تخطى إلى المحتوى

ليلة…- بقلم الأديبة فاطمة صالح صالح

12650473_946095282145107_989505744_nسكونُ الليلِ، يعقبُ الصمتَ الصارخَ في ذلكَ المنزلِ المُثقَل..
تجاوزتِ الساعةُ الواحدة.. صحيفةٌ عمرُها أكثرُ من عامٍ، تُطوى.. يُطفأ الضوءُ.. تهتزّ أركانُ المنزلِ الجافّة.. تصيخُ السمعَ.. هديرُ قذائفَ ليس بعيداً.. تهجسُ.. قوّاتُنا تتصدّى لقوى الظلامِ الآتيةِ من جهاتِ الأرضِ الأربع..من البرّ، والبحرِ، والجوّ.. من تحتِ الأرض.. مَنِ الذي تركها تنخرُ نسيجَ هذا الترابِ الثّرّ..؟! لماذا لم تغرقْها الينابيعُ، أو تبتلعْها البحار، أو يجرفْها الموجُ، أو تحرقْها حِمَمُ البراكينِ التي تغلي في جوفِ هذه الأرض..؟! ( نور للّي يصافينا.. نار عاللّي يعادينا..)تقفزُ من سريرها.. توقدُ المصباح.. جَوّ رائقٌ، وهدوء.. سحاباتٌ يتخلّلها ضوءُ قنديلِ الليلِ الفضّيّ الأزليّ.. قرىً نائمة.. تحرسُها أنوارٌ مُبعثرَة، بعضُها أبيض، والآخرُ أصفر.. نورٌ أحمرُ يعتلي قِمّةَ الجبلِ المُقابل، يظهرُ، ويخبو بالتناوُب.. هناكَ ترتفعُ قبَبٌ لأولياءَ صالحين، منذ مئات السنين.. يحرسونَ تلكَ القرى الوادعة، الكادحة.. جَدّها كانَ أحدَ الحُرّاس، دونَ أن تُبنى فوقَ مقامهِ قبّة.. ماتزالُ قاماتهم تنتصبُ حاملةً سلاحَها.. بندقيّةً، فأساً، محراثاً، معولاً، منجلاً، دفتراً وكتاباً، قلماً ودواة.. تهتزّ الأركانُ مرّةً أخرى.. هديرُ القذائفِ يخرقُ السكونَ الصاخب.. ترتفعُ روحُها نحوَ السماء : ( ياااااربّ..!! أيتها القوّةُ الخالقة القادرة..!! ).. تصمتُ القذائفُ، ثمّ تعودُ بقوّةٍ أكبر.. تتابعُ صَلاتَها : (.. أهلي.. أنا.. وكلّ الطيّبين.. أرجوك..!! ) ألم يشبَعوا – بَعْدُ – من دمائنا..؟! تكرّرُها في عزاءِ كلّ شهيد.. كلّ سنبلةِ قمحٍ، وغصنِ آس.. ما الفائدة..؟! لن يتركوا هذا البلدَ آمناً، قبلَ أن يتقاسَموا خيراتَه.. منذ مئاتِ السنين.. وربما أكثر.. أهيَ ضريبةُ الجغرافيا..؟! أم ضريبةُ حُسْنِ النيّة..؟! ضريبةُ القيَمِ الإنسانيّةِ، التي هي – في معاييرهم – ضَعفٌ، وهَبَل..؟! ( مَن نامَ، لم يُنَمْ عنه ) قالها السيّد..
سادَ الصمتُ الحذرُ من جديد.. خَمَدَتِ القذائفُ، إلى حين..
تحاولُ أن تنام..
تصبحونَ على خيرٍ، وسلام.. على أمْنٍ، وأمان.. وعلى وطنٍ مُعافى.. تكلّلُهُ خُضرَةُ الغارِ، وندى الأعشاب.. وطنٍ من فِضّةٍ، وسنابل.. من قاماتِ السنديان.
فاطمة صالح صالح

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك