تخطى إلى المحتوى

شاهد بذاكرة لا تشيخ..- ناظم عيد

ليست الـ 71 عاماً حقبة قصيرة حتى في حياة الشعوب وحضاراتها، لأنها تعني جيلين ونيّفاً في أطوار تواتر المجتمعات البشرية، لكنها تعني أكثر من ذلك بكثير في عمر صحيفة عريقة هي الأقدم الباقية في بلدها، أتمّت اليوم عامها الواحد والسبعين و تواصل متوالية تألق بدأت في أربعينيات القرن الماضي.
واحد وسبعون عاماً على عدّاد يقيس المسافات الزمنية بوحدة اليوم لا بوحدة السنة، فكان اليوم بعام والعام بعقد والعقد بقرن أو حتى بدهر، من عُمر شاهد مخضرم تزخر ذاكرته بتفاصيل حياة أمة بأكملها، شاهد اسمه صحيفة البعث، التي تفاخر بأنها تنطق بلسان حزب قومي تحمل اسمه.
شاهد بذاكرة وقّادة في زمن لم يعد فيه لدينا مزيد من الشواهد الباقية على التاريخ المديد للأمة العربية، ولسورية البلد “المتمرّد” على كل كوابح الحرية وأدوات الانتقاص من معاني وتجسيدات السيادة، فالذاكرة تشيخ مع أصحابها عادة، والسنون تفعل فعلها في طمس معالم الزمان، لتبقى الوثيقة المكتوبة هي الشاهد الحكم، فكانت “البعث” كنز الوثائق والمرجع المحكّم بتوافق جمعي، الذي ينطوي على ذاكرة وطن.
ولعلّنا لا نملك اليوم، ونحن نحتفل بالذكرى الواحدة والسبعين لميلاد الصحيفة، إلّا أن نمنح مناسبة هذا العام ما تستحقه من خصوصية، على إيقاع اعتزازنا “الصاخب” بالوقوف على بوابة النصر في حرب لم تكن كالحروب ، عندما أُريد لها أن تكون زلزالاً لا يبقي ولا يذر.
كما احتفينا في ستينيات القرن الماضي وسط أجواء انتصار سجّلته للتو ثورة الحزب، وفي تشريني تصحيح وتحرير السبعينيات.
اليوم تلج “البعث” عامها الثاني والسبعين دون أن تتخلّى يوماً عن وقار قائد الرأي، ورصانة صاحب النصيحة، وسخاء حائز المعلومة، ومصداقية ناقل الخبر، وأمانة من يسرد ما وراء الخبر ويشرح ما بين سطوره، هذا هو ميثاقها، وهذا نهجها الذي درجت عليه، بعيداً عن غواية الاستعراض والابتذال والتغرير..هكذا رسخت ونجحت، وعلى هذه الأدبيات الراقية ربّت وأعدّت كوادرها على مرّ أيام و عقود صدورها، وخرّجت أجيالاً من الإعلاميين الملتزمين ميثاق المهنة، لتدفع بهم في أوصال الجسم الإعلامي السوري كأسماء راسخة، وهم ليسوا قلّة.
بدأت ببضع وريقات، لتغدو اليوم داراً كبيرة و”مصنعاً عملاقاً للميديا”، تدفع بمنتجاتها الغزيرة إلى سوق التلقّي والمتابعة، لتحجز لها مكاناً مرموقاً في زحام عالم، اختُصر على شكل قرية إعلامية صغيرة، لا مكان فيها لمن لا يقوى على البقاء ولا يمتلك قوّة الاستمرار.
إن الاحتفاء بعيد صحيفة البعث هو احتفاء برسوخ نسق إعلامي وطني ملتزم بنّاء ثبت أنه الأقوى والأبقى، يشكل جزءاً وافياً من معادلة المواجهة التي يبدو أنها باتت قدراً، والصمود الذي غدا خياراً لا يقبل المساومة.
افتتاحية جريدة البعث ليوم الاثنين /3/7/2017

ناظم عيد – مدير التحرير

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك