تخطى إلى المحتوى

يتابع موقع بانوراما طرطوس نشر رواية( نبضُ الجذور) للأديبة فاطمة صالح صالح- الجزء 32-الجزء33

12033549_954955724592396_544613874_n-225x3001واحد وعشرون يوماً، في البحر، قطعتها “أوغوستوس ” بين “بوينوس آيرس ” و” بيروت “..
كان البحر هادئاً، أحياناً.. ومائجاً، أخرى…
بعد أيام من ابتعاد “أوغوستوس ” عن الميناء، حَلّ “عيد البحرية “.. راحت البواخر القادمة والمغادرة تطلق أبواقها الخاصة، بشكل معزوفة موسيقية متناغمة.. تقترب البواخر المزينة بالبالونات الملونة من بعضها، إلى درجة تكاد تصطدم ببعضها.. فتميل الباخرتان نحو بعضهما، حتى تكاد البالونات تتلامس على حافتيهما.. مما كان يخيف بعض الركاب من خطر الإصطدام.. لكنها لم تكن سوى حركات بهلوانية معتادة في مثل هذه المناسبة، يتقنها طاقما القيادتين، بشكل جيد.. وترى السماء وقد امتلأت بالبالونات المربوطة كمنطاد ملوّن، تتجوّل فوق البحر، ولا أحد يعرف مُستقرّها، في مشهد يُمتع الناظرين، ويخفّف عن الركاب والرّبان وَعثاءَ السفر الطويل…
وكانت هناك أسماكٌ كبيرة تنطّ فوق ماء البحر، قبل أن تعود، وتغوص فيها من جديد، وتشكّل في حركاتها تلك، نصف دائرة…
وفي البحر أيضاً، حَلّ “عيدُ الطفل “.. وكان حظّ “سليمان ” منه، ألعاباً جميلة، منها لعبة على شكل “بابا نويل ” مصنوعة من الحلوى المَحشوة بالشوكولا…
كانت مريمُ تحب الطماطم.. وكانت وجبات الطعام كثيراً ما تخلو منها.. ومرةً، قالت لزوجها :
-اطلب لي طماطم…
12717853_954624567958845_1837320488439438027_n-225x3001فطلبها من النادِل الطليانيّ، الذي بقيَ مدة حتى فهِم ماذا يريدون.. وعندما عرف طلبهما، ضحك، وهو يشير إلى بطنها المُنتفخ، وكأنه يقول : – طبعاً، المرأة الحامل، تحتاج إلى الطماطم… وذهب، فأحضَرَ لها عِدة حَباتٍ منها…
كثيراً ماكان الصغيرُ “سليمان ” يمدّ يديه، أثناء الطعام، إلى أطباقِ الركاب الآخرين.. ممّا أخجَلَ والديه.. فصَعد به الأبُ إلى سطح الباخرة، وقال لمَريم :
-كُلي أنتِ.. وعندما تشبعين، احتفِظي لي ببعض الطعام، وسأتناوَله مع صغيرنا، عندما أنزل…
فتفعل….
وفي مرة، هَبّت عاصفةٌ بحرية قوية.. كان الركابُ يتناولون طعامهم.. وعندما مالَت الباخرة على جانبها الأيمن، ثم الأيسَر، بشكلٍ كبير، اندَلَقت أواني الحِساء الساخِن، ودَخلت بعضُ المياه من النافذةِ الزجاجيةِ المُغلَقة…
خافت مريم.. فحَملت كرشَها، وصَعَدت إلى زوجِها الذي يلاعب الصغير على السطح :
-مابكِ..؟! هل أنهَيتِ طعامك بهذه السرعة..؟!
-لا.. لكن.. أنا خائفة…
-من ماذا..؟!
-ألا تشعر بالعاصفة..؟!
-لا.. أبداً.. لم أشعر بأيّ شيء…
-لقد دَلَقت الحساء، ودخلت المياه من النافذة.. وأنا أخشى أن تغرق الباخرة…
-وإن غرقت، فماذا تفعلين..؟!
-أمسِكُ بهذا العمود الحديديّ…
فضحكَ كثيراً، وأضحَكَها.. وطلبَ منها البقاء معه حتى تهدأ العاصفة.. ففي الأعلى، لا يشعر الراكبُ باهتزاز الباخرة، أو مَيلانها، كما في الأسفل…

—————————

الجزء 33:

كان عادل يمسك طفله من تحت إبطيه، وينزله في المسبح الموجود على سطح الباخرة.. يحرّك الطفل ساقيه، بنشوة عارمة، منتعشاً من تناثر قطرات المياه على رأسه ووجهه، والتي تطال وجه أبيه أيضاً.. والذين يسبحون من الركاب، يفرحون بمشاهدة ذلك الطفل الجميل…
كانت مريم تنظر إليهم، وتتمنى لو أنها تعرف السباحة مثلهم.. لكن.. حتى لو كانت تعرف، فكيف ستسبح، وكرشها أمامها يلوّح بقرب الولادة..؟!
على سطح “أوغوستوس ” كان رجل أعمال برازيلي، هو وزوجته وابنتهما.. نزلت البنتُ في المسبح، وراحت تعوم.. ثم نزلت أمها خلفها.. كان الأبُ يعرف أنه مريض بالقلب، لكنه غامَر، ونزل للسباحة.. فأخرَجوه ميتاً…
أوقفوا الباخرة في “داكار “، وأعادواه مع ابنته وزوجته، في طائرة، إلى البرازيل…
بَدّلوا “أوغوستوس ” الإيطالية الضخمة، بباخرة أخرى يونانية صغيرة.. وعندما اقتربت من ميناء الإسكندرية، بدا المرفأ ضيقاً، كأنه موقف باصات.. دخلت الباخرة بصعوبةٍ كبيرةٍ، بعد أن ناوَرت كثيراً.. تقدّمت، وتأخرت.. نَكّسَت رأسَها، ورَفعته.. ممّا سَبّبَ اهتزازات كبيرة، شعرتْ مَريم معها بالغثيان، بل، وربما تقيّأت.. هيَ التي لم تشعر، يوماً، بدُوارِ السفر، بأيةِ وسيلةِ نقلٍ كانت.. لا قَبلها، ولا بَعدها…
وبعد واحد وعشرين يوماً من الإبحار، رَسَت الباخرةُ في مرفأ بيروت، في التاسع عشر من شهر أيلول عام 1953م…
هنا.. في هذا المكان، قبل حوالي ثلاث سنوات، كان (الشيخ مَجيد ) يودّعُ ابنهُ ذا الثامنة عشرة عاماً…
شيءٌ ما في داخله كان قد استشرَفَ المستقبل القريب “لن أراكَ بعدَ هذه اللحظةِ يا بُنيّ “….
كنت بيروت قد عَجزت عن علاجِ أمراضِهِ المُزمِنة، كما عجزت طرابلس، وطرطوس، أيضاً، وكلّ أنواع الطبّ الشعبي، وما تبقّى من خِبرةِ الأجداد.. لكنهُ كان قد عَلّمَ ابنهُ أنّ عليهِ أن يكونَ رَجُلاً في مثلِ هذه المَواقف.. “الوَضعُ صَعبٌ يا بُنيّ.. لكنّ الرجالَ تقهَرُ الصِّعاب “…
فكّرَ بوَصيةٍ يودِعُها في صدرِ ابنِهِ البِكْر، كأمانةٍ، على الإبنِ أن يتذكّرَها دائماً، لتصبحَ في روحِهِ كالوَشْم… هناكَ الكثيرُ من الوصايا، لكنّ الوقتَ ضيّق، وعليهِ أن يوجزَها في بضعِ كلماتٍ، تكون هيَ الأهَمّ، قبلَ أن تفضَحَهُ دموعه المَكتومة.. ضَمّ ابنه بين جناحَيه.. قبّله من جبينه، ومن رأسه وكتفيه.. بينما كان عادل يقبّلُ يديّ أبيهِ، وهو يبكي، محاوِلاً ألاّ يراه أبوه يبكي.. حاوَل الشيخُ أن يبتسمَ في وجه ابنه، دون أن تُفقِدَه ابتسامتُه مَهابَته.. كي لا يشعر الصبيّ بالضعف.. وانطلَقت من روحه وَصيته الأخيرة :
-عادِل…
-نعم يا أبي…
-إياكَ والأحزاب..!!
رفع عادل رأسه، لتلتقي عيناه بعينيّ أبيه، لأول وآخر مرةٍ، متسائلاً: “ماذا أيضاً يا أبي ..؟! “.. وجاءته الوصية الثانية :
-إياكَ والتعصّب الطائفيّ..!!
لم يدرك عادل لماذا أوصاه أبوه بتلك الوصية.. فهو لم يعرف التعصّب إلاّ للحقّ.. ومنذ أن وَعى على الحياة، كان بيت أبيه يعجّ بالناس من كلّ الطوائف والمِلَل والإنتماءات.. كان الوطنُ يوَحّدهم.. والثورة على المُعتدين تجمعهم، وتؤلّفُ بين قلوبهم.. فما الداعي لهذه الوصية، في هذا الوقتِ بالذات، يا أبي..؟!
أما الوصية الثالثة، فلم يفصح عنها عادل، حتى لأقرَبِ الناس إليه.. لكنّ البعض خمّن أن الأب كان يوصي ابنه بعدم الإنجرار وراء إغواءات النساء…
لكن هذا لم يتعَدّ حدود الظن.. أما إن كانت حقيقة، فعادل لم يكن بحاجةٍ إليها، لأنّ ثقفته لا تُجيزُ ذلك.. ففي ثقافته، الزوجةُ هيَ الحبيبةُ الوحيدة.. وهيَ العِرض – كما الأرض تماماً – .. وهوَ مخلصٌ لأرضِهِ وعِرضه.. بل، ويزود عنهما بالروح والدم، إن اقتضى الأمر…
=========================

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك