تخطى إلى المحتوى

ثقافة الفساد تنتشر في المجتمع و مكافحتها مهمة صعبة

في زمن الحرب تكثر الملمات وتطفو على السطح أوجه متعددة للفساد والكل يبدو متسابقاً في هذا المضمار لاهثاً للحصول على حصته قبل ان ينتهي الدمار ، ولربما لا تكفي آلاف المجلدات للحديث عن هذا الملف الشائك المتكئ على الحكومة مرة وعلى الأفراد والمؤسسات مرات ،وباعتبار أن الفساد واحد فنحن هنا لسنا بمعرض الحديث عنه في سورية فقط بل لتسليط الضوء على المسؤول عنه بشكل عام.
يبقى الغريب في الأمر هو تحول الفساد إلى ثقافة سائدة في المجتمعات العربية عوضاً عن محاربته ومواجهته ، حيث أضحى طريقة حياة وأسلوب معيشة ، لا يمكن استئصاله إلا بعملية جراحية لا تقل في خطورتها عن خبرة الجراح الماهر وأدواته المستخدمة في استئصال ورم أصاب أمة بكاملها ، ولا يمكن أن تنفذ إلا بإرادة المريض نفسه .
قبل فترة وجيزة عرضت شبكة BBC مقابلة مع أحد أكبر تجّار الحشيش في لبنان، في وقت تزدهر فيه هذه التجارة في المنطقة، وما كان مبرر التاجر إلا القول : “لو الدولة تؤمّن البديل، لن يكون هناك داعٍ لزراعة الحشيش”. ..وطبعا هو عذر أقبح من ذنب ولا يستطيع أحد أن يتبناه أو يدافع عنه.
وبأيام ليست بعيدة تعرضت عارضة الازياء اللبنانية الشهيرة ميريام كلينك والمغني جاد خليفة، لنقد لاذع ازاء الفيديو كليب الجريء الذي أثار استهجان شريحة عربية واسعة ، وكان اللافت في الأمر ليس الكليب بحد ذاته وإنما رد خليفة على القضية التي أثيرت معللاً بالقول : “الكليب كان مجرد خبطة إعلامية جعلت الإعلام يحكي عنه”.. وجميع الأغاني الملتزمة التي قدمتها لم تحظ بمثل هذا الاهتمام وهذه الضجة.. بمعنى أننا وصلنا إلى مرحلة نرتكب فيها الأخطاء ونتباهى بها لأن المبرر والعذر أصبح جاهزا.
في الحالة الاولى حمّل تاجر الحشيش المسؤولية على الحكومة التي لم تستطع أن تؤمن له البدائل ، فيما برر الفنان جاد خليفة الفحش الاعلامي بغياب الاعلام عن الفن الراقي ، وما هذا الا غيض من فيض نماذج من واقعنا الذي لا تهتم به لا الحكومات ولا وسائل الإعلام.
وفي ضوء ان الغاية تبرر الوسيلة ، تشرعن الشرائح على اختلاف اعمارها ومستوياتها توجيه بوصلتها صوب الطرق الملتوية علها تنال ما تستحقه !! بدءاً من الأمان المادي وليس انتهاء من الوصول الى الشهرة المرجوة كحق طبيعي لأي فنان لم يلق الاهتمام المفروض في أغان سابقة ومروراً بطالب أفنى عمره في سنوات الدراسة الجامعية وانتهى الأمر به ليعمل كنادل او سائق ميكروباص.
وفي لوحة مشابهة لاحدى حلقات بقعة ضوء في جزئها الثامن ، شخّصت “لوحة واحسنا” ذات المشكلة، في الشاعر الساعي للوصول إلى الشهرة عبر طرح كتبه في الأسواق ، إلا أنه لم يحظَ بتلك الفرصة إلا عندما صدمته “فنانة” مشهورة بسيارتها، وخسر على أثرها إصبع يده ، لينال شرف الشهرة فيما بعد على اعتبار “هاد يلي قطعت إصبعتو حسنا” !!
وطبعا ما جسدته لوحة “وا حسنا” مقتبس من الواقع الذي نعيشه وعكسته قصة حقيقية جرت مؤخرا عن الشابة «ساندي إبراهيم» التي لم تكن سوى شاب سوري حاول جاهداً أن يصنع لنفسه مكاناً في الوسط الإعلامي والثقافي بعد أن تخرج من كلية الإعلام لكنه لم يُفلح في ذلك، ولم يهتم أحد بموهبته الشعرية أو الصحفية بعد أن قدم ما لديه لاتحادي الصحفيين والكتاب والاذاعة والتلفزيون وفي وزارة الاعلام ..لكن دون جدوى .. إلا أنه عاد وقصد نفس الجهات الإعلامية وذات الأشخاص المثقفين والشعراء الذين يحيطون أنفسهم بهالة كبيرة وأسقط عنهم ورقة التوت، بعد ان عاد إليهم باسم فتاة جميلة مثيرة على الفيس «ساندي إبراهيم ..فانتبه له الجميع واحتضنوا موهبته!!.
والقصص في عالمنا العربي أكثر من أن تعد وتحصى فأبواب جديدة تُفتح يوميا للفاسدين بظل غياب حكومات تعبأ بمطالب المواطن الساعي للقمة العيش وسد رمق النفس الأخير بحياة كريمة ليس إلا ، فيسعى الأخير لتعميق الفساد بغية تأمين الحاجات والمتطلبات ، في وقت باتت فيه الوساطة والمحسوبيات هي تاج رأس المهارات والخبرات وقاتل الشهادات والمقياس الأساسي للتقييم .
وهنا لابد من التطرق إلى موضوع الفقر أو “الإفقار” فسياسات الإفقار الممنهجة التي تتبعها الحكومات هي لسان حال حكومي يطلب ويدفع بالمواطنين إلى الجنوح عن خط الصواب سواء لسد رمق ..أو تلبية احتياجات .. أو في بعض الأحيان لزيادة الغنى والالتحاق بالطبقة المخملية .. بمعنى “دبر راسك” .
والسؤال الذي يستحضر الحديث .. هل الضرورات تبيح المحظورات فعلا ؟ ومن هو المسؤول الأكبر عن تسييس الفساد ؟ ودفع الناس لارتكابه من خلال التضييق عليهم وحرمانهم من فرص يحتاجون لها لاثبات وجودهم أو لتأمين احتياجاتهم .. وهل يتساوى الجاني مع المجني عليه ؟.. وهل تأمين متطلبات المواطن ستكبح جماح انخراطه بالمحظورات ..؟
بصوت أبكم يستصرخ المواطن العربي على الحكومات التي تكتفي دوماً بالشعارات والعبارات الطنانة ..نعم نريد حياة كريمة من حقنا الضمان “حقي عيش” ، لكن هل يلقى هذا النداء اذاناً صاغية بتأمين جوانب مشرقة غير هابطة .

صاحبة الجلالة_لمى خيرالله

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك