مما لاشك فيه أن الظروف التي نمر فيها من انتشار لفيروس كورونا والأزمات المعيشية والاقتصادية المتكررة، تعد ظروفاً استثنائية لم تؤثر في الصحة الجسدية لأفراد المجتمع فحسب، بل داهمت الحالة النفسية, فبتنا نسمع بمصطلحات ومفاهيم لم تكن دارجة فيما مضى, ومنها الهشاشة النفسية التي عرفها الاختصاصي النفسي عبد الرحمن دقو أثناء وقفة له مع (تشرين) أنها شكل من أشكال اضطرابات الشخصية تتصف بالاستجابات السلبية تجاه مواقف الحياة المختلفة وبتدني النضج الانفعالي وضعف عام في منظومة القيم الانفعالية للفرد بحيث يبقى أسيراً لأفكاره السلبية متمحوراً حول ذاته, وهو ما يمكن وصفه بفقدان جزئي لهويته النفسية ما يدفعه للالتصاق بأحد ما ليستمد منه الثقة والخبرة والقدرة على الحياة، ولتلك الحالة كما وضح الاختصاصي النفسي عدد من الأعراض قد تكون مجتمعة أو منفردة منها:
أعراض فكرية كهيمنة التفكير العاطفي – الغوص في الماضي وتفاصيله – الاستغراق في التفكير السلبي – التضخيم والمبالغة والتهويل لأي حدث أو موقف عادي – الحدية في الحكم ( عدم المرونة ) واعتبار أي موقف بمثابة تهديد حقيقي له، وهناك أعراض انفعالية ونفسية تتمثل في: تقلب المزاج – قلق وخوف وهلع – يأس – مبالغة في الحنين والتأثر – إحساس بالضياع و الاستسلام للألم – فقدان أو ضعف الثقة – الشعور بالدونية وبفقدان لذة الحياة، وإلى جانب تلك الأعراض تقف الأعراض الاجتماعية والتي تتمحور حول السعي المستمر لإرضاء الآخرين – عدم القدرة على المواجهة والتعبير عن المشاعر – التعلق بشخص بشكل مبالغ فيه، أما الأعراض الجسدية فهي: ضيق في التنفس – صعوبة في الكلام – غصة في الحلق وارتفاع الضغط و الإنهاك والتعب الجسدي.
وعن الأسباب التي تدفع بالشخص للوقوع في براثن اضطراب الهشاشة النفسية قال دقو : لكل حالة خصوصيتها ولكن عموماً يمكن إيجاز المسببات على الشكل التالي :
أسباب تعود لطبيعة الشخص وبنيته واستعداداته الفطرية ونمط تفكيره ومستوى نضجه وافتقاره للخبرات والتمركز نحو الذات، خوفه من النقد وخسارة الآخرين والتعلق المفرط بالبعض والاعتماد عليهم، المعاناة من ضغوط نفسية كالفقر والانفصال والخسارة المادية أو خسارة العلاقات الاجتماعية، وهناك أسباب تربوية واجتماعية: وتعود إلى التنشئة الاجتماعية من قواعد وعادات وأعراف اجتماعية ضاغطة تحول معايير التحكم في التفكير والسلوك إلى معايير خارجية وليست ذاتية، كما يمكن أن يكون لتأخر سن الزواج والفراغ العاطفي دور في تشكل هذا الاضطراب، أيضاً هناك الأسباب العامة كالحروب والكوارث والصدمات والشعور بالغربة والاغتراب والأزمات المعيشية أو لبعض الأدوية الكيميائية التي تعمل على إحداث تأثيرات على الشخصية يمكن أن تؤدي إلى ظهور اضطراب الهشاشة النفسية .
ورداً على سؤاله عن أساليب الوقاية والعلاج قال دقو: يحتاج الشخص الذي يعاني الهشاشة النفسية إلى مساعدة نفسية متخصصة ولكن كثيراً ما يفيد العلاج الذاتي ووعي الذات والرغبة والإرادة الجادة في التخلص من معاناة وألم وجود مثل هذا الاضطراب, فامتلاك أدوات معرفية ونفسية كالحكمة والصبر والتسامح وقبول الآخر والخلاف معه والسمو والتعالي عن الصغائر كل ذلك يقوي الصلابة النفسية ويساهم في تراجع الهشاشة النفسية، كما تعد الرغبة والإرادة في فهم طرائق الحياة والتكيف السوي باطمئنان وسلام وبعقلانية أيضاً من العوامل العلاجية، ولا ننسى أن العودة الى النشاط النفسي والانفعالي والسلوكي التي سبقت الشدة النفسية من علاقات اجتماعية ومهنية وأسرية وثقافية وترفيهية والاهتمام بالحياة العاطفية وما فيها من مشاعر المواجهة الإيجابية والتعبير والبوح والمصارحة و تحديد الأهداف وتجديدها بحيث تكون سامية وممكنة, عوامل تعتبر من أولويات العلاج الذاتي لهذه المشكلة، فالإيمان الحقيقي بأن الثقة بالنفس تأتي من الفرد ذاته و ضبط المشاعر والتفكير بشكل مناسب هو الذي يحقق التكيف السوي والشعور بالرضا والسعادة والفاعلية.
ليختتم الاختصاصي النفسي حديثه بدعوة الأهل إلى ضرورة توفير أجواء آمنة من التربية والتنشئة والمصارحة والحب لدى أبنائهم لأن السمو الروحي والصفاء الذهني والنفسي من العوامل المهمة في التحصين النفسي وتوفير الطاقة النفسية للوصول إلى حياة طبيعية.
بانوراما سورية- تشرين









