لم يكن “محمد” الشهيد الأول الذي يسقط دفاعا عن بلده ولن يكون الأخير. ربما سمعنا الكثير عن بيوت قدمت بدلا من الإبن اثنين وثلاثة وأحيانا أربعة على مذبح الوطن ولكل بيت منها قصة مؤلمة لايمكن إدراكها إلا بمعرفة التفاصيل وهو على الأغلب أمر غير متاح نظرا للعدد الهائل من الشهداء وهنا نكتفي وعن بعد بالتعاطف العابر. لكن أن تشاهد وتعاين عن قرب “الفاجعة” وأثرها على أسرة بكاملها عندها فقط تعلم حجم الألم وهول الهزة القوية……….. عندها تكون الحيرة وعبثية الكلام الذي يتلفظ به عادة المعزون للمواساة وتخفيف المصاب الذي لا يتمناه أحدنا مهما اختبأ وراء كلمات وجمل الغيرة والحماسة الوطنية والذي يعد عدم ترديدها بنظر المزاودين علامة استفهام وإشارة لا تصب في صالح المعزّين ولا حتى في صالح مقدمي القربان!.
هذا الكلام ليس للإحباط “ما عاذ الله” وإنما لتسليط الضوء على زاوية مهجورة مهملة لا نكترث لها إلا قليلا. محمد شاب حائز على شهادة الماجستير في الفيزياء وهو القائل كما كان والده يردد بحضورنا: “بتعرف يا بييّ أكثر ما يفرحني ويسعدني أني سأتمكن من تعليم أخوتي وبالأخص البنات منهم وآخذ بيدهم لمستقبل أفضل”. من اللحظة الأولى التي دخلنا فيها إلى ذلك البيت الطيب والطاهر أدركنا فداحة الأمر وتباعا أدركنا أهمية ما قاله محمد لجهة سعادته بالشهادة الذي يحملها!.
البيت عنوان للبساطة ذو أثاث قديم ومما لا شك فيه كما بدا أنه منذ الإكساء الأول لم تطلى جدرانه ولم يتجدد فيه شيء لا كليا ولا جزئيا!. كان أبو محمد وهو الرجل الأشيب ذو القامة النحيلة يظهر مقدارا من الصبر والتماسك من خلال تهدئة الأم “الثكلى” التي ما توقفت عن البكاء للحظة ومرحبا بالضيوف المعزين مستشهدا ببعض الآيات والأقوال التي تدعو للرضى والتسليم بأمر الله. نعم هي الرجولة التي تأبى…… ولكنه وميض العاطفة الذي لم يستطع منعه يظهر من عمق الرجولة………. وميض تجلى ودون استئذان بشهقة أهون منها مئة مرة دموع تنهمر لأيام دون توقف. استمر الوالد بالحديث ربما لأنه لا يريد للحظات الصمت أن تضعفه وهو الذي ما انفك تبريرا وافتخارا بالشخص الأعز والأغلى على قلبه. لكن الرجل الطيب والصابر سيدرك بعد أن ينفض من حوله المواسون سيدرك حقيقة أن “قرّة عينه” رحل إلى غير رجعة وأن طيف حبيبه سيأتيه فقط أثناء نوم مسبوق بأرق ودموع تدحرجت بصمت على خدين لا شاهد عليها سوى وسادة وذراع ممدودة تحت الرأس. هكذا رحل شاب آخر دون أن يخبر أحد………… رحل هكذا بكل بساطة………. وهكذا انتهى مستقبل شاب كان حتى اللحظات الأخيرة يخابر ويهاتف أحبته كما لو أنه في أكثر المناطق أمنا واعدا بالعودة غدا ليبدأ مشوار العطاء…………
رحم الله الشهيد وصبّر والديه فالخسارة لا تعوض إلا إذا عاد الوطن أفضل.
- الرئيسية
- عيون و أذان
- بيوت الطهر والطيبة..- كفاح عيسى
بيوت الطهر والطيبة..- كفاح عيسى
- نشرت بتاريخ :
- 2016-05-11
- 6:44 م
Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print
إقرأ أيضامقالات مشابهة
تابعونا على فيس بوك
https://www.facebook.com/PanoramaSyria
تابعونا على فيس بوك









