تخطى إلى المحتوى

الدروس الخصوصية تجارة رابحة للبعض وجيوب مرهقة للأهل

طرطوس- فاديا مجد:

ظاهرة غزت بيوتنا ، واستفحل انتشارها في السنوات الاخيرة ، حتى غدت تجارة رابحة لبضاعة غير كاسدة ، في الوقت الذي تزداد فيه معاناة الأسر السورية بسبب الاوضاع المعيشية الصعبة التي فرضتها ظروف الحرب القاسية التي أرخت بظلالها القاسية وغيومها السوداء على كافة مناحي الحياة
بعد أن باتت تكلفتها تفوق الدخول المهدودة التي تصاب بثقب أوزوني بداية كل شهر.. الامر الذي جعل الأهالي يعلنون حالة النفير العام , من أجل العمل ليل نهار, بغية تأمين مصاريفهاأوالاستدانة من فلان أو سحب قرض كرمى عيون الابناء , والظفر بالتفوق والنجاح‏‏

ورغم أن هناك تعليمات تصدر بين فترة وأخرى تؤكد على منعها, لا تزال تنتشر بحكم الظروف والحاجة كالوباء وتحولت الى حالة شبه طبيعية بين الطلاب بمختلف الأعمار، بعد أن كانت محصورة في سنوات سابقة بطلاب الشهادة الاعدادية والثانوية، ولمواد أساسية فقط دون وجود ضوابط وآلية رقابية عليها لدرجة سلمنا بوجودها مجبرين لا مخيرين‏‏

ومع تعالي الاصوات المطالبة بإعادة التدريس الى سكة المهن المحصنة والسامية أمام من يحاول تحويله الى تجارة وجني المزيد من الأرباح ، مازالت المواقع الالكترونية وأسوار المدارس وملصقات الجدران تغص بإعلانات لمدرسين يستعرضون فيها امكاناتهم وقدراتهم , واستعدادهم لتقديم دروس خصوصية مع تقديم حسومات مغرية ومرضية وكأننا في أوكازيون ؟!‏‏

وهنا نسلط الضوء على هذه الظاهرة والأسباب التي أدت لاستفحالها في السنوات الأخيرة والتقت أهالي طلاب، وطلاب ,ومدرسين, وأصحاب اختصاص في محافظة طرطوس مع التنويه الى أن هذه الظاهرة ليست حكرا عليها وإنما هي ظاهرة موجودة في جميع المحافظات .. والهدف واحد معالجة هذه الظاهرة وايجاد الحلول الناجعة لها‏‏

إرهاق مادي‏‏

_ يقول أمجد وهو أب لثلاثة طلاب في مراحل دراسية مختلفة : أعمل ليل نهار لأوفر مصاريف الدروس الخصوصية لأولادي ويضيف : تعليم أولادي من أولويات الأسرة ، وقد أصروا على حاجتهم للدروس لأنهم لا يستوعبون المنهاج في المدرسة ويدعو أمجد لضبط أسعارها , واصفا إياها بالبورصة التي ترتفع وتنخفض بناء على اسم وشهرة المدرس , دون وجود جهة تهتم بوضع ضوابط ومعايير لها وتحاسب المدرسين الذين تحولوا لتجار .‏‏

_ أما ريتا بشور فترفض بشكل قاطع مبدأ الدروس الخصوصية كونها تشكل عبئا ماديا يرهق كاهل الأسرة وخاصة في ظل الغلاء المعيشي الذي نعيشه ، حيث يجهد رب الأسرة لتأمين ما يسد حاجةعياله من طعام وشراب .‏‏

تقصير متبادل‏‏

ويصف محمد مصطفى الدروس الخصوصية بالوباء الذي استشرى وصار من الصعوبة القضاء عليه ويضيف : رحم الله أيام زمان .. يوم كان المدرس يبذل قصارى جهده بغية إيصال المعلومة لطلابه ، فقد كان لا يخرج من القاعة الصفية إلا وقد فهم وحفظ الطلاب الدرس عن ظهر قلب ، أما اليوم نجد البعض وليس الجميع يعطي المعلم الواجب والدرس على مبدأ من فهم كان به ومن لم يفهم فهذه مشكلته .‏‏

_ ويشير زاهر كردي الى أن معظم المدرسين الذين يدرسون طلاب شهادة ينهون المنهاج مبكرا , ليتركوا المجال للطالب للمتابعة في الدروس الخاصة وكل ذلك بالاتفاق مع إدارة المدرسة .ويضيف قائلا : يتفق عدة مدرسين على فتح مكتب واحد للدروس الخصوصية وأغلبنا يعرف أنه من شروط الترخيص إقامة دورات للغات والحاسوب فأين الرقابة منها!‏‏

_ ويرى أكرم اسماعيل أننا نعاني إرهابا يستنزف قوت يومنا بسبب تراجع أداء المدرسين الذين يفرض عليهم واجبهم الخلقي والمهني أن يؤدوا رسالتهم بكل أمانة وضمير ، ولا نريد أن نعمم ولكن الاغلبية منهم أخرجت العملية التربوية عن مسارها ، ويتساءل قائلا أين هي الجهات المسؤولة عن العملية التربوية ؟! ولماذا لا تحاسب المدرسين المقصرين الذين يجبرون الطلاب بطريقة غير مباشرة على الاستعانة بالدروس الخصوصية‏‏

_ أما أم بشار فتحدثنا عن معاناتها مع الدروس الخصوصية قائلة : همنا الوحيد في هذه الحياة أن نضمن مستقبل أبنائنا العلمي ، فالشهادة هي رأسمالنا الوحيد نحن الفقراء ، ولأجل هذا بعنا قطعة أرض صغيرة لنوفر مصاريف الدروس الخصوصية‏‏

_ ولدى سؤالنا عن دور المدرسة قالت بحسرة : هم قلة من يعطون بضمير ! الكل يركض وراء المادة ، وأغلبهم يشرح الدرس بسرعة ، وإذا سأل أحدهم سؤالا يمتنع المدرس عن الإجابة بحجة أن الوقت لا يسمح بطرح أسئلة .‏‏

أسعار خيالية‏‏

_ معظم الذين التقيتهم قالوا بأن تكلفة المادةالعلمية في سنة البكالوريا تصل الى 100ألف ليرة كحد وسطي ، والتاسع تبلغ تكلفة الساعة بين 1000و1500 ليرة وتختلف الأسعار بين الريف والمدينة , وتبعا لاسم المدرس وشهرته ، كما أجمع معظم الذين التقيناهم بأن أسعار الدروس الخصوصية ترتفع في الفترة التي تسبق الامتحانات وتسمى الجلسات الامتحانية .‏‏

تعزز الاتكالية‏‏

وللمعلمة عبير الأحمد رأي في الدروس الخصوصية فهي تجعل الطالب يهمل واجباته المدرسية ولا يهتم لشرح المدرس في القاعة الصفية لاتكاله على الدرس الخصوصي ليبدأ بإحداث الشغب والفوضى غير مبال بزملائه الآخرين ، اضافة للتشتت الذهني والتعب الجسدي الذي يبذله الطالب مابين مدرسته ودرسه الخصوصي , وشعوره الدائم بالضغط النفسي في حال فشل في تحقيق التفوق.‏‏

ارتفاع معدلات القبول الجامعي‏‏

_ وتعبر لجين حنا عن أسفها لما أوصلنا إليه بعض المدرسين الذين حولوا العلم لتجارة مستغلين الارتفاع الكبير في معدلات القبول الجامعي , وسعي الطلاب للتفوق بغية تحقيق حلمهم وحلم آبائهم ، وتتمنى على الجهات القائمة على العملية التربوية محاسبة الاساتذة المقصرين في واجبهم ، وإقامة دورات لطلابنا في العطلة الصيفية ترعاها مديرية التربية ومنظمة الشبيبة ، بحيث تستقطب خيرةالمدرسين وبأسعار تشجيعية تناسب الجميع .‏‏

_ ميسم محرز وفاتن ياسين وغدير أحمد من المتفوقين في مدرستهم أشاروا الى رغبتهم بدراسة الطب وأنهم بسبب ارتفاع المعدلات يأخذون دروسا في المواد الأساسية ، وتقول ميسم: (ندفع مالا .. كله يهون من أجل الطب )‏‏

صعوبة المنهاج‏‏

معظم الذين التقيناهم أكدوا لنا أن صعوبة المنهاج هي السبب المباشر لأخذهم الدروس الخصوصية‏‏

_ الطالبة نور محمد : المدرسون لا يشرحون داخل الصف على نحو كاف ، والمنهاج صعب ومكثف ويشاركها الرأي زميلها محمد ابراهيم قائلا : كثرة المواد الدراسية وطول المقرارات وكثافتها وقصر وقت الحصة التي لا تكفي لحل المسائل والتمارين أمور تجعلنا نلجأ للدروس الخصوصية .‏‏

_ مايا ابراهيم طالبة تاسع قالت: أستعين بمدرس خصوصي في مادة اللغة العربية لأنها مادة أساسية للنجاح ، وخاصة مادة القواعد التي لا استوعبها ، فمعلمة العربي تشرح بشكل سريع , ولا تعطينا مجالا للسؤال بسبب كثافة المنهاج وقصر وقت الحصة .‏‏

الكثافة العددية في الشعبة‏‏

_ أما سمر ورغد وطوني وابراهيم وهم طلاب بكالوريا أدبي فأكدوا أنهم يتلقون دروسا خصوصية في مادة اللغة العربية والفلسفة بسبب عدم استيعابهم للمواد في الصف نظرا للكثافة العددية في الشعبة الواحدة , حيث يتجاوز عددهم الخمسين طالبا‏‏

_ وتبين عبير تيشوري طالبة عاشر علمي أنها تستعين بمدرس خصوصي لمواد الرياضيات والفيزياء والكيمياء بسبب الاعداد الكبيرة في الصف وكثرةالضجيج ، فمعظم الأساتذة يمضون نصف الوقت في تأنيب الطلاب على شغبهم وكثرة كلامهم.‏‏

موضة وبرستيج‏‏

_ وتصف لنا أم يزن الدروس الخصوصية بالموضة وخاصة بين الاطفال الصغار وتقول تتهمني ابنتي وهي في الصف الرابع دائما بالتقصير, وذلك لأنني لم أحضر لها مدرسة خصوصية , فيما أغلبية زملائها عندهم مدرس خصوصي رغم أنها متفوقة في دروسها .‏‏

وللمدرسين رأيهم‏‏

أغلب المدرسين الذين التقيناهم امتنعوا عن إعطاء اسمائهم واكتفوا بالقول بأن الدروس الخصوصية هي حل لغلاء المعيشة وخاصة في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها ،كما إنها فرصة عمل لعدد كبير من الخرجيين الجامعيين الذين طال انتظارهم لوظيفة, وأضافوا : لماذا تحاسبوننا على إعطائنا الدروس الخصوصية ؟! نحن نقدم فكرنا ووقتنا للطلاب المقصرين أو المتفوقين الراغبين بالتفوق وضمان مستقبلهم العلمي ، مقابل مبلغ مالي بالكاد يؤمن شراء طعامنا وشرابنا في ظل الغلاء الفاحش .

أسباب متداخلة‏‏

_ بسام محمود الصافتلي الدكتور في المناهج وأصول التدريس أشار الى أن الدروس الخصوصية هي ظاهرة معقدة تنجم عن العديد من الأسباب المتنوعة والمتداخلة من أبرزها تدني أجور ورواتب المدرسين وغياب الرقابة الميدانية للمدارس وحرص أولياء الأمور أن يحصل أبناؤهم أعلى الدرجات لارتفاع معدلات القبول الجامعي ، كما أن صعوبة المنهاج وكثافة أعداد الطلاب وتقصير المدرسين المتعمد ولجوء بعض الأهالي إليها كنوع من التفاخر والبرستيج من الأمور المسببة لظهورها .‏‏

ويضيف : يأخذ الدرس الخصوصي نقطة ايجابية عندما يستخدم لتحسين مستوى الطالب في حالات البطء في الفهم والاستيعاب والحالات المرضية فقط .‏‏

العلاج‏

ويتابع الدكتور بسام الصافتلي حديثه قائلا : يتعذر القضاء على ظاهرة الدروس الخاصة قضاء تاما لكون ذلك من ضروب المستحيل ولكن يتوجب السعي للحد منها وتضييق الخناق عليها حيث تتوزع المسؤولية برأيه بين الطالب والمدرسة والبيت والإعلام وذلك من خلال الحرص على ايجاد المدرسين المختصين والمؤهلين علميا وتربويا والعمل على تحسين أوضاعهم المعيشية واعتماد نظام الحوافز ، كما يجب إجراء دراسات للوقوف على أسباب ضعف الطلاب في مواد أساسية وتفعيل دروس التقوية ومواصلة تطوير نظام الاختبارات المدرسية ، والاهتمام بتدريب المدرسين المستمر، وتطبيق قواعد المساءلة والمحاسبة للمدرسين المقصرين مع ضرورة تفعيل الارشاد التربوي في مدارسنا والتقييم المستمر للكتاب المدرسي ، والعمل على جعله أكثر تشويقا ، وخفض أعداد الطلاب في الشعبة الواحدة وأخيرا توجيه طلابنا لمتابعة التربوية السورية واستثمار التكنولوجيا في عملية التعلم كشبكة الانترنت , وإقامة دورات للطلبة تحت إشراف مديريات التربية والمنظمات الشعبية‏‏.

بانوراما طرطوس- فاديا مجد

Facebook
Twitter
Telegram
WhatsApp
Print

إقرأ أيضامقالات مشابهة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات

تابعونا على فيس بوك

https://www.facebook.com/PanoramaSyria

تابعونا على فيس بوك