تخطى إلى المحتوى

خوذته والإكليل زهر الليمون….

بانوراما طرطوس- مريم مشلبن:

قارب شهر تموز أن ينتهي …. خرجت بفستانها الذي يحب ،بزهرة الليمون وعطرها ،بشعرها المسدل على كتفها ،بحمرة الشفاه الوردية ،ارتدت ابتسامتها من صورته المعلقة على جدران روحها ،وضعت خوذته التي أهداها أياها على رأسها …حملت أشواقها ومضت 
تبتسم للبيوت النصف مهدمة على طول الطريق حتى تصل إلى التلة التي تمتلئ بالقبور 
حتى لهم آبتسمت …دقات قلبها تسابق خطواتها ..يكفيها أن تصل إليه لتنسى الخوف المزروع بضجيج الحروب و صمت الأموات على طول الطريق،لا بد لها من الوصول ،لابد له من الآنتظار ..لابد لهما من لقاء قريب على ذلك الموقف المعتاد ..ربما لم يعد من العادة أن يبدو المكان بهذا الشكل ..فهناك حيث كان الحب يتكلم …
كان هناك أزهار الأقحوان وأشجار السرو العالية 
هناك ..حيث موعدهما الثابت لأختلاس الحب من زحمة المارة العابرين ،ذبلت ورود الدفلة التي كانت تحرس حبهما على الحائط الخلفي ،باردة هي حجارة الرصيف و كأنما ثقوب الرصاص في الأبنية المجاورة أصابها البرد في عز الصيف،وحيدة على نصف موقف مهدم
مازالت تنتظره وتقلب في رأسها الاف الدكريات 
هنا عنى لها ذات يوم ،هنا ركضت ذات يوم واحتضنته فرحا بعد غياب ،هنا تشاجرا غيرة من نظرته لإحدى الجميلات ،بائع القهوة الجوال لم يعد هنا أيضا 
لطالما قال لها:وحده بائع القهوة يحق له أن يعرف أسرارنا ويأخذ بضعا من عذوبتك ليطحنها بشغف ويوزعها على المارة فتمتلئ دمشق بالمحبين 
غنى لها ذات شجار “يا صبية كيف ألهبتي رمادي وصقيعي ….ما أحوجها لدفء وجوده في هذه اللحظات 
صوت المدافع المتزايد قربا ..بدأ يعصف بأفكارها وحيدة هي مع رائحة الليمون 
هو الذي قال لها ذات وداع :
أعرتك جمجمتي يا فتاة ومن أعارك رأسه لن يقتله الرصاص ولن يغيب 
بدأت تصرخ …غائب وقلبك بين يدي 
ها قد بدأت تراه يتقدم نحوها ،بلباسه الميداني وبندقيته الملامسة لكتفه اليساري …حاولت ان تلملم دمعها لترتدي ابتسامتها من جديد 
بدأت تعد أجزاءه من بعيد وكأنها تتفقد وعده بأن يعود كاملا رغم نقص الحياة …
شو عم تعملي هون ،أتاها صوته غريبا ….
عيناها الغارقتان بالدموع لم تسمحا لها برؤيته ….
نادته بأسمه …أعاد سؤاله ،شو عم تعملي هون خطر عليكي يا أختي مشي معي ،لم تستوعب كلامه،أعادت النداء بأسمه ،صرخ بوجهها كمن يريد إيقاظ نائم على سكة قطار سريع …
شو عم تعملي هون ..مين ناطرة ..في قناص هنيك 
مشي معي،ركضت معه دونما سؤال ،استوعبت في تلك اللحظة بإنه رفيق له في السلاح ،كم يشبهون بعضهم ،كانت تتمتم ،كم أصبحنا نسخا متشابهة ..كانت تفكر 
ومن وراء الساتر الترابي روت له بإختصار “فقدت الكثيرين ،لا أحب زيارة القبور ،القبور للاموات وهم أحياء في روحي ما يزالون .
هو مخطول وعدني قبل خطفه أن يعود …
أحمل له عطر الليمون ،سيأتي هو ليس ممن ينكصون العهود وأعارني خوذته التي هي شرف المقاتل كما أخبرني …وأنا اعلم بانه سيعود …
كان الجندي يستمع إليها بمزيد من الأبتسام الحزين وكأنه يخفي البكاء لئلا تنهار تلك العاسقة المكللة بإنكسار حربي ….لاتقلقي سيعود ،لدي قريب اختطفوه سنة ونصف وعاد … 
بدات تفكر بصوت عال ، لم علينا أن نتحمل المزيد من الفقدان ،أنطر كيف حولو جيوشنا لمجرد أرقام في سجلان السهداء والمفقودين 
كانت قد عادت برفقة ذاك الجندي الذي أنقذها من رصاصة القناص 
أعطته زهرة الليمون وهو يودعها باخر الكلام ،لاتعودي إلى هنا فهو يضحي لاجلك ولا يريد رؤيتك حثة هامدة ..
سيحيا ويعود …لايموت من أعطى روحه للارض 
…………………
لروح جميع الذين ضحوا وفقدوا وتألمو وعانوا وصرخوا وحيدين ..
للذين ما زالو أجسادا أسرى لدى أتباع الشياطين 
لاولئك الذين فقدوا جزاءا من اجسادهم 
للجرح الطري 
لبندقياتهم 
لروحك أنت ….
لعدد كبير من الاصدقاء الرفاق يحملون السلاح بثبات وعقيدة ومازالوا عالقين بين الشرف والإخلاص ليحيا الوطن 
لصرخة الثكالى النازفة من دمي ،لاجساد أشعر بألامها تئن في جسدي ،لارواح أعرفها ولا أعرف وجوه أصحابها ،لكل فرد شريف مهما صغرت رتبته أو علت 
من أبناء الوطن والشرف والإخلاص 
حماة الديار عليكم ومنكم السلام وبكم وحدكم الخلاص.

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك