
ودَعَتني للدخول.. فاعتذرتُ.. سألتُها عن الجميع بمن فيهم أمَّها.. أجابتْ أنهم جميعاً بخير.. سألتُها ماذا بها..؟! قالتْ أنها كانتْ تبكي الشُّهداء.. رحمهم الله.. قلتُ لها: معكِ حقّ… لا نستطيعُ تحمّلَ ما يَحدُث… لكن.. علينا بالمزيدِ من الصبر… ودعوتُ الله أن يفرّج عن سوريا… أظنّ أنّ أسبوع الشهيد الغالي (بُنيان) كان اليوم.. أو، بالأمس… شاهدتُ عدةَ شبابٍ يثبّتونَ صورةً لهُ على حائطِ شُرْفةِ بيتِهم من جهةِ الطريقِ العام.. لم يلتفِتوا لأسَلّم عليهم.. تابعتُ مَسيري إلى هنا..
على المَفرَق عندما يتفرّعُ الطريقُ الآتي من (الشيخ بدر) إلى هنا.. ويصعَدُ نحوَ المَبَرّة.. ونحو بيتنا… هناكَ نصَبَ شبابُ القرية الغوالي.. قوسَ نصرٍ عليهِ صورةُ الشهيد (بُنيان).. وصورة (الشيخ صالح العلي).. وصورة (الرئيس بشار الأسد).. الشهيدُ الغالي يرفعُ إشارةَ النصر… والقوسُ ذو العمودَينِ الخشبيّين، المثبّتين على جانبَيّ الطريق.. تصِلُ بينهُما خَشبةٌ مُعترِضة.. على ارتفاعِ عِدّةِ أمتار.. تكسو الخشباتِ زينةٌ من أغصانِ (الريحان ) الآس.. باللغة الفصحى… يبدّلون اللوحةَ والإسم عندما يزفّونَ شهيداً آخر.. إلاّ أنتَ يا غالي.. (أحمد صالح حسين).. فقد نصَبوا قوسَ نصرِكَ هنا… في أوّلِ الزاروب… الذي يتخلّلُ القرية ليصِلَ إلى بيتِكم عند (الرّويسة) ..لكن، هناكَ في لوحةٍ مُضيئةٍ مُثبّتةٍ على عَمودِ الكهرباءِ في أوّلِ القرية، ترتفعُ صورتُكَ الغالية.. مبتسماً، بلطافَةٍ حزينةٍ – كَعادتكَ- يا أحمد..
أمي..
الساعة الآن الرابعة وخمس وثلاثون دقيقة.. سأتركُ الكتابة.. وأذهب إلى بيت أخي .. فقد سمعتُ صوتَ “موتور”.. قد يكون أخي حضرَ بواسطتهِ من دوامِه.. حيثُ تقلّهم سيّارةٌ خاصةٌ بنقلِ عُمّال المِصفاة، من الشيخ بدر إلى عملهم.. فيترك “الموتور” تحتَ بيتِ أخيه… ويحضِرهُ عندما يعود…
أو قد يكونُ ابنُه، قد حَضَر، ومعهُ (المحَمّرة)..
إلى اللقاء يا أمي..
منذ الثاني والعشرين من هذا الشهر.. و “مؤتمر جنيف 2 ” ينعقد بحضور الوفد الرسمي العربي السوري المؤلّف من : (السيد وليد المعلّم) وزير الخارجية والمغترِبين.. و (السيدة الدكتورة بثينة شعبان).. و (السيد الدكتور بشّار المقداد) نائب وزير الخارجية والمغتربين.. و (السيد عمران الزعبي ) وزير الإعلام.. و (لونا الشبل)، التي كانت (مذيعة في قناة الجزيرة القطَرية) المُجْرِمَة..
يكفينا من هذا المؤتمر موقفُ السيد الوزير المعلّم عندما قال لوزير الخارجيةِ الأمريكيّ المجرم “كيري “.. وهو يشير بسبّابتِهِ الكريمَة :
(( سيد كيري.. لا أحدَ في العالم… لا أحدَ في العالم.. سيد كيري… لا أحد في العالم.. يحقّ له أن يقرّرَ مصيرَ الشعبِ السوريّ، إلاّ الشعب السوريّ نفسه..))
وموقف السيد المقداد، عندما سأله أحدُ مُراسِليّ وكالات الأنباء العالمية (نعرفُ أنكم تتمسّكونَ ببشّار الأسَد..) فقاطعَهُ (السيد بشار المقداد ) قائلاً :
– مَنْ هو بشّار الأسَد..؟!!
قال المُراسِل :
(- الرئيس بشار الأسد)…
فقال المقداد:
-تابعْ سُؤالك……
وقد تناقلتْ وسائل الإعلام هذين الموقفين ورَدّدتهما وماتزال بين فترةٍ وأخرى تردّدُ المقطعَين…. وكان ذلكَ رافعةً كبيرةً لمَعنويّاتنا نحنُ السّوريين، ولمَن يدعَمنا في العالم كلّه…
آخر مرة يظهر فيها الغالي (السيد الرئيس بشار الأسد) على التلفزيون، في إحدى إطلالاته في لقاء على محطّة تلفزيونية غربيّة، كانَ يبدو نحيلاً، وكأنهُ كبرَ فجأةً عدّة سنوات… لو أنكِ هنا يا أميَ الغالية، كنتِ “عَيّنتِ ” لهُ.. وقلتِ : الله يعينَك.. مسؤوليتُكَ ليستْ سهلة….!!
***************************************************************
أحتاجُكِ الآن، يا أمي.. لتضمّيني في حضنكِ الدافئ.. وتمنحيني الأمانَ الذي فقدتُه.. وتروي عطشي إلى الحب الصادقِ الذي لا يوجَدُ إلاّ معك.. في رحابِ روحِكِ الطاهرة.. أنا أفتقدُ الحنانَ، يا أمي.. وأنتِ مَنبعُهُ الصافي، الجَواد..
امسَحي دموعي يا أميَ الطيبة.. التي تسيلُ مدراراً على خدّيَ الناشِف.. والذي يزدادُ جَفافاً يوماً بعدَ يوم.. أحتاجُ أن ترطّبيهِ بمَعينِ عاطفتِكِ الصادقة.. النابعةِ من روحٍ مجبولةٍ على الحبّ، وبالحبّ.. حتى صارتْ هي الحبّ.. هي مَنبعَهُ الرقراق الذي لا ينضب.. تكادُ روحي تجفّ، يا أمي.. فرَطّبيها بحبّكِ، ياغالية.. أعيدي لها الأمانَ، والحياةَ النديّة، التي لا وجودَ لها إلاّ في مزارعِ روحِكِ الطيبةِ الزكيّة..
أنا أحتاجُكِ يا أمي.. في هذه اللحظة.. وفي كلّ آن.. يا عَذبَةَ الروح.. يا صافيةَ المَعين..
أنا أحبكِ يا أمي.. وتعرفينَ كم أحبك..
أحتاجُكِ الآنِ، وفي كلّ آن.. لتمنَحي روحيَ الظمأى إلى الحنانِ، حاجَتَها كلّها، حتى الإكتفاء..
فلا حنانَ يشبهُ حنانَكِ.. ولا حُبّ كحبكِ.. ولا عفويّةً، وصدقَ عاطفةٍ، يُماثلُ ما جُبِلْتِ عليهِ، وفيهِ، حتى صِرتُما ذاتاً واحدة.. يا أميَ الطيبة.. يا عذبةَ الروح.. يا جميلةَ الشكلِ، والمُحتوى..
اليوم هو الأحد.. الثاني عشر من كانون الثاني عام 2014م.. عيد ميلاد (آمال).. بالتأكيد، عايَدْتِها يا أميَ الطيبة.. بعُمرك لم تنسي عيدَ ميلادِ أحدٍ من أبنائكِ، أو بناتِك.. أحفادكِ، أو حفيداتك.. وحتى زوجات أبنائك.. (كناينك)..
***************************************************************
كان من زوّار بيت جَدّي البطل المُجاهد المرحوم (الشيخ سليم صالح صالح) الكثيرُ من أهل المُدُن… من طرابلس لبنان.. ومن طرطوس.. وحَماه.. وغيرها….
كلّهُم كانوا أغنياء.. نساؤهم كانوا يلبسون الكثيرَ من الذهبِ، والثيابِ الفاخرة.. وغير ذلك مما يدلّ على غِناهم.. ومَرّةً، سألتْ إحدى النسوةِ من أولئك.. سألتْ (ستّي أم صالح).. زوجة الشيخ المُجاهِد (جدّي سَليم) :
– أين هيَ زوجَةُ الشيخ..؟! لم نرَها…
بكَتْ جَدّتي، وهي تغادِرُ (المْصيف) لتُكمِلَ الطّبْخَ، والنّفخَ، وأنواعَ الطعام.بعد أن أجابَتها:
(-هلّق بتجي..)…
(وبالفصحى = ستأتي بعدَ قليل ) فاطمة
كانتْ فقيرةً.. ثيابُها ثياب فلاّحَةٍ مكافِحَة.. تخجَلُ أن تظهَرَ بها أمامَ تلكَ النسوَةِ (المَدَنيّات) المُنعَّمات، المُرَفّهات.. ويعرِفنَ أنها (زوجة الشيخ سليم)..!!!!!!!!
كتبتُ مَرّةً..
( لماذا.. يا جدّتي الغالية..؟!
ياذات الروح المعذّبة..
ياذات الصوت الشجيّ .. الحزين..
أيتها المبدعة المُكبّلة..
يا أنثى العندليب..
يامن عجز جسدها المرهَق.. عن حَمل روحها الأكثرَ إرهاقا ً.. فأطلقها بعد اثنتين وثمانين عاما ً.. نحو أصلها..
لماذا أيتها الغالية.. كانت كلّ مواويلك ِ الشجيّة.. تبدأ وتنتهي.. بالآخ…. آخ…؟!!
بمجامرَ متوقّدة من القهر.. وأنهار غزيرة.. تفيضُ بالدموع ِ الحارقة..؟!
كم عانيت ِ..!!
أتساءلُ دائما ً.. كنتُ.. وما أزال.. وسأبقى ماحَييتُ.. أتساءلُ..
تكلّمي ياجَدّتي.. أرجوك ِ..
فأنا أنثى مثلك ِ.. بالإضافة إلى أنّ دَمي من دَمك ِ.. وهذا يؤكّد أنني أكثر من يفهمك ِ..
بوحي.. أيتها الغالية.. فسرّك ِ في بئر.. لا نهائية ِ القرار..
لا تخافي شيئا ً.. لا تخشي أحدا ً..
أنت ِ – ياجدتي – طاهرة.. مؤمنة..
كم استيقظتُ مرة ً، قبيلَ الفجر.. ورأيتك ِ تنزلين من سريرك ِ.. بيتك ِ.. منزلك ِ الذي كان يحضنك ِ أغلبَ ساعات اليوم.. تُنزلين ساقيك ِ البيضاوين، الجميلتينِ، بتثاقل ٍ شديد.. تُسقِطيهما عن سريرك ِ اللاهث ِ الحنون.. تجرجرينَ جسدَك ِ المتعَب، خطوات ٍ.. وتقفينَ بمحازاة السماءِ، قربَ نافدة ِ غرفتِنا المطلة ِ على القِبلة.. تفتحينَ صدرَك ِ اللاهث.. وتتمتمينَ صلاتك ِ اليومية..
( أشهدُ أن لا إله إلاّ الله.. وأشهدُ أنّ محمدا ً رسول الله.. ) ( الحمد والشكر إلك يا مستوجبَ الحمد.. الحمد لله.. ) ( ياربّ وفقلنا الغايبين والحاضرين ).. تتضرّعينَ متوحّدة ً مع القوّة ِ الخالقة.. ربّ السماوات والأرض ومابينهما.. القادر على كل شيء.. السميع البصير.. والقريب المجيب.. العليم بحالك.. وبكل شيء.. رازق الدود.. في حجر الجلمود.. سبحانه..( قصَدْتُ بابك.. فأرجوك لا تخيّبني.. ).. مُنقطعة ً عنِ العالمِ الخارجيّ.. متوحّدة ً مع الكونِ والحقيقة.. بريئة ً.. نقيّة ً.. صادقةً.. حُرّة..
صَدّقيني – ياجدّتي – ألله يحبّنا.. ليس لأننا لا نخطئ.. بل، لأننا .. لا.. ولم.. ولن نتعمّدَ الخطأ – أبدا ً – ويحبنا لأننا أنقياء..نأتيه ِ بقلب ٍ نقيّ من الشرور..
صَدري يصفُرُ يا جدّتي.. بل يجرش..
صدرُكِ الحنونُ، ظلّ يصفُرُ.. ويجرشُ.. على مدى عشرات ِ السنين.. )
حَفيدَتكِ المُخلِصة
فاطمة
***************************************************************
تفجير إرهابيّ في حافلةٍ مدرسيةٍ في قريةِ (الكافات ) في ريفِ مدينةِ سلمية.. تسعة شهداء معروفين.. وأشلاء 3 شباب، ورجل مجهول الهُوية.. الخميس 9/1/2014م ظهراً..
***************************************************************
الطحين والخميرة تأتينا من إيران. وأحياناً من تركيا.. وأحياناً تُصنع محلياً، بطريقة قديمة.. إذا انقطعت من الأسواق.. مثلاً.. في بداية الأزمة، بعد نفاذ المخزون.. نتيجة الحصار الإقتصادي والعقوبات الإقتصادية التي فرضها الغرب الإستعماري، على بلدنا الغالي سوريا..
***************************************************************
أمس، كان ذكرى رحيلكَ يا أبي الغالي.. تصوّري يا أمي أنني لم أذكرْ سوى في هذا الصباحِ الباكرِ من يومِ الأحد 19/1/2014م..!! كنتُ قد استيقظتُ باكراً في حوالي السادسة وعشرة دقائق. نظرتُ من خلالِ زجاجِ الشرفة، وإذا بالضبابِ الكثيفِ يغطي الجبالَ والتلالَ والوديان.. يفرشُ عباءته الناعمةَ الرطبةَ قليلاً على أكتافِ هذه القرى الغافيةِ من تعبِ وكدحِ الأمسِ لتأمين احتياجاتِ أسَرِها في هذه الأيام القاسيةِ، والجافةِ حتى من رحمةِ السماء. التي رطّبتْ أديمَها ببعضِ قطراتِ المطر.. التي بالكادِ لاحظتُهُ قبلَ أن أغفو في الثانيةِ بعدَ منتصفِ الليلةِ الفائتة. كنتُ طوالَ نهارِ أمس أشعرُ أنّ الثامنَ عشرَ من كانون الثاني ذكرى مهمّة بالنسبةِ لي.. لكنني لم أفلحْ في تذكّر ماهيّةِ هذه الذكرى سوى قبلَ ساعةٍ من الآن بعد استيقاظي بقليل.. سامحوني يا أبوَيّ الغاليين.. فأنا متأكدةٌ أنكَ يا أبي الغالي لا تهتمّ كثيراً بأيةِ مسألةٍ تخصّكَ شخصياً.. فكيف إذا كان هذا الأمرُ ذكرى رحيلِكَ، يا أبي..؟!!! قضيتَ عمركَ تولي الآخرينَ اهتمامَكَ الأكبر.. الأقربينَ والأبعدين.. حتى شمَلَ اهتمامُك الوطنَ الأغلى والمنطقةَ كلها والعالم.
***************************************************************
عصر الخميس خطبَ ابنُ عميَ الأصغر.. أخبرتني (نهى) أن عمّة العروسِ، قالتْ لها أنها مشغولةٌ لأنّ عندهم خطبة..
– مَن..؟!
– إبن عمكِ المرحوم (أبو رامي) سيخطبُ ابنةَ أخيها المرحوم (اسماعيل)..
فور إنهاءِ المكالمة اتصلتُ على الخلوي بابنِ عمي..
– سوفَ تخطبُ اليوم..؟؟؟
– خطبتُ…
-ألله يجعلها ساعة خير يا حبيبي… بالتوفيق يا غاليين….
***************************************************************
عندما أخبَرونا أنّ عميَ الغالي (محمد).. سيُتَوَفى.. بعد مَرَضٍ طويل، ومَرير…
كتبتُ، على وَقع دموعي.. وقهْرِ روحي :
( عَمّاه…
ياقَلبَ طِفلٍ نقيٍّ، في صَدْرِ رَجُلٍ كبير..
يا روحاً خَيِّرَةً، مِعطاءَة، تحويها هيئةٌ مُتَجَهِّمَة..
قَسْوَةُ الحياةِ، ياغالي.. طَبَعَتْ بَصماتها قَسوَةً على وَجْهِكَ الجميل..
لكنّها أبقَتْ نقاءَ الرّوحِ، وزادَتْ في طَهارَةِ القلبِ، وعَطفِهِ على كلِّ مَنْ تقسو عليهِ الحياة…
مَنْ ينظُرُ إليكَ، يخشاكَ، ويَتَهَيّبُ الوُلوجَ إلى داخِلِ نفسِكَ الطاهرة.. لكن، ما إن يتجرّأ قليلاً، ويَعزفُ على أوّلِ وَتَرٍ من أوتارِ قلبِكَ الطاهِر.. حتى تهدأ نفسُهُ، وتطمئنَّ، وتَسْعَد، وتحلمُ، على أنغامِ عَزفِ هذا الوَتَرِ الحَنونِ، الذي يملأ جَوَّ المَكانِ عاطِفَةً صادِقَةً، وحِكْمَةً نادِرَة..
أبٌ لنا، وللجَميع.. بكلِّ ما تعني كَلِمَةُ أبوّة..
أثابَكَ اللهُ يا عَمّاه.. أعظَمَ ثوابٍ.. دُنيا، ودينا.. سُبحانَهُ إنهُ لا يُضيعُ أجْرَ العامِلين..
و رَحِمَكَ اللهُ سُبحانَهُ وتعالى.. في الدنيا، والآخرة.. سُبحانَهُ وتعالى.. إنّهُ أرحَمُ الرّاحِمين.. )
********************************************
( قشيبرة الذرة.. مَسرَد . غربيل عينه واسعة.. منخل.. زراعة الدخان. التسجيل على ربع أو نص.. أو ثلاث أرباع أو علبية أو أكثر من بذر الدود. تربية دود الحرير. طين السطايح. العرجلة. رش التبن. الحَوّارة.. الزنار.. التنقيش. المحفارة. تحصيلدار. ريجة. بدار الدخان. المشمع. تحضير المشاتل.. روي المشتلة.. زراعتها. تحضير المشاتل بالزبل البلدي الناعم. تغطيتها بالمشمع من الدولة. تكشيفها في النهار قليلاً ، أو كلياً.. سقايتها يومياً. تنقيتها من الأعشاب. قلعها. وضعها في سحاحير خشبية. نقلها على الأكتاف إلى الحقول البعيدة المفلوحة جيداً عدة مرات والمخططة تحضيرا لزراعة شتل التبغ فيها وتسهيل حفره وسقايته. سقاية الشتل أثناء الزراعة وبعدها. الحسة. الوسط. الكبير. الرقبة. كسر الشتل. قطفه. نقله إلى البيوت. شكه. كرات خيطان (سلوك) بيضاء.. قطع الخيطان بطول حوالي متر أو أقل.. زردة. نشره على المشابح.. أسلاك شائكة مثبتة من طرفيها على أشجار التوت. بينها تتأرجح خيطان المشابح المتوازية.. تحميها أغصان التوت المورقة، من حرارة الشمس المباشرة، لتبقى أوراق التبغ بلون أشقر بعد جفافها في الظل.. إعادته إلى البيوت بعد جفافه. كبسه في قوالب خشبية تشبه الصناديق المثقوبة من أعلى ومن أسفل. نقله على ظهور الحمير إلى مؤسسة الريجة (الكمسيون) ليباع بالدور.. وتقييم موظفي الريجة لدرجة جودته.. وبالتالي، تقدير سعر الكيلو.. الأمل..بالنسبة للمُزارع.. أخذ ثمنه القليل، بعد تصنيفه بدقة.. صرف الثمن على العائلة. لباس، وغيره.. إيفاء الديون.. وانتظار موسم الحرير.. )
هذه العناوين، مشاريع لم يتسَنَّ لي شَرحُها في هذه الرواية.. لكنّ تفاصيلَها محفورةٌ في الذاكرة.. لاتبرحها، يوماً….
فاطمة
***************************************************************
يرنُّ صوتُكِ الباكي، في أذني، وأنتِ تهزّينني من كتفي، ذات يومٍ فارغ :
(-ولِكْ، وينا فاطمة..؟! وينا..؟! وينا..؟؟!!!! )
……….زواجي المبْكر.. وزوجي يخدم العلم بعد حوالي عشرة أشهر من زواجنا.. وبقائي مشتتة ما بين منزلنا في الضهر.. بين زوجة عمي (جدتي) بدرة صالح.. أم علي.. وعمي (جدي) الشيخ محمد علي اسميعيل.. في بيت منفرد.. ليس عندنا جيران سوى (بيت خالتي ) بيت (جدي ) الشيخ محمد صالح.. الذي يسكن مع زوجته.. خالتي.. لوحدهما في ذلك البيت الطينيّ البائس.. وكان ابنه الوحيد.. الشهيد (صالح محمد صالح) أبو علي.. كان قد استشهد على الحدود مع العدو الصهيوني، في حزيران عام 1970م قبل زواجي بحوالي ثلاثة أشهر.. تاركاً زوجتَهُ المريضة.. وثمانية أطفال.. أكبرهم (كوكب) التي كانت قد تزوجت وأنجبت ابنها البكر (مجد ) الذي لم يُتَح لجدّه الشهيد أن يراهُ، أبداً.. استُشهِدَ ( أبو علي ) وهو يشربُ الشاي مع رفاقه في الجيش، أثناء قيام طائرات العدوّ الصهيونيّ بغارة على (مستودع الأسلحة ) الذي يخدمون فيه.. قيلَ أنهُ كان مبتسماً، كعادته.. رحمة الله على روحه الطاهرة.. ماتزالُ ضحكتُهُ النبيلة ترنّ في أذني.. وكأنني أراهُ يلفّ سيجارةً من الدخان العربي الثقيل.. أثناء قدومه إلى القرية في إحدى الإجازات القليلة.. ويسكن مع عائلته الكبيرة في ذلك البيت الطينيّ البائس.. المكوّن من غرفتين تتصلان ببوّابة خشبية مهترئة.. وغرفة صغيرة للدّواب.. وخُمٍّ للدجاج..
***************************************************************
في أحَدِ الأيام، جاء رجل من (مْشَرّق ) مع ابنه، وبعض أقاربه.. إلى بيتنا.. بيتكم.. بيت أهلي.. ليتبارَكوا بطلب يد أختي الغالية (آمال ) أثناء دراستها في الصف الحادي عشر.. فقال لهم أبي الغالي : أنتم على عيني وراسي.. ونتشرّف بإعطاء ابنتنا لابنكم الدكتور الذي على أبواب التخرّج.. سأسألها رأيها.. مع أنني أرجو ألاّ يحصل ذلك قبل أن تكمل تعليمها وتتوظّف.. لأن الزواج المُبْكر، أثّرَ على صحة أختها الكبيرة….. وطلب (آمال) واستشارَها أمامهم.. ورفضت.. لأنها لا تعرف الشاب.. ولأنها مازالت تدرس… ولم تستجب لإغراءاتهم.. أكرَمَهُم أبي كما يستحِقّون.. وذهبوا لكن بعد أن سألوه : – متى نعود..؟!! فأجابهم، أن مرحباً بكم متى ما أردتم.. لكن ليس للزواج من ابنتي.. على الأقلّ في الوقت الحاضر.. وعندما تنهي تعليمها وتتوظف.. لكلّ حادثٍ حديث.. و (يخلق اللهُ ما لا تعلمون )..
***************************************************************
كنتِ تقولينَ لأبي الغالي : ( أتعجّبُ، كيفَ لأحدٍ من أبنائنا أن ينجحَ، ولم ينمْ أيّ واحدٍ منهم، بعدَ طلوعِ الفجرِ.. يوماً..)..
كنا نستيقظُ في الصباحاتِ الباكرة.. مع كل أفرادِ العائلةِ الكبيرة.. لنقلَعَ (الشّتل) من مَشاتِلِ التبغِ، ونساعِدَ في عمَليّةِ الشتلِ، والسّقي، والحفرِ، وغيرِها.. قبلَ أن نذهبَ إلى مَدارِسِنا..
أو نقوم بغيرها من الأعمال الحقليّة.. نساعِد العائلة الكبيرة الكادحة المُرهَقة… في كل مانستطيعُ من أعمال.. ولا نجِدُ وَقتاً للدراسَة، أفضلَ من المساء.. بعد انتهاء الأعمال.. وخلود العائلة للنومِ الباكر..
هل تعلمينَ، يا أميَ الغالية، كم عانَينا من تَكّبُّرِ، وعَجْرَفَةِ، الكثير من الذين سَمَحَتْ لهم ظروفُهُم ألاّ يكون لديهم أيةُ مسؤوليّةٍ، سوى أن يدرسوا.. فنالوا بذلكَ شهاداتٍ عالية…..؟!!!!!!
وكنتِ تقولين لأخي (محمد) الذي لم يكن ملتزماً كثيراً بالدراسة.. ويرافق شباباً من عمره غير مبالين بالدراسة في الصف التاسع : ( لا والله يا محمد لن تنجح…. ) فيجيبكِ أنه سينجح… فتضيفين : ( إذا نجحتَ يا محمد، أنا سأتقدّم إلى الشهادةِ العامَ القادم.. ).. و عندما نجحَ، طلبَ منكِ أن تفي بوعدكِ له – كعادتك – وتتقدّمي لامتحان الشهادة الإعدادية..!! فتضحكون.. ونضحك جميعاً…
***************************************************************
من رواية ( أرض السواد ).. للروائي العربي الأستاذ ( عبد الرحمن منيف ) .. مايلي :
قنصل بريطانيا في العراق ” ريتش ” يقول :
) في المدرسة تعلمنا الإصغاء.. وفي وظائف الخارجية تعلمنا مع الإصغاء، الإبتسام.. وفي مثل هذه البلدان.. تعلمنا.. أن نسمع مايقولون.. وأن نفعل مانريد.. )……………………… وأنا أقول ، يا ريتش الساقط.. يارمز الغربيّ الغاصب.. الطامع بخيرات غيره.. والذي يسلب الشعوب ” الطيبة ” خيراتها وكرامتها .. ويذلها ليجعلها عبدة له في بلدانها وأوطانها.. ينظر إليها باستعلاء.. وعندما يتكرّم عليها.. عندما تطيعه وتعبده.. وتعترف بفوقيته.. يلقي لها بعض الفتات.. مما سرقة واستولى عليه من خيراتها .. لتلتقطها خانعة.. لتبقى ( حية ).. فقط.. على قيد الحياة الذليلة.. أقول أيها (الغربيّ النهِم ) كما وصفكم عظيم الهند.. المهاتما غاندي.. في رسالته للمجاهد البطل الشيخ صالح العلي.. رمزنا.. أو أحد رموزنا.. ( خسئتَ.. يا ريتش .. وخسئ من علموكَ كيف تستعبد الشعوب الحرة الكريمة.. على مبدئكم الشيطاني ” الغاية تبرر الوسيلة “.. شعوبنا حيّة.. أيها الأوغاد.. وقد تنبهتْ لوسائلكم الحربائية القذرة.. وسوف لن….. لن.. لن تستطيعوا السيطرة علينا مرة ً أخرى.. أيها السفلة الساقطون.. يا عبَدة المادّة.. الزائلة.. التي نعتبرها – نحن الشعوب الحرة الشريفة التي تعتنق المحبة للحق دينا ً.. وللباطل والظلم كفرا ً.. – .. نعتبرها وسيلة.. لتحقيق إنسانية الإنسان.. السامية.. الراقية..)
من صفحتي على الفيسبوك..
***************************************************************
من صبيحة هذا اليوم المبارك .. أول أيام عيد الأضحى .. أعلن المؤذنون في جوامع قريتنا والقرى المجاورة ، ارتقاء ثلاثة من خيرة شبابنا ، شهدااااء .. استشهدوا وهم يدافعون عن حياة وشرف وكرامة هذا الوطن الأغلى .. ياااااااااأيهاالشهداء .. يااااااأيهاالأبرار .. أيهاالأحياء عند ربكم ، ترزقون .. بوركت الأرض المقدسة من عرقكم وعرق أهلكم الكادحين في سبيل لقمة العيش الكريمة .. بوركت وفتحت ذراعيها السمراوين .. لتضمكم إلى صدرها الدافئ الحنون .. تكفنكم بأمومتها الخصيبة .. وتصدح ألحانها بتراتيل ( كل عام وأنتم بألف خير ) .. لتصل ألحانها الخالدة إلى عنان السماء .. تعانقها بمنتهى الحب .. وتهطل غيومها خيراً وعطاء .
هاهي السماءُ تبرقُ وترعدُ وتمطر .. أللهمّ صلِّ على سيدنا محمد وآله وأصحابه الأطهار .. السماءُ تشارك أمكَ باستقبالِكَ أيهاالشهيدُ الغالي .. سوف يتأجّلُ قِطافُ الزيتونِ عدة أيام .. كنتَ قد وعدتَهم في الحقلِ منذ أيام أنكَ ستساعدهم أيضاً في الإجازةِ القادمة .. مالكَ أيهاالشهيدُ الغالي ..!! لم تخلفِ الوعدَ يوماً ..!! حبيبي .. لستُ أمك .. ولاقريبتك .. ولم أركَ يوماً .. لكنني كجميعِ الكادحينَ الشرفاء .. فقراءِ المادة .. أغنياءِ الروح .. مشبَعينَ بالإنسانية .. بالإيثار .. أقولُ لكَ يابنيّ الغالي .. هنيئاً لكَ الشهادة .. وهنيئاً لأمكَ الأرض .. احتضانكَ في روحِها الخصيبة .
***********************************************
عندما سمعنا باختطافِ (فريق الإخبارية السورية) في منطقة (التّل) وانقطاع التواصُل بينهم وبين المَحَطّة..
كتبتُ على صفحتي:
( أقسم بالله العلي العظيم ….. وأكرر قسمي .. من يتجرأ على مس بأذى ، حتى لو شعرة منك يا يارا .. أقسم . ياعمتو ، أنه سيدفع الثمن ……. أقسم . والله على ما أقول شهيد .)
***********************************************
وعندما حَرّرَهم الجيشُ العربيّ السوريّ البطل، بعمليةٍ فدائيةٍ مُتقَنة، كتبتُ على صفحتي :
( الحمد لله .. ثم الحمد لله الواحد الجبار .. والشكر .. كل الشكر والحب والعرفان لأبطال جيشنا العربي السوري .. البواسل .. الشرفاء .. الأحرار .. الأباة . على تحرير الغالية إبنة أخي الإعلامية المناضلة الشجاعة ( يارا محمد صالح) وزميليها الغاليين (عبودي) و ( حسام ) والرحمة لزميلهم الشهيد المؤمن البطل الغالي (حاتم ) .. لكم الحب .. لكم المجد .. لكم العزة والكرامة أيها الشرفاء .. في سوريا الحبيبة والعالم . شكرا من القلب لكل من تضامن معنا في محنتنا .. ولمن هنأنا بسلامة يارا الغالية . ولمن صلى من أجلها ونذر النذور لعودتها بالسلامة . إنها حفيدة المجاهد البطل الشريف ( الشيخ صالح العلي ) وذراعه الأيمن ( الشيخ سليم صالح ) .. حفظتِ وصية جدك يا يارا .. أيتها الوفية الشريفة الشجاعة الأبية :
(- ارفعي راسي يا جدو . ألله يوفقك ويكون معك.. )
هذه وصيةُ جدِّك، أبي الأغلى، رحمهُ الله، لكِ ياعمتو.. الحمدُ لله على السلامة. وعقبى لتحرير كلِّ سوريا الأمّ الحنون، من عصاباتِ الغدرِ والإجرامِ، وداعميها. وعقبى لعودةِ الحقوقِ لأصحابها في كلِّ بقاعِ العالم ( راياتِكْ بالعالي .. ياسوريا..)
من صفحتى على الفيسبوك، أيضاً
***************************************************************
عندما سألتُها مَن أنتِ؟ دار بيننا الحوار التالي..
(- سيدتي :أسماؤنا لاتهم ..يوما”من الماضي قلتِ لي و لصديقةٍ قديمةٍ، جمَعتنا صدفةٌ، قلتِ لنا أنتم غيوميَ القادمة، عند صدورِ روايتكِ الأولى..لكن أعتذرُ منكِ لأنّ غيومَ أدبنا لم تمطرْ فأحداثُ بلدنا كسرَتْ أحلامَ قلمِنا الذي أرادَ أن يصنعَ شيئا”و لكنهُ تردّدَ في أخرِ لحظة..
هذي أنا)..
– وما أزالُ عند قولي ( أنتم غيومُنا القادمة ) العابقةُ بأمطارِ السماء.. وخصوبةِ الأرضِ الغالية…. التي تعَمّدَتْ بدماءِ الشهداءِ الأبرار… وبعَرقنا وعرَقِ أهلنا.. وبصلَواتنا لإلهِ المَحبة….
لن تُكسَرّ الأقلام.. لكن… ( وأمّا الزَبَدُ فيذهبُ جُفاءً.. وأمّا ما ينفعُ الناسَ، فيمكثُ في الأرض) قرآن كريم..
-)أشكركِ سيدتي. .أتمنى أن نهتدي يوما”إلي الطريق الذي ظللناه بفضل ثقتك و إيمانك بنا )
-أنا على ثقة بذلك
-)كل الشكر لكِ سيدتي )
-)لا يليق بنا أنصبح زبدا”و سنقاوم إلى النهاية )
-أحيّيكِ.. ثمّ…… هذه إحدى الحروبِ الظالمةِ الطاغيةِ التي مَرّتْ فوقَ هذه الأرضِ الطيبة.. ليست الأولى.. ولن تكونَ الأخيرة.. دَمّرتْ ما دَمّرت… لكنها عجزت.. وستعجزُ عن تدميرِ أو قَتلِ روح هذه الأمةِ الأبية..
-)أوفقك الرأي و لكن يحدث مع كل تلك الأوجاع أن نضعف قليلا”و لكن نعود إلى درب الحق أقوى )
-أنا العجوز… ما أزال.. وسأبقى.. إن شاء الله….. حاملةً سلاحيَ الأقوى…. المعنويّ.. العَصيّ على الزوال..
جُرِحنا… بكينا… قُهِرنا……. ومانزال……. لكننا لن.. لن.. لن نلقي أسلحتنا.. كلٌّ من موقعه…….. وسنحياااااااااااااااااااااا……… قد تفنى أجسادُنا……… وستفنى… لكنّ قِيَمَنا.. وأرواحنا.. ستبقى خالدة إلى ما لا نهاية… إلى الأبد
وسنمَهّدَ الدروب للقادمين…… ليعيشوا أفضل مما عشنا.. وسيمهّدون لمن يأتي بعدهم.. وهكذا..
-)أنت ماتزالين شابه بإيمانك و قوتكِ ..لا يقاس العمر بالسنين بل بحب الحياة.. و أنت تملكين الأخيره..أطال الله عمرك . )
-من أنتِ؟ أرجوك..!!
-أنت لاتحبينَ الغموض أما أنا فأجلْ أحبه ..و لكن أحبّ هذا الإسم لقوّته..لربما تهتُ و أعتقدتُ أنهُ إسمي أما إسمي فهو (ر…) و كنت أزورُكِ بمكتبتكِ القديمة مع ( ش ).
……. وأخبرتني أنها من صديقات مكتبتي السابقة(مكتبة الثقافة ) التي بقيتُ لسنوات أعيرُ منها للأصدقاء والصديقات.. الأبناء والبنات… (غيومنا القادمة ..)
فاطمة
***********************************************
-أمي.. هل أقرأ لكِ ماكتبَ عني الأستاذ (عز الدين عيسى) ألله يرحمه..؟!
-طبعاً.. اقرئي..؟!! هل يحتاجُ الأمرُ سؤالاً..؟! يالله..!!
( فاطمة صالح صالح والفردوس المفقود )
ابنة الغار والريحان والحبق وعرف الديك ، وسليلة الكرم والعدالة والجهاد ضد كل من يغتصب الأرض والعرض والكرامة .
في هذه البيئة المحافظة في تراثها وهويتها ، بلدة الشيخ صالح العلي ، نشأت الأديبة الشاعرة فاطمة صالح صالح ، تربّت على هذه القيم وتطبّعت بتلك الثقافة الشرقية الأصيلة . وبشكل نادر استطاعت أن تجمع بين الشخصية الخلقية الملتزمة بواقع منبتها وأصالتها ، وبين الشاعرة الحرّة التي تفرّ إلى عوالم أخرى من وحي تأملاتها وخيالها الخصب عندما يضيق الواقع بالأحلام الكبيرة .
لم تنبهر بأضواء الحضارة ولم تضعف أمام مغرياتها ، أو تُفتن بصرعاتها ونزواتها ، ولم ترَ فيها إلا أسراب الغربان القادمة من بلاد غريبة متنكرة بأثواب الحمائم ، لا لاحتلال الأرض وحسب ، بل لاغتصاب الهوية والأصالة من رأسها حتى قدميها .
إنه المغوليّ الجديد ، بحوافر وسيوف مخملية ، يجيدُ القتل على مهل ، دون صليل ٍ وعويل .. ونضحك ونحن نموت .. وفي موتنا ، نتسابق – كالحمقى – لاستقباله ، وإرضائه .
وكشرقية ٍ أصيلة ، وفنانة لها رؤاها الثاقبة ، تغمض الشاعرة عينيها وتشيحُ بوجهها وتعود القهقرى .. تضمّ في قلبها حلمها الكبير ، الذي لامكان له في الزمن الرديئ ، حاملة ً آهاتها ودموعها وآخاتها ومواويل العتابا والميجنا ، لتحرقها بخورا ً على أطلال فردوس طفولتها المنهوب ، المهجور ، المحطم حتى الرماد . وتعصفُ الأسئلة ُ في وجدانها : مَن ..!؟ مَن ..!؟ مَن خانَ !؟ وفي ثورة الصراخ يتراءى الفارس القادم على صهوات جياد الروح ، ليردّ الحياة في خريف الزمن .
في هذا الخواء تتكيئ الشاعرة على حلمها وتبحر في ضباب الماضي ، يقودها حسّها الشعريّ وذاكرة جنسها البشريّ التي تصحو في الملمّات والأحزان ، فتدخل مملكة الطهر والبراءة ، قدّيسة ً توزع الصلوات والمحبة ، وشاعرة تبحث في رؤاها عن وطن ٍ خرافيّ ، وتارة ً فيلسوفة تنقّبُ في ماهيّة الوجود ، أو صوفيّة ً تتوحّد به ، وتوصد على نفسها بوّابات الزمن .
وككلّ الرومانسيين الذين أتعبهم الترحال في سموات الخيال ، يدقّ الوقت ويبدأ الزمن . فتصحو الشاعرة على وقع ارتطامها بالواقع المرّ ، الذي يمسكُ بنا متلبّسين بسرقة الأحلام وتهريب الأمنيات ، يقتادنا ، يأمرنا ، يطالبنا .. فللأحلام السعيدة فواتيرها الباهظة ، يتقاضاها الواقع ، ودون أن يكترث بمشاعرنا ، يذكّرنا بشرطنا البشريّ ” حياة وموت ، سعادة وألم ” . ودون جدوى نتطلّع إلى القفز فوق المعادلة الصعبة .
لقد مُنحنا جميعا ً الخيال والواقع ، الحلم والحقيقة ، الجسد والروح .. وما نربحه في أحدها نخسره في الآخر .. كأنبوبتين مستطرقتين . أليس هذا عادلا ً من منظور يتجاوز رغباتنا وأفقنا البشريّ ، ووفقا ً للشرط الذي ارتضيناه أحرارا ً أو مُرغمين ..!؟ وكيف لنا أن نجنحَ بعيدا ً في طرف ٍ دون أن تواجهنا الطبيعة بمساءلتها وثأرها في الطرف الآخر ؟.
هكذا ترسم الشاعرة طريقها في خطوط مستقيمة ، على هديّ قيم ٍ وانتماءات قاطعة ، ترفض بكلّيتها إذا رفضت ، وتقبل بكلّيتها عندما تقبل ، متوحّدة ً مع ذاتها ، رهينة َ ثوابتها ، لا تناقش ولا تساوم ولا تبحث في حدود الوسط ، في تطرّف ٍ خطير يقودنا – دون علم منا – إلى غير مانشتهي ونحب .
إنّ النفس البشرية شبيهة بالمناخ الذي تقود تطرّفاته ، إما إلى التجمّد المميت ، وإما إلى نار ٍ تحرق كلّ شيئ .
هذه هي رياح الشاعرة في تقلّباتها الحادة ، رقيقة ٌ وديعة ٌ كالحلم ، متوعّدة ٌ غاضبة كالإعصار ، مما يعكس صراعا ً داخليا ً بين فكر ميتافيزيقيّ متوهّج يفرّ من وهم العالم ، وبين عاطفة ٍ مشبوبة يشدّها إلى الواقع أمانيّ وذكريات وأوطان ، في مفارقة ليست غريبة على الشعراء والفنانين ، فهذه الازدواجية ضرورة ملحّة تتيح للشاعرة أن تتأمّل ذاتها وأن تحاورها وتناقشها ، تختلف وتتصالح معها ، خصوصا ً وأن الشعر في مفهومه الأساسيّ هو : ” بُنية علاقة مع الذات ” وهذه العلاقة تنهار عندما تأخذنا التزمّتات بعيدا ً في طريق ٍ أحاديّ الاتجاه فتقتل في داخلنا شيئا ً هاما ً ، وتعرقل نظام فسيولوجيتنا وعفويتنا اللتان لا تخطئان .
فلنوازن إذن بين الحلم والحقيقة ، بين الفكر والعاطفة ، بين مانرغب به وما لانرغب ، كي نتيحَ للعفوية التي فطرنا عليها أن تأخذنا إلى حيث تريد ، كفكرة بريئة لاتقيّدها رغبة ، ولا تحرقها عاطفة ، ولا يأسرها وهم .
والقدَر الذي يسهر على تطبيق شرطنا الوجوديّ يتعقّبنا ويسجّل علينا أدوارَنا ، يعاقبنا في هذا ، أو يُثيبنا في ذاك .
فالعالم لا يؤخذ بعين العقل وحدها دون أن نكون قساة ً وجافّين . ولا بعين العاطفة وحدها دون أن نكون شخصيين ومنحازين . وهنا يأتي دور الشعر والفن في تلطيف مناخاتنا النفسية والفكرية والعاطفية ، وتصحيح نظرتنا للحياة ، ومعادلة ذواتنا بالعالم من حولنا .
وإذا جاز لنا أن نعاين الفن بشكل عام على أنه علاجٌ للحياة ، أو هروب من الواقع ، أمكننا أن نرى إلى أيّ حدّ ذهبت الشاعرة في هذا الاتجاه أو ذاك . وهنا لا نستطيع أن نتجاهل دور اللاشعور الذي غالبا ً ما يمسك بالدفة ويقود مصائرنا فيما يشبه العملية الإسعافية عندما تتأزّم الحياة وتصبح غير قابلة للاحتمال .
فالشاعرة التي ورثت في دمها توجّس الآباء والأجداد وتحسّسهم من كل ماهو آت ٍ من الغرب ، ترى مفرزات الفكر الغربي تعبث بالتراث وتطمس الهوية وتدنّس طهر الشرق ، فتجد في هذا الذريعة والمبرر في الارتداد اللاشعوريّ نحو جذورها وطفولتها ، تتخذ منها حصنا ً تتمترسُ خلفه هربا ً من مسؤولية تلاحقها وتقضّ مضجعها ، وتفاديا ً لاتهام ٍ قد تواجهه ويعذبها ، فتلقي بالمسؤولية واللوم هنا وهناك ، بعد عجزها عن التكيّف في عالم كهذا . إنها لعبة اللاشعور في حماية الذات من إحساس مؤلم هو فوق التحمّل .
ومع ذلك فإن الشاعرة التي نذرت على نفسها الصلوات واقتحام المخاطر والأهوال ، تفي بوعدها ، وبدلا ً من أن تستسلم وتنطوي على حسّها التراجيديّ الدفين ، تقوم بتصعيده والارتقاء به وصياغته في شكل من أشكال الفن الرفيع تتجلّى فيه موهبتها الفذّة وفكرها المتّقد وإرادتها الصلبة وثقافتها الواسعة .
وهاهو قلمها يسطّر الماضي وأمجاد الأجداد وبناء الفردوس فوق رماده ، ويهَبُ للشاعرة امتدادا ً طالما حلمت به في جانبها الأسمى ” الروحيّ والمعنويّ ” فقدّمت نفسها من خلال تجربتها الشعرية والروائية الرائدة ( الإنسانة النموذج ) التي تحمل همّ الوطن والطفولة والهوية وكل فضائل الشرق ، والأم الحقيقية التي استنبتت في داخلها الأديب والشاعر والمفكر والإنسان ، إنهم يسكنونها جميعا ً ويولدون تباعا ً : ( صلاة ٌ .. لغيومك ِ القادمة ) و ( زهرة ٌ .. فوق الرماد ) و ( مجنونة ُ الخصيبة ) … وبقية قادمون على الطريق .
وها هو التراث يُبعث ُ حيا ً ويُسَجّلُ للتاريخ ، وروحُ الأجداد ترفّ ُ ، والفارسُ الموعودُ يصلُ على متن السحب أمطارا ً غزيرة ً تروي ظمأ أيلول ، وذات القلم الذي يعيد ترتيب العالم تشهره الشاعرة في وجه غزاة الروح أسوة ً بسيف ِ جدّها ( صالح ) ولا فرق بين الجهادين والمحتلّ واحد في الأرض كان ، أم في الرأس ، أم في كعب الحذاء .
هذا هو الخلود الحقيقيّ والامتداد الذي يتفوّق على شرطنا البشريّ ، ويتخطّى حدود الشاعرة وعزلتها الرومانسية وملكيتها لذاتها … إلى وجدان الآخرين ، وهي تقدّم عصارة فكرها وقلبها بلسما ً وأملا ً ، لتصبحَ للجميع … نموذجا ً ، ورمزا ، وقدوة .
عز الدين عيسى
20/12/2007
باحث في الفلسفة وعلم النفس والتراث / من سورية
******************************************************
( مرحباً بكَ يا وطني….. مرحباً بكم يا أبناء وبنات وطني… الذين خرجتم اليوم إلى ساحات هذا الوطن الأغلى… لتعلنونَ انتماءكم إلى هذا الوطن الأغلى المزركش بكلّ ألوان الطيف الجميلة البديعة…. تعلنون – أكثر من أيّ وقتٍ مضى… وبثقةٍ أكبر من أيّ وقتٍ مضى.. وبقوّةٍ، أكثر من أّيّ وقتٍ مضى – أننا جمييييييعاً سوريّون بامتياز…. عروبيون بامتياز… مسلمون بامتياز… مسيحيون بامتياز…… مواطنون إخوة وأهلٌ وأصدقاء وأحبة.. بامتياز…. نشدّ أزرَ بعضنا بعضاً… ندافع عن أرضنا وأهلنا وقِيَمنا الإنسانية والوطنية والأخلاقية.. معاً.. يداً بيد.. وساعداً بساعد… نتكامَلُ… ولا نتعامل بتفاضُلٍ.. لا نفضّلُ مواطناً على آخرَ إلاّ بمقدار خدمته لهذا الوطن.. وتفانيه في الدفاع عنه ، أو بنائه على أسُسٍ ثابتة متينة، أقوى من كلّ العواصف… سوريون نحن يا أهلي.. ويا إخوتي.. ويا أبناء وطني…. عرَبٌ حقيقيون، بقِيَمنا السامية… نتكامَلُ مع الآخر… ولا نسمحُ لأحدٍ أن يُلغينا.. ولا نُلغي أحداً…. لا نعتدي على أحدٍ.. ولا نسمحُ لأحدٍ بالإعتداء علينا….. نصدً هجمةَ الباغي معاً….. لأنّ الله مع الجماعة.. يمنحها القوة إذا أرادت الخير.. خيرَ الجميع… لا خيرَ فردٍ دون آخر.. ولا أمّةٍ دون أخرى… لكنّ الأقربين أولى بالمعروف… بعدلٍ ، دون طغيان… مرحباً بكَ يا وطني… وقد انتفضتَ من عمقِ المأساة.. لتصنعَ ربيعاً يشبهنا…. ربيعاً عربياً سورياً إنسانياً حقيقاً…. لا مفروضاً من الآخر الذي أرادَ تشويه معنى الربيع الحقيقيّ.. وتشويهَ كلّ شيء جميلٍ في هذا الوطن الأغلى وباقي الأوطان.. بعنصريّةٍ طاغية، باغية… لكنكم.. ولكننا هزمناه…. طردناه وما زلنا نهزمهُ وننبذه ونطرده من طُهر هذا الوطن الغالي.. بهِمّتنا جميعاً… نحن أبناء هذا الوطن… من جيشٍ.. وشعبٍ.. وقيادةٍ حكيمة… يدعمنا أصدقاؤنا الشرفاء في كلّ مكان.. وندعمهم… نتكامَلُ معهم…. نصدّ الطغاةَ البُغاةَ معاً… نعيشُ معاً… نبني معاً… الوطن والمواطن…. تحيةً لكم يا أبناءَ وطني الشرفاء الأوفياء الطيبين.. تحيةً من القلب لمنْ يدعمنا في صَدّ هذه الهجمة الشرسة وهذا العدوان الأظلَم في تارخ البشرية……. أعرفُ أنّ المسيرةَ لم تنتهِ… أعرفُ ذلك………. لكنها بشارةُ الفجرِ القادم…… بشارةُ النصرِ المؤكّد……. بشارةُ النهوضِ والتعالي فوق الجراح………. لنبني غدنا الأفضلَ بأيدينا….. هيا يا أبناء وطني الأغلى…. الوطنُ بحاجةٍ إلى كلّ طاقةٍ وكلّ عقلٍ وكلّ جهدٍ نظيف… لبنائه من جديد… على أسُسٍ أقوى وأمتن……. والله وَليّ التوفيق..)
فاطمة…
على صفحتي على الفيسبوك بعد الرابعة عصر يوم الأحد.. 2/2/20014م
****************************************
بعد وفاتكِ يا أمي.. وبعد انتهاء مراسم العزاء، وعمل الأسبوع.. تقاسَمْنا.. ووزعنا ثيابكِ الحبيبة.. الجميلة.. الأنيقة.. وزُجاجات عطركِ.. سيبقى عطرُكِ يفوحُ في أرجاء البيتِ الذي يمتلئ بحضورك.. ويعبقُ في حنايا أرواحنا ماحَيينا.. سينتقلُ من جيلٍ.. إلى جيل.. حتى اللانهاية… منثوراً في أبَدِ الخلود……….
لكِ المجدُ يا أمي الطيبة………… و……………. إلى اللقاء يا أمي,……………….. إبنتك فاطمة
******************************************************************
(أمي .. صديقتي .. حبيبتي .. قدوتي …………. رحمك الله………… وأسعدك سعادة دائمة أبدية سرمدية .. ………… أمي .. غاليتي … حبيبتي …………. أيتها النقية …………….. إلى اللقاء يا أمي ………. ……….. بحبك ياأمي .. وبحب إسمك … ماريا إيلينا ……. إلى اللقاء يا أمي .. لمن سأهدي الورود بعدكِ ياغالية ..؟؟!!!! لمن يا أمي …؟؟؟!!!)
**********************************************
وطني الصغير – الكبير، هو (المريقب ) من بزوغِ فَجْر ِيوم الأربعاء الرابع عشر من تشرين الأول “أكتوبر” عام ألف وتسعمئة وثلاث وخمسين ميلادية.. السادس من صفر عام ألف وثلاثمئة وثلاث وسبعين هجرية…….. ودفاتري.. وأقلامي……
فاطمة
***************************************************************
الحمد لله رب العالمين
أنهَيْتُ نقلَ هذهِ الرواية من الدفاتر، إلى اللابتوب..
في الساعة الثانية والربع من بعد ظهر يوم الجمعة الثالث عشر من شهر حزيران عام ألفين وأربعةَ عشرَ ميلادية.. المُوافِق للخامس عشر من شهر شعبان عام ألف وأربعمئة وخمس وثلاثين هجرية..
***************************************************************
( فاطمة صالح سليم صالح صالح محمد رمضان الدّويليّة )
المريقب









