هل لديكَ من يشتري الأرض، لم أعد قادراً على مصاريفها ومستلزمات زراعتها، خسارتي هذا الموسم أكثر من مليوني ليرة، كلها تراكمت ديوناً عليَ فماذا أفعل؟
بهذه الكلمات بدأ علي شاكر شكواه وأضاف: أعمل وزوجتي يومياً من الصباح حتى المغيب، ولوأني أعمل (بالفاعل) لكان مردودي أكبر بكثير، كلّ شيء غالٍ، والزراعة لم تعد تسدّ رمق تكاليفها، كيلوالبندورة من 30-50 ليرة وبأحسن الحالات 60-70 ليرة!
هي شكوى تختصر الكثير مثلها، اضف إلى ما تضمنته أجور النقل و(الكومسيون) وكلّ مفردات العملية الإنتاجية الزراعية، وحينها لن نحتاج إلى أي دليل لنثبت الخسارة الكبيرة التي يتعرّض لها مزارع الساحل وخاصة فيما يتعلّق بالموسم الربيعي سواء في الزراعة المحمية أوالحقلية وكان آخرها موسم البطاطا.. هذا الموسم الذي أدى إلى خسارات كارثية على المزارعين..
(نقّ) ولكن!
صحيح أن البعض يبالغ كثيراً، ويزيد من (نقّه)، ولكن ثمّة عوامل ضاغطة تدفعه إلى ذلك، وتجعل ميزانه خاسراً معظم الأحيان، ولا تستطيع كل الإجراءات (الإيجابية) أن تنقله من ضفّة الخسارة إلى ضفة الربح إلا السوق الخارجية (السحريّة) التي ترفع سقف الأسعار لتجعل المستهلك هوالشاكي الباكي..
سوء تخطيط
في طرطوس على سبيل المثال نحو/140/ ألف بيت بلاستيكي، معظمها مخصص لزراعة البندورة (أكثر من 90 ألف بيت) وهوما يؤدي إلى توفّر فائض كبير من البندورة في الأسواق الخارجية يجعل الطلب عليها قليلاً مهما كبر أمام كمية العرض، وهوما يجعل سعرها بالمفرّق في أسواق اللاذقية وطرطوس يتراوح من 50-100 ليرة فقط، ومن دون عناء نستنتج أن المزارع باع الكيلو بأقلّ من خمسين ليرة وهوما تؤكده أيضاً شهادات المزارعين..
المزارع خليل حبيب قال في هذا الصدد: التركيز على زراعة البندورة له ما يبرره، فهذا المحصول يمكن التحكّم بقطافه على عكس الخيار أوالباذنجان أوأي محصول آخر، وهوأيضاً أقلّ المزروعات حاجة للأدوية مقارنة مع الخيار على سبيل المثال، إضافةً إلى أنّه يعطي إنتاجاً كبيراً قد يعوّض شيئاً ما من تدنّي الأسعار على عكس المحاصيل الأخرى والتي يكون إنتاجها أقلّ.
أمّا غياث رشيد فيقول إنها عادة، اعتدنا أن نزرع البندورة وكانت أمورنا (ماشية) لكن الأحوال الأمنية التي وقفت عائقاً أمام استمرار سوق العراق أثّرت كثيراً علينا، وإن شاء الله وبعد أن عاد الأمن والأمان إلى معظم المناطق السورية ومنها طريق العراق نأمل أن تفتح السوق العراقية أمام المنتجات الزراعية السورية فعندها لن تكون هناك شكوى ولا من يحزنون..
في سياق متصل أيضاً، وبعيداً عن الزراعات المحمية فإن النسبة الأكبر من المساحات الزراعية في محافظة طرطوس كانت هذا الموسم (بطاطا) ما أعاد مشهد البندورة من حيث العرض والطلب، وهناك مقولة لدى مزارعي الساحل ملخصها: عندما ترخص البطاطا يرخص كلّ شيء!
غلاء المستلزمات
لن نأتي بأي جديد في هذا الصدد، وهذا الأمر ليس مرتبطاً بسنوات الحرب على سورية ولكنه زاد خلالها، ومردّ ذلك أنّ معظم أنواع البذار والأدوية والمعقمات مستورد، ولا توجد ضوابط تسعيرية، ويزيد هذه الحالة اضطراباً استجرار معظم مستلزمات الإنتاج دَيناً (على الموسم) ما يفقد المزارع أي حقّ بالنقاش بالسعر!
بالطبع حلّ هذه الإشكالية ممكن من وجهة نظر المزارعين وتتمثل بتدخّل الدولة في سوق المستلزمات الزراعية وتأمينها من مستوردين موثوقين وبيعها عبر الوحدات الإرشادية بسعر معقول وبتقسيط مريح، لكن على ما يبدو فإن هيمنة التجار أكبر من رغبة أي جهة أخرى بهذا الشأن.
التصنيع الزراعي
التصنيع الزراعي ضعيف جداً مقارنة بكميات الإنتاج الكبيرة، وهذا الخلل لا تُسأل عنه الدولة وحسب وإنما القطاع الخاص الذي يوظّف أمواله في سوق التكنولوجيا المستوردة والغذائيات القادمة من وراء البحار وألبسة البالة وغير ذلك..
نستورد المكثفات العصيرية وإنتاجنا من الحمضيات بملايين الأطنان، وتغزو أسواقنا ألبسة البالة المستعملة والقطن السوري من أجود الأنواع، ونشتري (ربّ البندورة) الموجودة في السوق تحت مسمى (مساعدات) بأسعار مضاعفة عن إنتاجنا المحلي و…
أمام هذا المشهد، وبنظرة استراتيجية نسأل: لماذا لا تضغط الدولة على المستثمرين الذين توفّر لهم الكثير من التسهيلات لإقامة صناعات زراعية حقيقية تنهض بجزء من أعباء التسويق وتصريف الإنتاج مع أنّها لن تكون خاسرة، ولكن سيكون بإمكان الدولة أن تمنح المزيد من التسهيلات لها؟..
بين خيارين
لا نريد أن نحصر عملية الإنتاج الزراعي بخيار واحد وهو إنتاج ما تستطيع أسواقنا تصريفه، بل يجب أن يتركز الجهد دائماً على توفير وفتح المزيد من الأسواق الخارجية، فإنتاجنا الزراعي قاطرة اقتصادية تنموية مهمة جداً ولا يجوز أن تتوقف.
بانوراما طرطوس- الوحدة









