عاد مصطلح “احتكار القلّة” ليطفو على سطح التّداول الصّحفي والشّعبي، توصيفا” لواقع أسواقنا التي تتحكّم بموادّها الأساسيّة شديدة الطّلب كالسّكر والأرز والقمح حفنة من التجّار -لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة- على مرأى ومسمع الحكومة وبمعرفة وزير اقتصادها، والغياب الفاجع للهيئة العامة للمنافسة ومنع الاحتكار، التي_ على ما يبدو _ تنفّست الصّعداء بعائديتها الجديدة لوزارة التجارة وحماية المستهلك؛ ما يجعلها أكثر تخفّفا” من حمل أوزار البحث عن حيتان السّوق المتلبّسين إجازات استيراد شبه حصريّة، بينما يقضي مسؤولوها أوقاتهم تنقيبا” في القواميس الاقتصادية ليتحفوننا: بأنّنا نعيش حالة سوق “احتكار القلّة”، مُشيحين بوجوههم عن أنّ مجرّد الاعتراف بالحالة يستبطن نقضاً بنيوياً لجوهر وجود الهيئة ولاسمها الرسمي: “منع الاحتكار”، ما يُحيلنا في العمق إلى جوهر المسألة؛ ألا وهو : شرعيّة حصر إجازات الاستيراد لهذه المواد الأساسية بهذه الحفنة من التّجار أصحاب الحظوة في أروقة وزارة الاقتصاد دون سواهم من طالبي الإذن بالاستيراد.
حصريّة، أو شبه حصريّة؛ تستبطن فسادا” تفوح رائحته من تغييب اعتماد استراتيجية مُعلنة، تُحقّق العدالة بين المستوردين لكسر احتكار المواد المستوردة عموما” والأساسية خصوصا”، وبالتالي المضاربة في خفض أسعارها ما سينعكس إيجابا” على المستهلك من جهة، ويحقّق مبدأ الترشيد وتوفير المواد الأولية والحدّ ما أمكن من نظيراتها الكماليّة.
وإذا ما علمنا أنّ كمية السكر التي نستوردها سنوياً بموجب إجازات استيراد تزيد على نصف مليون طن ينحصر استيرادها حالياً بثلاثة تجار، يحظون برعاية وزارة اقتصادنا وتجارتنا الخارجية ، ويحتكرون استيراد مواد أساسية أخرى. وأنّ سعر طن السكر استيرادا” هو 390 دولارا” مع أجور الشحن والنقل، أي بسعر 214.5 ليرة للكيلو غرام الواحد للمستهلك، ومقارنتها بسعر الكيلوغرام من السكر في أسواقنا الذي يتجاوز 350 ليرة ليصل في بعضها إلى 400 ليرة؛ نكتشف حجم الأرباح الفلكيّة التي يجنيها هؤلاء المحظيّين الذين يحددون بأنفسهم وفيما بينهم سعر المبيع دونما مضاربة أو منافسة من أحد.
والحال أنّ مصداقية الحكومة؛ ولاسيما فريقها الاقتصادي في الميزان؛ وأمام محكّ ما تطرحه من شعارات: ملامسة هموم المواطن، والتّخفيف من أعبائه المعيشيّة، ورفع الحيف والجّور اللاحق به؛ من تجّار أدمنوا الرّقص على عذاباتنا، وانتشوا بامتصاص دمائنا..!?
أيمن علي-البعث









